| 

بدأنا البحث في تفسير مكانة القوى الفلسطينية من شرفة قد تبدو مترفعة هي «إن الاكتفاء بما تحقق هو من اكبر المخاطر التي تواجه هارفارد»، أي عدم الرضى بواقع الحال مهما كان ممتازاً. استدعى هذا المفتاح القيمي لزوم منهج يبدأ مع تقصي صحة السؤال وتحديد «ماذا حدث؟» قبل تفسير «لماذا حدث؟».
تقول الوقائع أن حماس على صعود وفتح على استقرار والشعبية على هبوط، على خلفية انتخابات 2006، وتوزيع أصوات المنتخبين بواقع (42,2 ٪) حماس، و(39,3 ٪) فتـــح، و(4٪) الشعبية، ما يعني أننا أمام استقطاب شعبي حاد بين حماس وفتح. هذا حدث، لكنه يخفي عيباً نوعيا على مستويين؛
(أ) المستوى الفني لناحية أن من لهم حق المشاركة في الإنتخابات، هم أبناء الأرض المحتلة 1967، أي (40٪) من الفلسطينيين. يهبط وزن حماس وفتح والشعبية معا، إلى (48٪) ممن هم في سن الإنتخاب، موزعة كالتالي؛ حماس (23,7٪) ، فتح (22٪) ، الشعبية (2,26٪) . والحال هذه، ثمة «كتلة سلبية»؛ تعادل (52٪) . بَيَّن التدقيق أيضا، أن بعض حصة الشعبية يعود للصوت المسيحي.
(ب) المستوى المعياري، حيث قياس تَفَوُق كل طرف فلسطيني بالآخر الفلسطيني؛ أي بمعيار التنافس الداخلي بين فرقاء الصف الواحد على السلطة، لا معيار الثورة والتحرير وصراع الوجود مع إسرائيل.
ما هو معيار الصعود والإستقرار والهبوط؟
إذاً؛ علينا تحديد هل كان انتصار جهة فلسطينية ما، انتصاراً لذاتها كجهة حزبية على منافساتها، أم على إسرائيل. إن بيت القصيد هو هنا، في المعنى الصحيح للمسائل، حيث ثمة خديعة ولَّدَت أسئلة بَدْئية حول «ماذا حصل»، على خلفية السؤال التاريخي: لماذا كانت نكبة 1948، حيث بداية المسألة والسؤال.
إذاً، ثمة معيار عادل هو نكبة 1948، إرتباطاً بأن القوى الفلسطينية الراهنة انطلقت لإزالتها. نشير هنا إلى قاسم مشترك بين هذه القوى هو إستثمار هزيمة الناصرية أمام إسرائيل سنة 1967، أي بعد خمسة عشر عاماً فقط من قيام ثورة 1952، بغرض تكريس أن سبب إدانة هؤلاء للتجربة الناصرية هو فشلها في تحرير فلسطين! ما زالت ديباجة الخطاب الفلسطيني بعد مرور 45 عاماً على 1967، تبدأ مع تلك الهزيمة. والحال هذه، لا نخطئ حين نتحدث عن معيار عادل هو تقويم التجارب الكفاحية ربطا بتحقيقها لأهدافها!
يمكن الحديث عن عمر (47) عاماً لفتح، و(45) عاماً للشعبية، و (25) عاماً لحماس. تنقلب الصورة حين نحيل التنظيمات إلى جذورها، حيث تصبح حماس هي الأقدم، إذ تعود جذور جماعة الأخوان المسلمين في فلسطين إلى ما قبل 1948. وراء انطلاقة الجبهة الشعبية وبناتها وحفيداتها، حوالي عشرين عاماً من الخبرة مع حركة القوميين العرب، التي تأسست في مناخات نكبة 1948. يؤكد مؤسسو فتح أن البداية تعود للعام 1959. وحدها الجبهة الشعبية – القيادة العامة في عمر الخمسين. نسعى من تحديد أعمار التنظيمات إلى تأكيد أن كشف الحساب مع تجربتها يغطي نصف قرن كحد أدنى، وهذه فترة كافية .
بعد نصف قرن؛ ما عاد السؤال: «أين نحن؟» بل «من نحن؟»!
