| 

طوت الثورة الفلسطينية المعاصرة سبعاً وأربعين سنة منذ أن أطلقت حركة فتح رصاصتها الأولى في 1/1/1965. وفي هذه الحقبة العاصفة ظهرت منظمات كثيرة، واندثرت أخرى، وتبدلت أحوال الفصائل المقاتلة أيما تبديل، فاختلفت نهايات تلك المنظمات عن بداياتها، الأمر الذي جعل المبادئ والأفكار والسياسات تختلط بشكل عجيب. ثم أن الحقل السياسي الفلسطيني نفسه خضع لتغيرات متتالية، وأحياناً متسارعة، منذ إعلان برنامج النقاط العشر في سنة 1974، ثم بُعيد الخروج من بيروت في سنة 1982، وتكرر الأمر في أثناء انتفاضة 1987، وبعد اتفاق أوسلو سنة 1993، وبعد الانتخابات التشريعية في سنة 2006. وترسخ في هذه الأثناء في الأراضي الفلسطينية اقتصاد ريعي ذو سمات نافرة كالإنفاق الاستعراضي. وكان من نتائج هذه التغيرات المتفاعلة إعاقة بناء الديموقراطية السياسية في السلطة الفلسطينية جراء سياسة الإقصاء في الضفة وجراء تقويض الحياة السياسية كلها في قطاع غزة ومحاولة أسلمة المجتمع وإلغاء الفصائل العلمانية.
إذا كانت مقالات هذا العدد من ملحق «فلسطين» تمثل تحليلات متفاوتة النظرات إلى الواقع الراهن للفصائل، إلا أن هذه المقالة تمثل عودة إلى البدايات التأسيسية، أي عودة إلى الحقل السياسي الفلسطيني الأول. ولعل في هذا الأمر مدعاة للمقارنة والتحليل النقدي مرة ثانية.

الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين
ظهرت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في 11/12/1967 عقب هزيمة الخامس من حزيران/يونيو 1967، وكان يُنظر إلى الجبهة الشعبية على أنها المنظمة الثانية من حيث الأهمية بعد حركة «فتح»، لاتكائها على التراث السياسي لحركة القوميين العرب، وعلى السيرة النضالية لمؤسسي الجبهة أمثال جورج حبش ووديع حداد وهاني الهندي وغيرهم. ولا ريب في أن ثمة اشتراكاً وافتراقاً في تاريخ حركة القوميين العرب وتاريخ الجبهة الشعبية معاً. وكي لا تختلط الأمور، فإنه لا بد من تفكيك عناصر الاشتراك عن عناصر الاتفاق، وإعادة ترتيب الوقائع التاريخية كما حدثت حقاً، وإزالة الالتباسات التي وقعت فعلاً؛ فالجبهة الشعبية، في الطور التأسيسي الأول، ليست وليدة حركة القوميين العرب وحدها، بل كانت نوعاً من اتحاد بين ثلاث قوى فلسطينية. ولم يلبث هذا الاتحاد أن انهار بسرعة، فاقتصر اسم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين على مجموعة واحدة كانت تعمل سابقاً تحت اسم «شباب الثأر»، وهي المدماك التاريخي الأول لحركة القوميين العرب.
في سنة 1952، وفي مدينة بيروت بالتحديد، بادر عدد من الطلاب العرب في الجامعة الأميركية، إلى تأسيس مجموعة سياسية لم تتخذ لها اسماً محدداً في البداية. فكان اسمها تارة «الشباب القومي العربي»، وطوراً آخر «القوميين العرب» كتسمية عامة لا كمصطلح ذي دلالة محددة. أما المؤسسون فكانوا: جورج حبش ووديع حداد (فلسطين)؛ هاني الهندي (سوريا)؛ أحمد الخطيب (الكويت)؛ حامد الجبوري (العراق)؛ حمد الفرحان (الأردن).
