| 

هذا الشهر (شباط)٢٠١٢ سيكون قد مرّ على تأسيس الجبهة الديموقراطية لتحرير فلسطين اثنان وأربعون عاماً. وتحتفل الجبهة في هذا الشهر بذكرى تلك الليلة التي كان أعضاء النواة الأولى يوزعون فيها بيانهم الأول في عمان للإعلان عن ولادة حزب فلسطيني جديد تقوده مجموعة ممن كانوا قبل ستة أشهر أعضاء في اللجنة المركزية للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، التي كان يرأسها الدكتور جورج حبش، بعد أن كانت اللجنة المركزية قد انقسمت إلى مجموعتين، ووصل الاستعصاء بينهما الى حد الطلاق الذي ترجم بالإعلان عن ظهور الجبهة الديموقراطية. وبغض النظر عن المحاكمة التاريخية والاتهامات التي ما زالت ذيولها ممتدة حتى اللحظة بالمسؤولية عن شق الجبهة الشعبية، والخلاف الفكري الذي استعر بين التيارين القومي والماركسي فيها، لكن الجبهة الديموقراطية كانت شقت طريقها منذ شباط 1969 معتقدة أنها تحمل الجديد الذي يمكن أن يختصر زمن التحرير شأنها في ذلك شأن الفصائل الأخرى، فقد أعلنت التزامها الفوري بالماركسية اللينينية كمرجعية فكرية ثورية، أو كما جاء في نظامها الداخلي «كمرشد للعمل وموجه للنضال وناظم للعلاقات..»، مأخوذة بنماذج ثورات أخرى تبنت الماركسية وقد تحررت وأنجزت مشروعها الوطني. ولأن منظمة التحرير الفلسطينية حديثة العهد آنذاك، وكان يعاد تشكيلها لتسيطر عليها الفصائل التي ظهرت في النصف الثاني من ستينيات القرن الماضي بعد مرحلة أحمد الشقيري، والفترة الموقتة ليحيى حمودة، كانت الطريق ممهدة للجبهة الديموقراطية لتأخذ مكانها في منظمة التحرير، وتصبح أحد الفصائل الرئيسة فيها. ونظرا لطبيعة ولادة الجبهة الديموقراطية كانشقاق على الجبهة الشعبية، فإن تحدي الاستمرار في ظل المنافسة كان مهمة الخلية الأولى التي قادها نايف حواتمة لتبدأ بالانتشار في بداية السبعينيات من القرن الماضي.

البرنامج المرحلي
لعل العلامة الأبرز في التاريخ السياسي الجبهة الديموقراطية استباقها للحظة التاريخية سياسياً، وقدرتها المبكرة على قراءة الظروف ذاتياً وموضوعياً ودولياً، وتحقق إسرائيل كأمر واقع، وصعوبة استكمال النضال خارج الأراضي الفلسطينية بعد إقفال الجبهات العربية، وضرورة الذهاب ببرنامج سياسي قادر على إيجاد قواسم مشتركة مع العالم، ما عرف حينه بالبرنامج المرحلي الذي يدعو لإنشاء سلطة وطنية على أي جزء من فلسطين يتم تحريره لإيجاد جغرافيا تقيم عليها المقاومة مشروعها لاستكمال التحرير، إدراكا منها أن تحرير فلسطين لن يكون دفعة واحدة جراء الاختلال في موازين القوى. وقد اعتبر هذا الموقف تنازلا سياسيا كبيرا تقدمه «الديموقراطية» وتحملت حينها الاتهامات بالتفريط وغيرها. ولكن هذا البرنامج كان يعبر عن القدرة على قراءة اللحظة واشتقاق برنامجها، ويعبر أيضاً عن جرأة، خصوصاً أن الطموحات في تلك الفترة لم تكن تقبل بأقل من تحرير فلسطين كلها دفعة واحدة من البحر إلى النهر.