لقد صار مملاً أن ما مِن تنظيم فلسطيني نَظَّم ندوة فكرية لقراءة تجربته، وهو حين يُقيم مهرجاناً يحرص على جلب خطباء ليقولوا فيه نفاقاً صار مؤذيا للخطيب والمخاطب. ليس سراً أن تجنب ما يمت بصلة للبحث المعمق، هو لتجنب طرح وبحث سؤال: «أين نحن؟» بل «من نحن؟» بعد نصف قرن أو يزيد؟
رب غاضب يسأل؛ هل يُعقل أن نُسأل: من نحن؟ نحن فتح؛ نحن حماس؛ نحن الشعبية! ربما من أجل جواب كهذا؛ فإنه ما من تنظيم إلا ويبدأ حديثه مع إستعادة إنطلاقته، دون ذكر أين وصل بعد نصف قرن مِن هدف التحرير الذي قامت من أجله الحركة الفلسطينية. و بناءعليه، فإن كل حديث عن تقويم صاعد أو مستقر أو هابط، إنما يتم على خلفية معيار فلسطيني تنافسي داخلي، وليس معيار الصراع مع إسرائيل.
إن سؤال: «من نحن؟» و«أين نحن؟» ليس ترفاً، بل ضرورة لتأسيس فكر سياسي فلسطيني متماسك وحقيقي. لقد قامت «فتح» مثلاً، على معادلة (التحرير الكامل)؛ (الكفاح المسلح)، التي مُست مع التحول نحو خيار التسوية سنة 1974، وصولاً إلى اتفاق أوسلو 1993، الذي كان حداً فاصلاً ترتب عليه إعادة تعريف الجغرافيا والحقوق الفلسطينية، إنطلاقاً من مقايضة الأرض المحتلة 1967 بالأرض المحتلة 1948.
بمقدار ما يسجل التطور المشار إليه على فتح، فإنه يسجل لها. ثمة من يرى في أوسلو نقطة ضعف فتح، ارتباطاً بمعيار الأهداف التاريخية التي انطلقت من أجلها، مقابل من يعتقد أن نهج التسوية، مكَّنها من امتلاك مشروع سياسي أكثر قابلية للتحقق. لقد بدا خيار «فتح» هذا حاسماً، على الأقل بالنسبة لمصير الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس. إذاً، حركة فتح الآن هي فتح الجديدة؛ المتكيفة نوعياً؛ المتَحَوِّلة جذرياً؛ المتماهية مع «سلطة وطنية» تمارس قدراً محسوباً من وظائف الدولة، وتسعى لإمتلاك ما تبقى من مقوماتها.
ثمة من يرى في ذلك أساس قوة فتح، إرتباطاً بأنه يشكل مشروعها السياسي الجديد، وهذا يفسر أنها لم تشهد يوما أزمة من مِثل أزمة 2006، التي تطورت إلى انقلاب أمورها التنظيمية في مؤتمرها سنة 2009. يستحق توقفاً أنها لم تشهد حالا مشابها حتى مع أوسلو الذي قلب المسار والمصير. كانت الأزمة الحادة بعد 13 عاماً على أوسلو، ما يسمح بالقول أن معاقبتها بسبب عجزها عن الحصول على دولة.
سواء أكانت فتح الآن في الموقع الأول أم الثاني، فإن الحجم الذي بقي لها، يعتبر انتصاراً مناسباً تحلم به أي قوة بعد تجربة حكم مديدة وصعبة. يبقى بالغ الدلالة أن سؤالاً واجبا لم يوجه لها حول فشلها في مواجهة إسرائيل، مِن مِثل مساءلة حادة تعرضت لها بعد فشلها في إختبار الصراع على السلطة مع حماس!

خلاف في الأيديولوجيا تشارك في السلطة
إذا كانت نسبة (40٪) التي حصلت عليها فتح، تقف مع خيار سياسي معين، فلا شك أن الكتلة الموازية المؤيدة لحماس، والموازِنَة تقريباً لقوة فتح، لها حيثياتها الفكرية السياسية المعاكسة. هنا، وكما في شأن فتح، ثمة سبب رئيسي، هو الخيار السياسي المتمثل بالمقاومة، في حين هنالك حوافز أخرى اقل قيمة.