بدأ وديع حداد ينسج صلات سرية ببعض المتسللين الفلسطينيين في لبنان، ممّن كانوا يجوبون مناطق الجليل وبعض نواحي عكا، ويجمعون المعلومات عن الأحوال هناك. وفيما بعد، وبسبب العلاقة الخاصة مع عبد الحميد السراج في سوريا، تمكن هاني الهندي وفايز قدورة من الحصول على دعم عسكري من الجيش السوري تمثل في تدريب عناصر من حركة القوميين العرب في معسكرات حرستا في سنة 1958. وفي أحداث سنة 1958 في لبنان شاركت الحركة في القتال إلى جانب القوى المناوئة للرئيس كميل شمعون. والمعروف أن الحركة ارتبطت بالرئيس جمال عبد الناصر ارتباطاً وثيقاً، وازداد عدد أعضائها بسبب التأييد الكاسح للرئيس عبد الناصر في صفوف الفلسطينيين، وجرى تنسيق عال بين الحركة والنظام المصري، فتولى ضباط الاستخبارات محمد نسيم، ابتداء من سنة 1961، وفي لبنان بالتحديد، مهمة إحياء الحركة بعد الضربات التي تلقتها في سوريا في إبان الانفصال. وسافر إلى القاهرة كل من محسن إبراهيم ومصطفى بيضون وهاني الهندي لتنسيق النشاط المشترك، وأقام المساعد العسكري لوديع حداد، فايز قدورة، في القاهرة، كضابط ارتباط مع سامي شرف عن الجانب المصري.
وكانت الحركة أنشأت في سنة 1959 «لجنة فلسطين»، وأوكلت إلى كل من جورج حبش وهاني الهندي ووديع حداد وأسامة النقيب وعبد الكريم حمد وأحمد اليماني الإشراف على هذه اللجنة. وجاء تأليف هذه اللجنة عقب إعلان الرئيس جمال عبد الناصر في آذار/مارس 1959 أن من الضروري تأسيس كيان فلسطيني. وفي تشرين الأول/أكتوبر 1963 التقى في بيروت عدد من كوادر الحركة الفلسطينيين، واتفقوا على تأسيس فرع فلسطيني مستقل. ولهذه الغاية تألفت «قيادة العمل الفلسطيني» التي شرعت في تجميع الأعضاء الفلسطينيين في كل إقليم من أقاليم الحركة، مع بقائهم تابعين، تنظيمياً، لقيادة الإقليم. وفي أيار/مايور 1964، وفي أثناء المؤتمر القومي للحركة، جرت الموافقة على إنشاء الفرع الفلسطيني المستقل في حركة القوميين العرب.
في أواسط سنة 1964 بدأ التحضير الفعلي للعمل العسكري، وأُسس «جهاز خاص» لهذه المهمة برئاسة وديع حداد يساعده كل من صبحي التميمي وفايز جابر. وكان بين أعضاء هذا الجهاز مصطفى الزبري (أبو علي مصطفى)، وعبد الكريم حمد (أبو عدنان)، وأحمد اليماني (أبو ماهر)، وزكي هلّو. وأرسل هذا الجهاد عدداً من المتدربين إلى معسكر أنشاص في مصر، حيث تلقوا أسلحة خفيفة ومتفجرات. وفي أيلول/ سبتمبر 1964 عقدت قيادة العمل الفلسطيني مؤتمراً لها حضره جورج حبش ووديع حداد وهاني الهندي، وانتخبت قيادة جماعية مؤلفة من بلال الحسن وغسان كنفاني وصالح شبل وأحمد خليفة وعبد الكريم حمد. وكانت الغاية هي الإسراع في تهيئة الأمور لبدء العمل العسكري، وقررت القيادة الجديدة إرسال عدة دوريات استطلاعية إلى داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة، وتولى قيادة هذه الدوريات فايز جابر وصبحي التميمي. وفي 2/11/1964 اعترضت دورية أردنية إحدى الدوريات الفلسطينية، وأطلقت النار على عناصرها فقتل خالد الحاج أبو عيشة، فكان أول شهيد للفرع الفلسطيني في حركة القوميين العرب الذي كان لا يزال يعمل تحت اسم «شباب الثأر».
