| 

المهمة التي تضطلع بها الجبهة الآن هي وحدة اليسار الفلسطيني، باعتبارها مقدمة لوحدة اليسار العربي المتشظي. وهي تجري حواراً مع أطرافه منذ فترة طويلة، ولكنه لم يبلغ مرحلة الإعلان عن توحيده، لأن بوحدة اليسار يمكن شق طريق ثالث بعيداً من التفاوض والانقسام.
تتحدث ليلى خالد في هذا الحوار عن محصلة خمسة وأربعين عاماً منذ انطلاقة الجبهة، وعن الصعوبات التي اعترضت مسيرتها، وتتناول العمل الوطني الفلسطيني اليوم. وفي هذا الحوار الذي جرى في عمان محاولة لاستكشاف مشكلات السياسة الفلسطينية وموقع الجبهة الشعبية في ذلك كله.
* يلحظ المتتبع لمسيرة الجبهة الشعبية منذ انطلاقتها في عام 1967، نوعاً من تراجع الأداء، هل ما زالت الجبهة تحتل موقعها السابق في العمل الوطني الفلسطيني؟
ليلى خالد: الموقع هنا لا يتعلق بالترتيب، ففعالية أي تنظيم تحدد وجوده. ولا شك في أن الساحة الفلسطينية تستقطبها اليوم حركتا فتح وحماس، لكن الجبهة ما تزال حاضرة ولا سيما في الداخل الفلسطيني. لقد أصاب الجبهة كثير من المتغيرات خلال فترة زمنية قصيرة، بعد تنحي المؤسس جورج حبش عن الأمانة العامة عام 2000، ثم استشهاد (الأمين العام السابق) أبو علي مصطفى (باغتياله عام 2001)، ومن ثم اعتقال (الأمين العام) أحمد سعدات عام 2002 لدى السلطة الفلسطينية فسلطات الاحتلال، وهذا بحد ذاته يضعف أي تنظيم. إلا أن الجبهة تمكنت من الإبقاء على هيئاتها القيادية، مثل المكتب السياسي واللجنة المركزية، وتمكنت من إعادة تقوية العامل الذاتي داخل صفوفها.
لدى انتقال ثقل العمل الوطني إلى الداخل، باتت الجبهة موجودة في الضفة الغربية وقطاع غزة، إضافة إلى الخارج، وتمكنت من عقد مؤتمرها السادس في ظل التناثر القيادي. وهناك عامل آخر يرتبط بالهجمة الإسرائيلية على الجبهة، بالاعتقال والملاحقة، فالاحتلال ينظر إلى الجبهة بصفتها تنظيماً لم يتخل قط عن الثوابت الفلسطينية والأخذ بناصية مقاومته، والقدرة على إعادة لململة صفوفه، وخوض معركة الانتخابات التشريعية في عام 2006 التي فاز فيها 3 أعضاء من الجبهة، بمن فيهم أحمد سعدات المعتقل حالياً في سجون الاحتلال. لقد استدعى ذلك مضاعفة الجهد للعب دور فاعل في الحياة البرلمانية، مع حراك نشط بين صفوف الشعب الفلسطيني، على الرغم من الحصار المالي والاقتصادي الذي تعرضت له الجبهة. ولا يتعلق الأمر هنا بمال منظمة التحرير فقط، وإنما بأموال الدول العربية، حيث كنا نتوجه إليها لجمع التبرعات، ولكن بعد عام 1982 ما عاد ذلك متاحاً، في ظل قرار، لتجفيف منابع دعم الفلسطينيين كلهم وليس فقط المنابع المالية للجبهة.
ولكن بعد اتفاق أوسلو (1993) الذي رفضته الجبهة، أوصد الصندوق القومي الفلسطيني أبوابه أمامها، كإحدى وسائل الضغط عليها. واستمرت هذه الحال حتى عام 2002 تقريباً، ولكن بشكل متقطع وبحسب الموقف، السياسي، فقد استخدم المال عصا للضغط على الجبهة لتغيير آرائها ومحاسبتها على مواقفها، بسبب الرؤية التي قدمتها في شأن أوسلو باعتبارها انحرافاً عن المشروع الوطني، والتي ثبتت صحتها فعلياً.
* لكن الصندوق لم يغلق أمام الجبهة الديموقراطية التي عارضت أوسلو أيضاً؟
ليلى خالد: نعم، لكنه موضوع آخر، ولا نعرف لماذا.
