| 

وُلدت فلسطين «قضية» من قبل أن تكون وطناً.
وعندما مُنع شعبها من إقامــة دولته على أرضها اتخذتها الأمة رمزاً له قــداسة تتــجاوز الإطار السياسي ليحتل مكانــه فــي الوجــدان.
لا حدود لفلسطين، لأنها ككل مطلق، تخص كل الناس وتمنحهم شرف الانتماء إليها بالجهاد من أجل الحق والعدل وكرامة الإنسان.
ولأنها «قضية» فقد اجتمع في أفيائها المختلفون في ما بينهم بالفكر أو بالتوجه: الوطني والتقدمي، العامل والفلاح وصاحب رأس المال، العروبي والإسلامي، الكياني والأممي.
ولأن العدو الإسرائيلي غزاها مستوطناً بقوة السلاح وتواطؤ الاستعمار البريطاني، فقد كان طبيعياً أن يقاتل أهلها لحماية وجودهم فيها ووجودها الثابت فيهم.
وكانت الثورة الطريق إلى مقاومة الاحتلال... وكان طبيعياً أن يشارك كل المحتلة أراضيهم، من جيران فلسطين، في هذه المقاومة، فالتحرير مهمة قومية عربية بقدر ما هي مهمة وطنية فلسطينية. وهكذا احتشد في صفوف المقاومة، منذ الثلاثينيات، مقاتلون متطوعون من سوريا ولبنان والعراق والأردن ومصر وليبيا والمغرب واليمن.
ولأن فلسطين هي «القضية» فقد كان طبيعياً أن يتلاقى في أفيائها مناضلون متعددو الانتماء والتوجهات الفكرية... وهكذا تحولت أحزاب وحركات سياسية، فلسطينية أو قومية، إلى الكفاح المسلح، أو أنها استولدت من صلبها طلائع فدائية هي التي ستُعرف ـ من بعد ـ باسم «الفصائل».
ولأن فلسطين أرض صراع فلقد كان طبيعياً أن تزدحم في أفياء ثورتها الدول والمصالح والقوى السياسية المتعددة التوجه.
وهكذا، أفرز كل حزب أو تنظيم أو تكتل فلسطيني أو عربي الشــعار والهــوية «فصيلاً» يحمل السلاح من أجل فلسطين وباســمها، وإن ظلت «حركة فتح» القيادة ومن ثــم المرجــعية السياسية من خلال توليها رئــاسة منظــمة التحرير التي صارت «سلطة» على بعــض الأرض، وإن ظلت فــي مــوقع الــرمز للقـضية.
هذا العدد من «فلـسطين» عن «الفــصائل» التي شاركت بجهد في معركة التــحرير، والتــي أكدت ـ بتعددها ـ وحدة القضية، على اختلاف العقائد والمناهج، ووحدة الــشعب المشرد في مخيمات اللجوء أو المهدد بوجــوده فوق أرضه التي تذوبــها المستوطنــات كل يوم.
إنه عدد يستعيد فترة من تاريخ فلسطين الذي كتبت معظم فصوله بدماء الشهداء ممن استبقوا الأرض المقدسة في وجدان حاضرنا وجعلوا تحريرها عنواناً لمستقبلنا.