ولم يظهر أي نشاط عسكري للحركة حتى اندلاع حرب حزيران/يونيو 1967، ولم تثمر الاستعدادات التي بدأت في أواسط سنة 1964 فصاعداً. ومع اندلاع حرب 1967 تضعضع تنظيم الحركة في الضفة الغربية أيما تضعضع، فما كان من بعض الأعضاء السابقين في الحركة، وكذلك بعض العاملين، وقد ساءهم التباطؤ في العمل العسكري، إلا أن بادروا إلى تأسيس منظمة صغيرة لمقاومة الاحتلال. وكان على رأس هذه المنظمة الدكتور صبحي غوشة الذي حملت منظمته اسم جبهة النضال الشعبي الفلسطيني. وحاولت قيادة العمل الفلسطيني إقناع صبحي غوشة بالعودة إلى الحركة، لكنه رفض، وفي نهاية تموز/يوليو 1967 اتخذت اللجنة التنفيذية للحركة قراراً بضرب العدو الإسرائيلي في كل مكان. وبناء على هذا القرار أنشأ وديع حداد وهاني الهندي «الجهاز الخاص»، وجرى تأليف قيادة للداخل كان على رأسها أبو علي مصطفى وعزمي الخواجة وأحمد خليفة وعادل سمارة وعبد الله العجرمي وأحمد زعرور.
في 11/12/1967 ظهرت إلى الوجود الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، ونشأت هذه الجبهة من اندماج أربع مجموعات هي:
1 ـ منظمة أبطال العودة.
2 ـ جبهة التحرير الفلسطينية بقيادة أحمدجبريل وعلي بشناق وفضل شرورو.
3 ـ مجموعة العقيد أحمد زعرور وبشير البسطامي.
4 ـ شباب الثأر، وهم فرع فلسطين في حركة القوميين العرب.
وخططت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين لعملية عسكرية في مطار دافيد بن ـ غوريون في اللد بتاريخ 11/12/1967 كي تتزامن مع انطلاقة الجبهة، لكن العملية فشلت واعتقل المسؤول العسكري عبد الله العجرمي. ثم جرى اعتقال 56 عضواً في الجهاز العسكري خلال الأسبوع التالي. ومنذ ذلك التاريخ فصاعداً نفذت الجبهة ما لا يقل عن اثنتي عشرة عملية خطف أو هجوم على الطائرات الإسرائيلية والأميركية والبريطانية والسويسرية، كان أبرزها:
* اختطاف طائرة لشركة «العال» الإسرائيلية من روما إلى الجزائر في 15/7/1968.
* اختطاف طائرة TWA وتدميرها في مطار دمشق في 29/8/1969، وقاد هذه العملية سليم عيساوي وليلى خالد.
÷ مهاجمة طائرة لشركة «العال» في مطار أثينا في 26/12/1968، وقامت إسرائيل بالهجوم على مطار بيروت الدولي في 28/12/1968 متذرعة بأن الفدائيين غادروا إلى أثينا بسلاحهم من مطار بيروت. وكانت المحصلة تدمير 13 طائرة مدنية لشركة MEA اللبنانية.
واشتهرت الجبهة الشعبية بالعمليات الخارجية المثيرة، لكنها، إلى جانب ذلك، مارست جهداً عسكرياً مميزاً في الأرض المحتلة، ولا سيما في قطاع غزة. وكانت شادية أبو غزالة أول امرأة تستشهد بينما كانت تعد عبوة ناسفة في 21/11/1968. وبرز في القتال العسكري محمد محمود الأسود (غيفارا غزة) الذي قاد قوات الجبهة في غزة(**).
وتعرضت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين لثلاثة انشقاقات رئيسية كان أولها خروج جبهة التحرير الفلسطينية منها في 10/10/1968، والتي اتخذت اسم «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ـ القيادة العامة». أما الانشقاق الثاني فكان خروج التيار اليساري بقيادة نايف حواتمة في 22/2/1969، واتخاذه اسم «الجبهة الشعبية الديموقراطية لتحرير فلسطين»، والذي صار لاحقاً «الجبهة الديموقراطية لتحرير فلسطين». وفي 10/3/1972 انشقت مجموعة صغيرة أطلقت على نفسها اسم «الجبهة الشعبية الثورية لتحرير فلسطين» بقيادة أحمد فرحان (أبو شهاب). وفي إبان هذه الانشقاقات خضعت الجبهة لتبدلات عميقة نشأت في مجرى التحولات السياسية العربية، فهي تخلت عن الخط القومي التقليدي وتبنت الماركسية في سنة 1968، ثم تخلت عن العلاقة المميزة مع الرئيس جمال عبد الناصر بعد قبوله مشروع روجرز لتسوية القضية الفلسطينية في 23 تموز/ يوليو 1970، وتخلت في 14/3/1972 عن استراتيجيا خطف الطائرات، ثم عادت وقبلت فكرة الدولة الفلسطينية المستقلة على الضفة الغربية وقطاع غزة بعدما كانت رفضتها في سنة 1974.