* هل تعتقدين أن الموضوع له حساباته الأخرى؟
ليلى خالد: نعم، فللسلطة وظيفة هي عدم إعطاء فرصة لأي قوة فلسطينية لتطوير نفسها، ومقارعة المحتل وتعبئة الجماهير في مواجهة الفساد والخط السياسي الذي انتهجته قيادة المنظمة بالمفاوضات مع الكيان الإسرائيلي، إضافة إلى الانقسام الفلسطيني الذي حددت الجبهة موقفها منه منذ البداية ورفضت الحسم العسكري للخلافات الداخلية كما فعلت حماس، وأدانت الحسم السياسي من طرف واحد، كما فعلت فتح عبر المفاوضات.
لم تكتف «الشعبية» بإعلان الموقف المضاد، وإنما وضعت البديل أمام الحوار الوطني الشامل (بعد منتصف حزيران/ يونيو 2007)، برفض المحاصصة والدعوة الى مراجعة سياسية شاملة لمسار المفاوضات، وصولاً إلى رسم استراتيجية عمل وسياسة موحدة لمواجهة المحتل، وصوغ برامج شاملة، وتحقيق الوحدة الوطنية وإعادة تفعيل المنظمة التي جرى تهميشها بعد أوسلو لمصلحة السلطة التي لا تمثل الشعب الفلسطيني كله، خلافاً للمنظمة. ومن غير الممكن تحقيق ذلك إلا عبر حوار القوى والفصائل، فالخلاف لا يمنع إجراء اللقاءات، وهذا ما تفعله الجبهة التي تتحاور مع فتح وحماس وجميع الفصائل، لإيمانها بأنها من مكونات الشعب ولها وجودها بغض النظر عن حجمها.
*ماذا تفعل الجبهة اليوم؟
ليلى خالد: المهمة التي تضطلع بها الجبهة الآن هي وحدة اليسار الفلسطيني، باعتبارها مقدمة لوحدة اليسار العربي المتشظي، وهي تجري حواراً مع أطرافه منذ فترة طويلة، ولكنه لم يبلغ مرحلة الإعلان عن توحيده. ومع ذلك فالعملية جارية وتحظى بالاهتمام البالغ، لأن بوحدة اليسار يمكن شق طريق ثالث، بعيداً من التفاوض وطريق الانقسام، استناداً إلى برنامج سياسي واجتماعي واضح يتحدث عن مقاومة المحتل بشتى الوسائل وتحشيد مكونات الشعب كلها، وإطلاق طاقاته لمجابهة سياسة الاحتلال الاستيطانية التهويدية، وفي موازاة ذلك؛ لم تتوقف الجبهة لحظة عن اعتماد الخط الكفاحي، لكن حسب الظروف والممكنات القائمة في الساحة الفلسطينية، وفي ظل صعوبات جدية تمتد من القطاع المحاصر بأساليب المقاومة المحدودة، الى الضفة الغربية التي لا يمكنها فيها تنفيذ هذه الرؤية. إلا أن ذلك لا يعني عدم المحاولة، وسط مناخ عام محبط لشعب فقد البوصلة، بسبب تراوح التصريحات بين الأخذ بالتفاوض وتركه، والحديث عن مقاومة شعبية سلمية، وكأن الدبابات تواجه بالورود، فليس بوسيلة كهذه نحصل على الحقوق الفلسطينية التي حددتها منظمة التحرير في برنامجها وهي حق العودة وتقرير المصير وإقامة الدولة وعاصمتها القدس على التراب الوطني الفلسطيني، بصفتها حقوقاً غير قابلة للتصرف.
* هل ما تزال الجبهة تصر على مرحلية برنامج 1974 (دولة فلسطينية على حدود 1967)، بعد تحوّله إلى دائم في مفهوم المنظمة؟
ليلى خالد: نعم، ما زالت الشعبية تصرّ على مرحليته، فهذه مقدمة لبناء فلسطين الديموقراطية. إن ميثاق المنظمة طرح تحرير فلسطين.
* لكن الميثاق طاله التعديل؟
ليلى خالد: نعم، فقد صار تعديل وتم إلغاء الميثاق، وهذا غير شرعي. تم إلغاء أربعة بنود، ثم تم إلغاء الميثاق كله. الآن المنظمة لا ميثاق لها، ولكن الجبهة متمسكة بميثاق 1964 (بعد تحويل اسمه من ميثاق قومي إلى ميثاق وطني)، ولا نعترف بما حدث من تعديل.
* لكن الشعبية شاركت في اجتماع غزة عام 1996 الذي شهد تعديل الميثاق.