تشاركت الحركتان في سمة البراجماتية، أي العمل من خلال الشروط الإجتماعية الحاكمة وما تقتضيه الخيارات النظرية من توفير الآليات والإمكانات الواجبة. وبناء عليه، ليست ميزة فتح وحماس في «المال الكافي» الذي توفر لهما، بل «الوعي الكافي» الذي توفر فيهما لأهمية المال ووظيفته الإجتماعية. غرض النقطة إلقاء الضوء على رمزية المال، بوصفه تعبيراً عن ثراء/ تقدم فكري أولاً. نسقط من حسابنا الغنى المرتبط بالريع أو النهب أو الخسة. يوصل مد السؤال صوب؛ لماذا ثمة قوة مقابل ضعف إلى أن التفوق هو فكري بالأساس.
«تقدمية» الشعبية في منافسة «تقدم» فتح وحماس وفِقه الواقع يناقض القول بتفوق فكري لفتح وحماس مع صورة زائفة أن الفكر هو ماركة مسجلة بإسم اليسار الذي طال وصف نفسه بالتقدمي! ثمة خلط فظيع وقع حين تم التوهم أن تَبَنَّي أيديولوجية تقدمية، أي تدعو إلى أطروحات اجتماعية تتجاوز السائد، يجعل متبنيها متقدما في إدارة شؤونه ونظرته للحياة. إن اشتراطات صفة تقدمية هي من طبيعة أخلاقية وقِيمية وأيديولوجية، في حين يرتبط امتلاك صفة متقدمة بعوامل علمية وحضارية وثقافية. وبناءعليه، فإنه عندما طَبَّق المتخلفون الأيديولوجية التقدمية وقعت كوارث.
هذا هو الإنقسام الذي قرر التوازنات الفلسطينية الراهنة. مواجهة بين تقدميين ومتقدمين. لم يكن المقرر نبل الفكرة بل تقدم حاملها. وإذ استقر الأمر على غلبة فتح وحماس، فلأنهما أكثر تقدما من الشعبية.
كان امتياز جورج حبش أنه عاش محترفاً ثورياً، وتأسس سياسيا حتى 1967، حيث كان في الثانية والأربعين، وسط بيئة رسولية تتعاطى السياسة وتعامل مع محترفين ثوريين نخبويين. تعاطى حبش مع أمثاله، فأسس تنظيماً قام على انتقاء الأعضاء وفق نظام مترفِّع ومقاس مثالي.
كان لياسر عرفات إمتيازه أيضا. لقد تأسس في العالم الحقيقي، حيث لم يكن له الخيار، لإعتبارات مهنية، في إنتقاء من يتعامل معهم. لذا، كان أكثر وعياً للمحركات الإجتماعية المتنوعة والحوافز المتعددة والمركَّبة المقررة في مواقف الجماعات والأفراد، خصوصاً أولئك في الخليج، الذي يقدم بحد ذاته مثلاً فاضحاً عن مكانة المال في تقرير حياة الأفراد والجماعات. كانت البيئة الإجتماعية الحاضنة لتجربة فتح في الخليج، الأكثر إستقطاباً للنخبة الفلسطينية، الوجه الآخر لنزيف النخبة من مواطنها الأصلية في دول الطوق، التي صارت أقل غنى على صعيد الثروة والنخبة، حيث تمركزت حركة القوميين العرب وما صارت إليه من يسار.
أما بالنسبة للأخوان المسلمين، فخَلْفَهم «فقه الواقع»، بما هو ركن تأسيسي في الفكر السياسي الإسلامي، ووراءهم تجربة عملية عاصفة ومديدة. لعل الأهم هو وعي الجماعة لتجربتها على مستويين:
(أ) في ضوء ما انتهى إليه صدام الإخوان المسلمين والعهدين الملكي والناصري، تم الإتعاظ من المغامرة وأدينت العسكرة، أي وضع الجهاز المسلح ـ المستوى التطبيقي فوق المستوى السياسي– القيادي.
(ب) ترتب على قمع الإخوان المسلمين إنكفاؤهم نحو العمل الداخلي، حيث عاشوا مخاضاً انتهى إلى أن الأيديولوجيا لا تكفي بحد ذاتها، والقول لا يصير فعلاً بمجرد نطقه، وهو ما ترجم بقرار التحول إلى الإسلام الحركي. تم ذلك من ضمن مفهومين متباعدين: الخروج على المجتمع لتغييره بقوة السلاح، و الإستفادة مما يتيحه الحيز العام، عبر أساليب تستوفي الشروط القانونية الوضعية، فضلا عن الشرعية الدينية.