شكل هذا البرنامج نقطة تحوّل في الساحة الفلسطينية حين رغب رئيس منظمة التحرير آنذاك بإحداث تحول سياسي في المنظمة، على الرغم من اعتراض الفصائل، بما فيها حركة فتح في البداية. وكانت «الديموقراطية» حينها خشبة الخلاص لياسر عرفات لإحداث التغيير السياسي الذي لم يكن بإمكانه عرضه حتى لا يتهم بالتفريط، فإن تم رفض المشروع في المنظمة فإن ذلك يعني رفض مقترح «الديموقراطية»، وإن تم تمريره فسوف يتلقفه عرفات للانطلاق نحو عواصم العالم ومؤسساته الدولية، وهذا ما حدث حين نقل عرفات القضية الفلسطينية إلى الأمم المتحدة في خطابه المشهور، وحظي بصفة الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني في الهيئات الدولية التي اعترفت بالمنظمة سنة 1974، لتبدأ رحلة سياسية طويلة ربما أثمرت بعد عقدين من ذلك الزلزال السياسي. وبغض النظر عما بدا تنازلاً سياسياً كبيراً في حينه، إلا أن التاريخ قال إن الظروف التي آلت إليها القضية الفلسطينية واختلال موازين القوى كانت تتلاءم مع السياسة التي طرحتها «الديموقراطية» آنذاك، والأهم أن الخطوط التي قدمتها الجبهة في حينه حين بدا أنها تطلب التنازل عن فلسطين التاريخية لمصلحة دولة في حدود الرابع من حزيران 1967، هو البرنامج نفسه الذي توافقت عليه الفصائل الفلسطينية قديمها وجديدها فيما عرف ببرنامج الوفاق الوطني بتأخير ثلث قرن، حين خرجت مبادرة الأسرى بعد أزمة النظام السياسي الفلسطيني بعد الانتخابات الأخيرة من سجن «هداريم» عام 2006.

توسع فانشقاق
شكلت فترة السبعينيات الفترة الذهبية للجبهة الديموقراطية، خصوصا في الضفة الغربية، بما فيها القدس، إذ سجل ذلك العقد حضوراً مهماً لمنظماتها الجماهيرية، وكذلك في دول الجوار كسوريا ولبنان بعد نقل الثقل الفلسطيني إلى الساحة اللبنانية بعد أحداث أيلول في الأردن في سنة 1970، لتساهم إلى جانب الفصائل الفلسطينية في المعارك العسكرية التي خاضتها الثورة الفلسطينية، وتشارك في التصدي لاجتياح 1978، وكذلك اجتياح بيروت عام 1982، بعد أن أصبحت الفصيل الثالث في منظمة التحرير من حيث القوة والحضور السياسي.
حرصت «الديموقراطية» باستمرار على الوجود داخل مؤسسات المنظمة، حيث كانت أقرب الى القيادة، على الرغم من اتهامها باليمينية داخل اليسار الفلسطيني، خصوصاً حين اشتد الخلاف وتشكلت «جبهة الإنقاذ» بعد حرب عام 1982. وقد حافظت الجبهة على توازن نسبي في علاقتها بين أقطاب منظمة التحرير حتى في ذروة أزمة المنظمة واجتماع المجلس الوطني في عمان عام 1984 واتفاق «الكونفدرالية» مع الأردن سنة 1987,
كانت الانتفاضة الأولى فرصة للجبهة الديموقراطية للانتشار أكثر، حيث النهوض الجماهيري العام الذي أعطى الفصائل كلها فرصة التوسع الحزبي لتستفيد من اللحظة التي وفرتها اندفاعة الجمهور الفلسطيني نحو مقارعة إسرائيل، ولتسجل حضوراً ربما كان خافتاً في قطاع غزة الذي كانت قد أهملته الجبهة عقداً ونصف العقد بعد تأسيسها.
حتى الانتفاضة الأولى، كانت الجبهة الديموقراطية ترتكز في صعودها فكرياً وسياسياً على نخبة من اليساريين العرب، هؤلاء شكلوا داعماً كبيراً لليسار الفلسطيني لحظة انضمامهم إليه. لكن الأراضي الفلسطينية التي كانت تهتز على وقع الانتفاضة الأولى أثرت بهزاتها في الجبهة الديموقراطية نفسها، حين ظهر أن هناك استثماراً سياسياً لحركة الجماهير الفلسطينية، فاندلعت خلافات في قيادة الجبهة بعد أن قاد نائب الأمين العام ياسر عبد ربه الحوار مع «بلليترو» السفير الأميركي في تونس، عندما فتحت الولايات المتحدة أول حوار مع منظمة التحرير لتبدأ التباينات السياسية بين أقطابها بدءاً من عام 1989، ثم ينتهي هذا الخلاف الى انشقاق كبير في الجبهة قاده ياسر عبد ربه، ليشكل حزب «فدا» بعد أن انشقت معه مجموعة كبيرة من كوادر الأرض المحتلة ممن كانوا على رأس هيئاتها، خصوصاً في الضفة الغربية، لتخرج الجبهة الديموقراطية من هذه الواقعة بمنظمتين إحداهما كانت من أشد المؤيدين لأوسلو والثانية وهي الجبهة نفسها التي عارضت أوسلو، ولتتماهى الأولى تماماً مع قيادة المنظمة، وتصبح الجبهة أحد فصائل المعارضة التي اتخذت من دمشق مقراً لها. وبذلك فقدت الجبهة وسطيتها التي تميزت بها لتصبح أقرب الى فصائل الرفض.