ليلى خالد: كانت مشاركة الجبهة رمزية، بثلاثة أعضاء، للإعلان عن موقفها بأن الاجتماع تم على قاعدة التوافق مع سلطات الاحتلال، لقاء إلغاء بنود في الميثاق، فضلاً عن أن العضوية في ذلك المجلس مشكوك فيها، حيث ارتفع العدد إلى 750، ما يخالف النظام ويعدّ خطأ سياسياً فادحاً، ولكن القيادة المهيمنة أقرت به. وقد أعلنت الجبهة رفضها لأوسلو وللاجتماع ولم تشارك في المداولات، ولا في المجلس الوطني، ودعت إلى مجلس آخر منتخب وفق قاعدة التمثيل النسبي الكامل، بعدما فقد المجلس الحالي شرعيته، أسوة بجميع المؤسسات القائمة.
إن حق العودة يعدّ مفتاح حل الصراع، ولكن اكتسابه لا يتأتى من دخول قرابة 200 ألف فلسطيني إلى الأراضي المحتلة بعد أوسلو، وإنما عندما يمارس كل إنسان فلسطيني، ومنهم لاجئين في داخل وطنهم المحتل، العودة من دون قيد أو شرط، وفق القرار الدولي 194.
إن السياسة الإسرائيلية أصبحت ظاهرة للعيان ولا يمكن مواجهتها على طاولة التفاوض. وعلى الرغم من ان المجلس المركزي واللجنة التنفيذية اتخذا قراراً واضحاً بعدم التفاوض في ظل الاستيطان، إلا أن التفاوض حدث تحت عنوان «الاستكشاف»، ما يعدّ خرقاً للقرارات الصادرة عن هيئات قيادية في المنظمة، وفتح الباب أكثر لإمعان الاحتلال في سياساته. ويأتي ذلك في ظل انقسام لم ينته حتى اللحظة، بسبب تعطيل الطرفين ما اتفق عليه.
نحن ندرك حجم الضغوط التي تمارس على القيادة، ولكن الشعوب تحت الاحتلال تواجه الضغوط، فأكبر ضغط هو الاحتلال.
* ما البديل الذي تطرحه الجبهة؟
ليلى خالد: نحتاج إلى رؤية مختلفة عما يحدث الآن، المطلوب تحشيد الجماهير لإنهاء الانقسام، كأحد أسباب تدمير المشروع الوطني، وبناء وحدة وطنية على قاعدة ديموقراطية لها برنامج واضح ضد سياسات الاحتلال، وعدم الرضوخ للضغوط الأميركية، وعدم خلق وهم يعتقد أن الراعي الأميركي يمكن أن يساعدنا في تحصيل الحقوق الفلسطينية.
لقد طالبت الشعبية، وما تزال، بمراجعة سياسية، وبوقف التنسيق الأمني مع الاحتلال الذي لا ينحصر في منح التصاريح فقط، وإنما يتعدى ذلك الى اعتقال كوادر حماس والجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية.
بموازاة ذلك؛ تحاول الشعبية بذل الإمكانات في سبيل وحدة اليسار، توطئة لوحدة وطنية، مستندة إلى برنامج للمواجهة لا تغيب عنه المقاومة، بشتى وسائلها، بما فيها الكفاح المسلح، تزامناً مع تحشيد الشعب تحت عنوان حق العودة ورفض التوطين، بالتعاون والتنسيق مع الهيئات واللجان العاملة في هذا المجال، فضلاً عن العلاقة مع القوى الديموقراطية العربية والتقدمية في العالم.
÷ هل اكتفت «الشعبية» بدور المصّدر للبيانات والمواقف؟
ليلى خالد: حتى البيان أو الموقف له دور. وقد تناولت الجبهة الانقسام والمفاوضات والفساد ومقاومة المحتل، ولها دور تعبوي بارز في ذلك، كما شاركت الفصائل في مقاومة عدوان الاحتلال على غزة 2008/2009، واستشهد اثنان من أعضائها، ولها شأن في استهداف الدوريات على الحدود، في الوقت الذي منعت فيه حماس إطلاق النار تحت عنوان التهدئة التي رفضتها الجبهة، كما دعت الأخيرة لقيادة عسكرية بأمرة القيادة السياسية لتحديد كيفية استخدام السلاح، على غرار ما حدث في انتفاضة 1987، فضلاً عن مساهمتها في انتفاضة 2000. ولكن هناك صعوبات الآن في قطاع غزة المحاصر، وفي الضفة الغربية أيضاً.