الدعوة والإعداد والادعاء
عاش الإسلام السياسي الفلسطيني الإنقسام نفسه، ففي حين مثَّلت حركة الجهاد المفهوم الحركي، عَبَّر الإخوان عن المفهوم الدعوي. مع إنطلاقتها سنة 1987 صارت حماس الأكثر تجسيدا للمقاومة. الآن؛ يكون مر وقت كاف لتعطي الحياة كلمتها حول مدى صوابية كل واحد من تياري الحركة الإسلامية. لقد إنتهى التيار الجهادي، محدوداً ومنقسماً على نفسه، بينما حقق التيار الدعوي غير نجاح راسخ ومشهود.
فصلت كلمة الحياة في الصراع بين الإسلاميين، وهم يتحدثون عن «دعوة» و«إعداد»، وبين خصومهم، الذين رأوا ذلك «إدعاء». قالت كلمة الحياة أن الإسلاميين لم يكونوا مدعين بل جادين، وهو ما تُرجِم في بنية مؤسساتية بجناحين: مدني إجتماعي، وأمني قتالي. لقد بنوا مؤسسة قوية، بل سلطة موازية للسلطة الرسمية التي تقودها فتح، التي بدورها بنت مؤسسة، رغم الإدعاءات المعاكسة.
يقع سر نجاح حماس لاحقاً في المراجعة المبكرة التي قام بها الإخوان المسلمون لتجربتهم، وما قاد إليه طغيان ذهنية «العسكرة» على «السياسة» من كوارث. كان الدرس باهظاً وكافياً لتجليس معادلة العلاقة من عسكر له جماعة إلى جماعة لها عسكر. لم يكن التعديل دون معنى، وهو سيطرة السياسة على ما عداها، ولا بغير ترجمة نجدها في توفير البيئة الإجتماعية والبنية الحزبية الحاضنة للفعل العسكري، بوصفه وظيفة دقيقة تقررها السياسة وإعتباراتها، وليس الأجهزة الأمنية، كما في تجربة حكم القوى القومية واليسارية.
كانت تجربة فتح مشابهة لتجربة حماس على صعيد ثانوية مركز العسكر أمام المستوى السياسي. لقد أعطى عرفات العسكر الإمتيازات والموازنات، لكن بعيداً عن أي إسهام في صوغ القرار السياسي، الذي بقي حصريا للجنة فتح المركزية وليس عرفات، الذي كان رمزاً لكن القرار لم يكن حكرا له يوما.
لم يكن عرفات يوماً وحيداً على صعيد القرار الإستراتيجي، والدليل أن كل قصة فتح خلال نصف القرن المنصرم، هي ثلاثة قرارات تاريخية أجمعت عليها قيادة فتح؛ مبدأ الكفاح المسلح؛ دخول فتح منظمة التحرير؛ التحول نحو التسوية السلمية سنة 1974، حيث لعب أبو إياد، دور البولدوزر السياسي. كان مسلياً أن يتوهم بعض أهل اليسار أن «أبو إياد» ليس إلا يسارياً ضل طريقه إلى فتح! أما خالد الحسن، المناهض الجدي لعرفات، فكان قطب الدفاع عن مشروع فتح المرحلي في المجلس الوطني سنة 1974.

جمع المتصالحات أم المتناقضات؟
تقوم أي حركة سياسية إنطلاقاً من وضوح وإستقامة علاقة مستويات العمل فيها على قاعدة سمو ومكانة السياسة على سواها. لولا رسوخ هذه الثقافة المؤسساتية، ما كان لفتح أن تحتفظ بعسكرها وهي تذهب سياسياً من النقيض إلى النقيض، وحماس حين تنتقل من وضع الحرب إلى وضعية الهدنة المديدة.