بوفاة وديع حداد في 28/3/1978، وتفكك «جبهة القوى الفلسطينية الرافضة للحلول الاستسلامية»، المعروفة باسم «جبهة الرفض» اختصاراً، مالت الجبهة الشعبية إلى عدم الفاعلية. وبعد الخروج من بيروت إلى دمشق في سنة 1982، انضمت الجبهة إلى المعارضة الفلسطينية التي وقفت ضد النهج السياسي لرئيس منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات، وضد اتفاق أوسلو الموقع في 13/9/1993. لكن تطور الأوضاع في الأراضي الفلسطينية بعد قيام السلطة الفلسطينية خلخلت هذه المعارضة، وأدت إلى قيام تيار قوي ضمن الجبهة يدعو إلى الانتقال إلى فلسطين بدلاً من العطالة السياسية في دمشق. وعندما استقال جورج حبش من الأمانة العامة للجبهة في 1/5/2000 انتخب أبو علي مصطفى أميناً عاماً، وأقام مقره في رام الله إيذاناً بعهد جديد للجبهة، لكن إسرائيل اغتالته في 27/8/2011، فانتخب بدلاً منه أحمد سعدات الذي اعتقلته إسرائيل لاحقاً.
أسس هذه المنظمة في سنة 1964 صبحي التميمي وفايز جابر. وأصدرت في 19/10/1966 بلاغاً عسكرياً أعلن استشهاد ثلاثة من مناضلي المنظمة في عملية الجليل هم: سعيد العبد سعيد، ومحمد اليماني، ورفيق عساف، وأسر رابع هو سكران السكران. وثمة مجموعة أخرى بالاسم نفسه ظهرت في مخيم الوليد في مدينة حمص بقيادة العميد منيب المجذوب، لكنها سرعان ما انهارت.
(**) ولد في حيفا في سنة 1943، ولجأ مع عائلته إلى غزة جراء النكبة في سنة 1948. تولى قيادة قوات الجبهة في قطاع غزة، واستشهد مع رفيقيه كامل العمصي وعبد الهادي حايك في 8/3/1973.

الجبهة الديموقراطية
شكلت هزيمة الخامس من حزيران/يونيو 1967 صدمة كبرى للمثقفين العرب، ورأى كثيرون فيها هزيمة للفكر القومي التقليدي وللبورجوازية العربية معاً. وتقدم الفكر الماركسي ليحاول تحليل هذه الهزيمة وتفكيك أسبابها، وصوغ مشروع مختلف للنهوض من تبعاتها، وشهدت تلك المرحلة تحول كثير من المناضلين والمثقفين القوميين والليبراليين إلى الماركسية. وقد احتدم هذا الجدل داخل الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وداخل حركة القوميين العرب، وظهر خلاف قوي في المؤتمر العام للجبهة الشعبية الذي عقد في نيسان/ أبريل 1968. وكان واضحاً أن ثمة تيارين يتصارعان ضمن الجبهة: تيار يساري على رأسه نايف حواتمة، وتيار القيادة التقليدي الذي كان يميل يساراً من دون الالتزام بالماركسية. وتطور الخلاف إلى درجة أقدم فيها بعض قادة الجبهة على اعتقال عدد من أعضاء التيار اليساري وإخضاعهم للمحاكمة الحزبية، وكانت ذروة الاعتقالات في 28/1/1969، الأمر الذي دفع التيار اليساري إلى اختيار الانشقاق التنظيمي حلاً نهائياً، فأعلن، فعلاً، هذا الانشقاق في 22/2/1969، واتخذ، في البداية، اسم «الجبهة الشعبية الديموقراطية لتحرير فلسطين»، وقد سقطت لاحقاً كلمة «الشعبية» من الاسم الذي اقتصر على صيغته النهائية أي «الجبهة الديموقراطية لتحرير فلسطين».