÷ ما قدرة الجبهة في التأثير في القرار الفلسطيني؟
ليلى خالد: دورنا محدود، فما زال القرار بين أيدي فتح وحماس. ولكن الجبهة في حوارات الفصائل في القاهرة مقترحات كاملة بشأن تشكيل لجان المصالحة وآليات عملها، لكن للأسف تم تعطيل اجتماعاتها وما نراه اليوم إدارة للانقسام وليس إنهاءه.
* ينتقد البعض رفضكم أوسلو ومشاركتكم في هياكل السلطة ومؤسساتها، ما تعليقك على ذلك؟
ليلى خالد: رفضنا أوسلو، ولكننا لم ولن نشارك في السلطة او في الحكومة، وإنما في اللجان فقط، كما لا نشارك في الوظائف ولا في الأجهزة الأمنية أيضاً، وإنما مشاركتنا منحصرة في مؤسسات المنظمة، اللجنة التنفيذية والمجلسين المركزي والوطني، والمؤسسات التي تقدم الخدمات للشعب، وكانت موجودة قبل أوسلو مثل التعليم والصحة والبلدية، إذ لا تنأى الجبهة بنفسها عن خدمة الشعب.
÷ مع أن مطالب الثورات العربية تشكل جزءاً أصيلاً من خطاب اليسار، لكن الأخير كان غائباً عنها، بما تفسرين ذلك؟
ليلى خالد: إن نتائج الانتخابات التي جرت في مصر وتونس تقدم مؤشراً لقوى اليسار بوجوب إعادة النظر في ذاتها أولاً، وتحديد مواطن القصور، وأسباب نأي الجماهير بنفسها عنها، والوقوف جدياً لمعالجتها.
إن اليسار مشرذم، وبالتالي عليه توحيد صفوفه أولاً، قبل طرح برنامج للتغيير الجذري يستجيب لاحتياجات الجماهير، وصوغ حلول لمجابهة التحديات، بشكل يتمايز من طروحات الآخرين. وهنا أشير إلى أن الأحزاب لم تكن قادة لهذه الثورات، ولم يكن للحراك الشعبي برنامج، وإنما التحقت الأحزاب، ومنها قوى اليسار، بها.
* ألن يتسبب الحضور البارز للحركات الإسلامية في انكفاء اليسار؟
ليلى خالد: إذا لم يلتقط اليسار اللحظة السياسية فسوف ينكفئ أكثر. ولكنها ليست نهاية المطاف، فهذا مخاض، والجماهير عرفت الطريق وتعرضت لجميع أشكال المواجهة وأطاحت نظامين في مصر وتونس مدعومين من أميركا.
* أين صدى الثورات العربية في فلسطين المحتلة؟
ليلى خالد: قدم الشعب الفلسطيني، وما يزال، تجربة حيّة في النضال ومقاومة المحتل. لكن التظاهرات تجابه بقمع الاحتلال والسلطة معاً، فالسلطة تمارس دور الاحتلال في كبح الحركة الجماهيرية، وهذا لا يحدث في الضفة الغربية وحدها وإنما في غزة أيضاً. ولكني أتوقع توسعة الحراك، فالضغط يولد الانفجار في النهاية.
* يتواتر الحديث اليوم، على وقع ثورات التغيير، بعدم ترشح رئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل نفسه في الدورة المقبلة للانتخابات الداخلية في حماس، كما يصر الرئيس محمود عباس على عدم الترشح للرئاسة المقبلة، أين الشعبية من ذلك؟
ليلى خالد: لقد خطّ «الحكيم» هذا النهج منذ فترة طويلة، عندما حاول في المؤتمر الرابع للجبهة عام 1981 التنحي، ولكن المؤتمر رفض ذلك، وكرره في المؤتمر الخامس عام 1993 ولكن المؤتمر رفض أيضاً. وما قبل المؤتمر السادس تقدم بطلب من المكتب السياسي لإعفائه من موقعه بسبب الحاجة الى التغيير والتجديد وممارسة الديموقراطية، وقد تم ذلك عام 2000، من دون أن يعني ذلك أنه ترك العمل السياسي.
الجبهة الآن بصدد التحضير لمؤتمرها السابع هذا العام، وهي لحظة للتقويم ورسم السياسة التي ستتبعها في المرحلة المقبلة، وسيتم إجراء الانتخابات والتجديد في هيئاتها كلها، بنسبة 40% في الهيئات المنتخبة والهيئات القيادية والفروع.