تؤشر حالتا «فتح» و«حماس» على حضور «إعتبارات الدولة» في الأداء، ما يعني أننا أمام «مؤسسة سلطوية» تقود «حركة ثورية». تشابهت الحركتان أيضاً على صعد تسييل ـ تقريش المنجزات الثورية، عبر بنى إجتماعية إستدعت سلطة لإدارتها، وهو ما تمثل بالسلطة الفلسطينية، والتي ناهضتها حماس من خلال سلطة موازية، وصولاً إلى إنتظام حماس في السلطة الرسمية الفلسطينية، قبل أن تنشق إلى دويلتين في الضفة وغزة.
يمكن أن يقال الكثير عن نواقص الدويلتين، ولكن يمكن أن يحكى الكثير أيضاً عن مظاهر دَوْلَتيه في الضفة وغزة. والحال هذه، صار لدى كل من «فتح» و«حماس» إنجاز مادي ملموس وقاعدة سلطوية أرست عليها ورسملت من خلالها ما راكمته من سمعة وإمكانات. ساد ويسود هذا الوضع قدر هائل من التباس الوجود والهويات المتناقضة بين منطق الثورة ـ حركة التحرر وبين منطق السلطة، لكن هنالك من يعتقد جازما أن الإمتياز الأبرز للدولة ـ السلطة، هو قدرتها على فعل الشيء ونقيضه؛ أن تجمع المتناقضات!
ثمة من يقول لمن يستهجن ذلك: لو كانت وظيفة الدولة ـ السلطة جمع المتصالحات، ما كان لتكون لها حاجة أصلاً. ولقائل، هل ذلك لمصلحة فتح وحماس أم ضدهما، فإن الجواب هو: هذا وذاك. إنه توصيف لواقع الحال. وإذ يقال أن لا منطق في جمع المتناقضات فإن الجواب هو: أنه مادام وقع فله منطقه.
الجـــبهة الشــعبية من مِلْــح الأرض إلى الأزمـــة البنيـــوية فالغيبوبة المديـدة.
تناولنا تجربة فتح وحماس، نزاعا ومصالحة. كانت شراكة قصيرة وقلقة بعد إنتخابات 2006، إنتهت بتقاسم السلطة والجغرافيا الفلسطينية المتبقية. عنى إنتهاء الإنقسام أن كل طرف صار من القوة بحيث لا يستطيع الآخر أن يلغيه، لكنه ليس على قوة كافية تمكنه من إلغاء الآخر، فكانت شراكة قلِقة ولدودة.
لم تنته الأمور بين الطرفين على نحو ما انتهت إليه كَمِنَّة من الآخر، بل لأن كل طرف أثبت حضورا، نتيجة أسباب متكاتفة أفضت إلى توازن قوى فرض شراكة. نستطيع الحديث هنا عن وجود أيديولوجيا تعبوية، عقل سياسي، رؤية فكرية، وعي تاريخي، فكر سياسي، مشروع سياسي، واقعية سياسية، مرونة سياسية، مأسسة، مواءمة الأهداف ومستلزمات تنفيذها، التكيف وإستيعاب المستجدات، خبرة إجتماعية.
إن مفتاح ما تقدم هو وعي الوعي كحصيلة لمراجعة التجربة، وما انتهت إليه من تحديد لطبيعة الأزمة ومغادرتها بمغادرة أسبابها، وليس بإنكارها لإنكار أسبابها وتجهيل مسببيها وتجنب الدواء الإجباري: تغيير السياسات والأشخاص. وإذ صعدت حماس لتستقر مع فتح على القمة، فهذا يعني أن الإشتراطات الواجبة تنطبق عليهما إيجاباً وتنطبق سلباً على الشعبية، التي تراجعت بنسبة (90٪) من وزنها الأصلي.
بجملة واحدة؛ إن الأسباب التي صنعت نجاح فتح وحماس لم تتوفر للشعبية فتراجعت. بلغة أخرى؛ أن العوامل التي صنعت مجد الشعبية ودورها ومكانتها قد تآكلت فانحطت الحال بها. هذا الجواب غير كاف لأنه لا يجيب عن جوهر السؤال المطروح، وهو؛ ليس أن الجبهة عاشت أزمة أم لا، وحالها في ذلك من حال الحركتين المنافستين، بل لماذا تمكنت فتح وحماس من التجدد في حين ذهبت الجبهة الشعبية في غيبوبة مديدة؟
تشابهت فتح وحماس والشعبية في كل شيء بنيوي، بما في ذلك وعي ذاتها ومراجعة تجربتها، لكن الاختلاف هو أن الشعبية مُنِعَت من الدواء الذي وُصف لأزمتها، وذلك في رد قاطع على إنطباع أنها فقدت حيويتها الفكرية وروحها النقدية فعجزت عن وعي أزمتها وحلــها، فكـان الإنحطاط العميق والغيبوبة المديدة.