عقدت هذه الجبهة مؤتمرها التأسيسي في أوائل آب/ أغسطس 1970، وكان أبرز المؤسسين، فضلاً عن نايف حواتمة، عبد الكريم حمد (أبو عدنان)، وسعيد البطل (أبو مشهور)، وقيس عبد الكريم (أبو ليلى)، وياسر عبد ربه، وتيسير خالد، وداود تلحمي، وصالح رأفت، وممدوح نوفل، وعصام عبد اللطيف. وبرز من أعضاء الجبهة بلال الحسن، وخليل هندي، وسامي ضاحي، وسليمان الرياشي (سعيد عبد الهادي)، وصادق جلال العظم، والعفيف الأخضر.
لقد تبنت الجبهة الماركسية نظرية ونهجاً، وفي أوائل حزيران/ يونيو 1969 اندمجت فيها «المنظمة الشعبية لتحرير فلسطين» و«عصبة اليسار الثوري».
وتحملت الجبهة الديموقراطية قسطاً مهماً من الجهد العسكري للثورة الفلسطينية، فقامت بعدة عمليات منها العملية الانتحارية في مستعمرة معالوت (ترشيحا) في 15/5/1974، وعملية عين زيف في 23/5/1974، وعملية ميدان صهيون في القدس في 13/10/1975، وعملية معالوت الثانية في 13/1/1979. لكن بعد الخروج الفلسطيني من بيروت في سنة 1982 انحسر كثيراً النشاط العسكري للجبهة وكاد يضمحل، لكن، في إبان الانتفاضة الثانية التي اندلعت في 28/9/2000، استعادت الجبهة نشاطها العسكري، ونفذت عدة عمليات جريئة كان أشهرها اقتحام موقع «/يرغانيت» في غزة، وقتل ثلاثة جنود إسرائيليين في 25/8/2001.
في 17/1/1991 انشقت مجموعة بقيادة ياسر عبد ربه عن جسم الجبهة على قاعدة الموقف من اتفاق أوسلو، واتخذت لنفسها اسم «الاتحاد الديموقراطي الفلسطيني» (فدا)؛ ويقتصر وجود «فدا» على الأراضي الفلسطينية.

الجبهة الشعبية ـ القيادة العامة
مؤسس الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ـ القيادة العامة هو أحمد جبريل المولود في سنة 1937 في قرية يازور القريبة من يافا، وقد لجأ إلى سوريا بعد النكبة في سنة 1948، ثم حاز الجنسية السورية، ولا سيما أن صبري العسلي رئيس وزراء سوريا هو خاله، وفي دمشق تلقى دروسه المتوسطة والثانوية، ثم التحق بالكلية العسكرية في سنة 1957 وتخرج فيها سنة 1959 ضابطاً في سلاح الهندسة. وبعد أن خضع لدورة عسكرية في مصر في إبان عهد الوحدة، عاد إلى سوريا والتحق بكتيبة الهندسة المرابطة على الحدود مع فلسطين، وكان التفكير في تأسيس منظمة سرية لشن العمليات العسكرية ضد إسرائيل بدأ يراود أحمد جبريل في سنة 1959، فعمل على تنظيم مجموعة صغيرة من الشبان المفعمين بالحماسة. وهؤلاء المؤسسون الأوائل اختاروا «جبهة التحرير الفلسطينية» اسماً لمنظمتهم الوليدة. وكان بين المؤسسين: علي بشناق (ضابط مسرح من الجيش السوري وصهر أحمد جبريل والمسؤول العسكري الأول للجبهة)، وفضل شرورو، ويوسف طُبل، وطلال ناجي، وعبد اللطيف شرورو، وعمر الشهابي، وحمد الموعد.
ركزت جبهة التحرير الفلسطينية على التدريب العسكري، وكان أعضاؤها يحصلون على الأسلحة والذخائر من مستودعات الجيش السوري من غير علم القيادة. ولهذا السبب سُرّح أحمد جبريل من الجيش السوري في تشرين الأول/ أكتوبر 1963، فانصرف إلى ترسيخ منظمته وتدعيمها بالرجال والتدريب. وقد انضم إلى هذه المنظمة في البداية محمد زهدي النشاشيبي (عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية والوزير في السلطة الفلسطينية فيما بعد)، وصلاح الزواوي (سفير فلسطين في إيران).
استشهد عبد اللطيف شرورو في 3/4/1966 عند بحيرة طبرية، وكان في ذلك الوقت ملازماً في الجيش السوري، وقد تركت هذه الحادثة أثراً كبيراً على بقية رفاقه، وزودتهم بدافع كبير إلى البدء بالعمليات العسكرية. وعُقد المؤتمر التأسيسي لجبهة التحرير الفلسطينية في دمشق في 19/12/1966، وحضر هذا الاجتماع كل من: أحمد جبريل، علي بشناق، فضل شرورو، طلال ناجي، يوسف طبل، يونس حديد، عمر الشهابي، سمير درويش. وباشرت الجبهة العمل العسكري في أواسط سنة 1966، فقام مقاتلوها بنسف قطار إسرائيلي يعمل على خط القدس ـ بتير، وسقط أول شهيد للجبهة في 13/1/1967 ويدعى خالد الأمين. أما أول عملية للجبهة في إطار الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين فوقعت في 11/12/1967 عشية إعلان قيام الجبهة الشعبية، وقد فشلت، وسقط فيها الشهيد صائب سويد.
انضمت جبهة التحرير الفلسطينية إلى «شباب الثأر» ومنظمة أبطال العودة ليشكلوا معاً الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين التي أعلنت انطلاقتها في 11/12/1967، لكن الخلاف لم يلبث أن دب داخل الجبهة الشعبية، وتطور إلى حد بات فيه التعايش بين الأطراف المكونة للجبهة مستحيلاً. وفي 10/10/1968 أعلنت مجموعة جبهة التحرير الفلسطينية استقلالها التنظيمي عن الجبهة الشعبية، لكنها أصرت على الاحتفاظ بالاسم الجديد، وتخلت عن الاسم القديم، أي جبهة التحرير الفلسطينية، وصار اسمها «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ـ القيادة العامة».
واشتهرت الجبهة بالعمليات العسكرية النوعية المثيرة، ولا سيما العمليات التي سميت «العمليات الانتحارية»، مثل: عملية كريات شمونة (الخالصة) في 11/4/1974، وعملية كفار شامير (أم العقارب) في 13/6/1974، وعملية شهداء قبية التي نفذها الشهيد الحلبي خالد أكر في 25/11/1987 مستخدماً طائرة شراعية.
وتعرضت الجبهة في خريف سنة 1976 لانشقاق كتلة طلعت يعقوب ـ أبو العباس عنها، وقد انفصلت هذه الكتلة عن الجسم التنظيمي للجبهة، وصار اسمها «جبهة التحرير الفلسطينية».
أسس طلعت يعقوب في مخيم العرّوب في الخليل مجموعة «كتائب العودة»، ثم انضم مع مجموعته إلى الجبهة الشعبية ـ القيادة العامة. وحالفه في خروجه من الجبهة كل من: أبو العباس، عبد الفتاح غانم، علي إسحق، أحمد نجم، أبو نضال الأشقر، علي عزيز، رشاد أبو شاور.
الصاعقة
بدأ التفكير في إنشاء منظمة الصاعقة قبيل حرب الخامس من حزيران/ يونيو 1967 اعتماداً على العناصر الفلسطينية في حزب البعث العربي الاشتراكي، أمثال: لطف غنطوس، وعبد الله حوراني، وإميل صبيح. وقد سرّعت هذه الحرب عملية التأسيس التي أصبحت جاهزة بعد الحرب مباشرة، وأعلنت في 27/12/1968.
وتألفت الصاعقة من اندماج أربع مجموعات:
1 ـ طلائع حرب التحرير الشعبية التي ضمت العناصر الفلسطينية في حزب البعث، أمثال: ضافي جميعاني، يوسف البرجي، سامي عطاري، محمد خليفة، عصام القاضي، فايز قنديل، زهير محسن.
2 ـ قوات الجليل الأعلى التي اندمجت في الصاعقة في ربيع سنة 1968.