لا يعيب أي حركة إجتماعية مثل الجبهة الشعبية أن تصاب حتى بكارثة، لكن الكارثة المميتة تقع حين يُمْنع عنها العلاج. هذا القول يحمل المسؤولية أساسا وبوضوح للعامل الداخلي، لأن العامل الخارجي كان موجوداً دائماً وساعياً وراء تدمير الشعبية كما فتح وحماس، لكنهما تمكنتا من إستيعاب الضربات وتعويض الخسائر على عكس الشعبية وهي تنتهي في أزمة مديدة ستصبح مميتة إذا إستمر الخنجر في ظهرها.

«ظلاميون» و«متنورون»
لم تملك الجبهة الشعبية الإرادة الصلبة والوعي المتجدد ممثلاً بوعي الوعي ومراجعة التجربة وكشف الأزمة الخاصة بها وتحديد طبيعتها وأسبابها وكيفية مغادرتها فقط، بل أدركت أن أزمتها داخلية وبنيوية وتاريخية أيضا. تدحض الوثائق التي أنجزتها الشعبية حول تجربتها كل إدعاء حول عجزها عن تجديد عقلها السياسي وحيويتها الفكرية بعد إغتيال غسان كنفاني، الذي إغتيل ثانية حين أحيلت له الجبهة وليس العكس، بإعتباره حصيلة مشرقة للجبهة وللتنظيم الأم حركة القوميين العرب التي ما زال تراثها النقدي حصيناً في روح الشعبية.
لتأكيد ما تقدم نقتبس من «الوثيقة المنهجية الفكرية»؛ كانون الأول 1997، بعض الفقرات المعبِرة عن المناخات الفلسطينية السائدة حينذاك، وسعي وثائق الجبهة لإخراج النقاش من إسفاف دُفِعَ إليه، وإعادته إلى رِفعة الفكر ومستوى السياسة العليا. نشير هنا إلى ما تضمنه الفصل الرابع الذي حمل عنوان «بحثاً عن نقطة الوضوح»، حيث سؤال: هل النزاهة الفكرية والأخلاقية هي عِبر ترك الحقيقة تمضي في دربها؟
تناولت الوثيقة في هذا السياق المنهجي الأخلاقي عنواناً ومعبرا هو: («ظلاميون» يستخدمون الكهرباء و«متنورون» لم يسمعوا بها) حيث ورد« (المصلحة الضيقة كيلا نقول الرخيصة ، لمنافسي التيار الأيديولوجي من علمانيين على مختلف ألوانهم ومشاربهم، كانت في تجنب إلقاء أي ضوء قد يسهم في كشف فضيحة بدائيتهم على هذا الصعيد، وهم دعاة «العلمانية» و«المأسسة» مقارنة بالذهنية والممارسة العلمية لـ«الأصوليين»، وبلغة البعض «الظلاميين»، الأكثر استخداما للكهرباء من أدعياء أبوتها». في حينه، قالت الجبهة أن المسألة معرفية في الجوهر في إستعادة لقول لينيني شهير: الكهرباء لا يصنعها الأميون. كان معنى هذا البوح الشجاع للشعبية ، أنها نفسها تحتاج الكهرباء لتخرج من الظلام قبل إتهام أحد بالظلامية.
إذاً، أنتجت الجبهة الشعبية وعياً لذاتها لكنه لم يجد ترجمة طيلة (15) عاماً مضت منذ صدور تلك الوثائق الغنية في كانون الأول 1997 وحتى شباط 2012. على خــلاف ذلـك، كــان إمتياز التيار الإسلامي الذي حل بديلاً للجبهة الشعبية، أنه ترجم نقده لتجربته، وهو ما إنعكس في برامج عمله، فإستعاد حضوره.