3 ـ جبهة التحرير الشعبية الفلسطينية التي اندمجت في 27/12/1968، والتي أسسها طاهر دبلان.
4 ـ جبهة ثوار فلسطين بقيادة محمد أبو سخيلة.
وعقد المؤتمر التحضيري لطلائع حرب التحرير الشعبية في أيار/ مايو 1968، وضم المنظمات البعثية الفلسطينية في غزة والضفة والأردن وسوريا والكويت، وانبثق منه «التنظيم الفلسطيني الموحد» في حزب البعث الذي يعتبر الإطار العام الذي يحتوي منظمة الصاعقة ويقرر هويتها ويوجه سياساتها. وتناوب على قيادة «الصاعقة» كل من: يوسف البرجي، هاجم الهنداوي، ضافي جميعاني، زهير محسن، عصام القاضي، محمد خليفة.
ونشطت الصاعقة بعد تأسيسها كثيراً، وكانت تُعد إحدى المنظمات الكبرى إلى جانب «فتح» والجبهة الشعبية والجبهة الديموقراطية. وقد مارست في الأردن العمل العسكري عبر نهر الأردن، لكنها لم تساهم في العمليات الخارجية، ولم يكن لها قاعدة ثابتة وقوية في الضفة الغربية وقطاع غزة. إلا أن جهدها العسكري تراجع فيما بعد إلى حد التلاشي التام، بينما ظل وجودها التنظيمي في سوريا ولبنان.

جبهة التحرير العربية
نشأت هذه الجبهة، بمبادرة من حزب البعث العربي الاشتراكي في العراق، في 30/12/1968، ونفذت أول عملية عسكرية لها في 7/4/1969 في ذكرى تأسيس الحزب، وأصدرت بيانها التأسيسي في 31/8/1969، وتناوب على قيادتها كل من: زيد حيدر، ثم أحمد المرعشلي، ثم الدكتور عبد الوهاب الكيالي وهو أحد مؤسسي هذه الجبهة، الذي أصبح أميناً للسر في سنة 1972، ثم عبد الرحيم احمد، وركاد سلامة (أبو محمود) الذي اعتقلته القوات الإسرائيلية في سنة 2002، وأطلق في سنة 2008.
نفذت جبهة التحرير العربية عدة عمليات كبيرة وانتحارية منها:
1 ـ عملية كفار يوفال في 5/6/1975.
2 ـ عملية كفار غلعاي في 10/11/1975.
3 ـ عملية مسكاف عام في 7/4/1980.
اتسمت السياسة العامة لجبهة التحرير العربية بالتشدد القومي، فرفضت القرار 242، وفكرة قيام دولة فلسطينية على الضفة الغربية وقطاع غزة، ووقفت ضد إقرار برنامج النقاط العشر في المجلس الوطني الفلسطيني الثاني عشر في سنة 1974، وكانت من مؤسسي جبهة الرفض. لكن، بعد الخروج الفلسطيني من لبنان اعتدلت مواقف الجبهة، وسارت في ركاب النهج السياسي العام لمنظمة التحرير الفلسطينية. ومع ذلك، خضعت الجبهة لقانون الانشقاق، فخرجت منها مجموعة تسمّت باسم «جبهة التحرير العربية الفلسطينية»، بينما بقيت المجموعة الأساسية بقيادة ركاد سلامة (أبو محمود) الذي أفرج عنه في سنة 2008. وقد تضاءل حضور المجموعتين بعد سقوط نظام الرئيس صدام حسين في سنة 2003، وانقطاع الدعم السياسي والموارد المالية عنهما، ويتولى الآن جميل شحادة موقع الأمين العام لجبهة التحرير العربية الفلسطينية.
وُلد في يافا سنة 1939، وحاز الدكتوراه في التاريخ من جامعة لندن في سنة 1970. انتسب إلى حزب البعث في سنة 1958، ثم أصبح عضواً في مكتب فلسطين التابع للقيادة القومية للحزب في سنة 1960، اختير عضواً في المجلس الوطني الفلسطيني في سنة 1969، وانتخب عضواً في القيادة القومية في سنة 1970. أنشأ المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت في سنة 1969، واغتيل في مكتبه بالمؤسسة في 8/12/1981.