ما الذي منع العلاج؟
لا تعود معضلة الجبهة الشعبية إلى عجز عن وعي الوعي، بل في منعها من تمثل نتائج العملية النقدية العميقة والشجاعة التي عاشتها. يُطرح هذا الإستنتاج في ضوء مفارقة أن جسماً إجتماعياً بفعالية الشعبية وتاريخيتها كان قادراً على وعي ذاته، لكنه عجز عن الإستفادة من ذلك. وبالمعنى المشار له، نحن أمام عملية مركبة، شقها الأول إرتكاب أخطاء أفضت إلى أزمة، وشقها الأخطر منع علاج الشعبية.
لا نتحدث عن فترة وجيزة، سواء تلك التي تراكمت بها الأزمة وعمرها من عمر الجبهة، أو تلك التي إنقضت منذ تم تشخيص الأزمة عِبر وثائق مكتوبة، لكنها لم توضع موضع التطبيق العملي، ما ترك الأزمة تتفاقم، وسط محاولات مستميتة لإخفاء مظاهرها أو إنكارها بذريعة الحرص على «سمعة الجبهة» وإعتبار كل حديث عن أزمة تعيشها على أنه إساءة لسمعتها! والحصيلة، ضُحِّي بـ«صحة الجبهة» بذريعة حفظ «سمعة الجبهة» التي لم يبق منها شيء إلا التاريخ بعد أن ضمر وزنها على نحو يهدد بخروجها من التاريخ. تقع في نفس السياق، محاولة التهوين من أزمة الجبهة، وأنها ليست إلا مسألة عابرة ومن طبيعة هامشية وعادية.
تمت المراجعة بموجب قرار من اللجنة المركزية العامة للجبهة الشعبية بإجراء قراءة شاملة، لكن بعد تبديد أعوام طويلة من المراوحة وتعطيل البحث في الأزمة وسبل معالجتها. أفضى الإلتزام بالقواعد التحليلية المنهجية الواجبة إلى أن الأزمة بنيوية كونها تطال جميع جوانب العمل، أو ما قيل في حينه مجازا أن الجبهة صارت دون أسنان أو لسان أو مال أو رجال. وبهذا المعنى تم تحديد الأزمة أنها بنيوية شاملة، أي أنها تاريخية، لأن الأزمات الشاملة لا تتكون بين ليلة وضحاها، بل هي حصيلة تراكمية لأخطاء فكرية فادحة.
وفرت الحوارات التي تمت في سياق مناقشة أزمة المعسكر الإشتراكي أدوات معرفية، بل قوة دفع معرفي لحوار كان محتدماً في فرع الجبهة الشعبية في لبنان حول العلاقة بين معاناة الفرع من أزمة حادة وبين ظاهرة الهبش - الفساد المتفاقمة والفاجرة. راج في تلك الأيام، على نحو واسع، مفهوم المافيوقراطية بوصفه تعبيراً عن تفاقم فساد البيروقراطية الحزبية ووصولها، حد التعفن والإنتقال لتلعب دور النقيض لوظيفتها الأصلية.
لا تشكل الجبهة الشعبية الآن، في أحسن الأحوال، إلا عُشْر ما كانت عليه أيام ذروتها، ما يسمح لأي مراقب بإستنتاج أن الجبهة الشعبية لم تعُد الجبهة الشعبية، بعدما فقدت (90 ٪) من المقومات التي كانت لها ممثلة بالتراث التاريخي الهائل الذي راكمته خلال سنوات ذروتها. مع أسف، إنها تصبح يوماً بعد يوم من الماضي جراء تآكل الوجود والعجز عن التجديد بما يعوض كما ونوعاً النزف المتأتي لأسباب متعددة.
أن ما تحتاج إليه الجبهة، هو توفر حسن النية وسمو الإرادة لإخراجها من أزمتها، وممارسة «سياسة حل»، عبثاً نجدها دون «رؤية حل» كخطوة لاحقة ونتيجة «رؤية أزمة» يبدعها عقل سياسي قادر وضمير صاف، يجمع على نحو خلاق بين النزاهتين الأخلاقية والفكرية. رب قائل من أين سيتوفر كل هذا؟ الجواب بسيط. يكفي فتح الأدراج المغلقة ونفض الغبار والإفراج عن «المراجعة التاريخية» التي أُعدت بإشراف الدكتور جورج حبش، وعن «الوثيقة المنهجية الفكرية»؛ التي أُعدت بإشراف أبو علي مصطفى، للمؤتمر السادس.