سبب اتفاق أوسلو حالة من الارتباك في صفوف الجبهة الديموقراطية، فوقعت في اضطراب ما بين تاريخها القديم باعتبارها تعبر عن الواقعية في السياسة الفلسطينية، وبين انشقاقها الجديد، وهي التي دعت مبكراً لقراءة الواقع وتشكيل السلطة الفلسطينية لتجد نفسها حين تم ذلك أول من يعارض. ولكن السنوات العشر التي تلت تشكيل السلطة فعلت فعلها في الجبهة لتدرك ربما خطأها متأخرة عقداً عن الحدث وتقرر المشاركة بثقلها في مؤسسات السلطة.
وفرت الانتفاضة الثانية فرصة جديدة للجبهة الديموقراطية للنهوض من جديد حين اندفعت الفصائل الفلسطينية بالعمل المسلح ضد إسرائيل وكانت تسجل نجاحات يومية تضيف رصيداً جديداً لتلك الفصائل، لكن الجبهة الديموقراطية التي كانت منهكة بفعل الانشقاق ومشتتة سياسياً بفعل أوسلو، لم تستطع الاستثمار في الانتفاضة، ولم تستطع توفير ميزانيات العمل العسكري، فيما عدا مساهمات صغيرة لم تكن بالمستوى الذي يشبع رغبة الرأي العام الذي غرق في الدماء لتتراجع جماهيرية هذا التنظيم الذي كان يطمح لأكثر من ذلك.

انتكاسة انتخابات 2006
في المحطة الأخيرة للانتخابات التشريعية عام 2006 سجلت الديموقراطية نموذجاً جديداً على الصعيد الفلسطيني في التحالفات الانتخابية، حين خاضتها على رأس تحالف مع حزب الشعب الفلسطيني والاتحاد الديموقراطي «فدا» الذي انشق عليها، بالإضافة إلى انفتاح القائمة على المستقلين، وهو ما لم تعكسه أي قائمة أخرى. ولكن التحالف الذي قادته الجبهة («البديل») والتي كان مرّ على انطلاقتها آنذاك 37 عاماً، لم يحصل إلا على 2.5% من أصوات الناخبين، ما يعكس تراجعاً في قوتها وقوة شركائها، إذ حصل التحالف على ما يقارب ثمانية وعشرين ألف صوت من حوالى مليون ناخب، وبدت الأزمة أكبر في قطاع غزة، حيث لم يحصل التحالف إلا على 4500 صوت، أي حوالى 1% فقط من أعداد الناخبين في القطاع.
كانت النسبة التي حصل عليها تحالف «الديموقراطية» مع حزب الشعب و«فدا» (مقعدان) تساوي قوة قوائم تشكلت عشية الانتخابات (مصطفى البرغوثي، سلام فياض، اللذان حصل كل منهما على مقعدين)، وهو ما كان يجب إضاءة جميع الأضواء الحمر لدى قيادة الجبهة للقيام بمراجعات عميقة للبحث عن الخلل الذي يشير الى الذبول الذي حل بالجبهة، وإجراء عملية تقويم شاملة للأداء لجميع مؤسساتها بدءاً من القيادة. لكن ذلك لم يحدث، ولم يتم أي نوع من المحاسبة، ولم يتهم أحد بالتقصير، ما يؤشر على أن الجبهة لم تدرك حجم التراجع والانحسار في شعبيتها. بالتأكيد هناك أسباب خارجية أدت الى تراجع اليسار الفلسطيني، وليست «الديموقراطية» مسؤولة عنه بل دفعت ثمنه وثمن التغيرات الدولية، ولكن هناك أسباباً ذاتية ربما لم يجر البحث فيها.
مع انضمام الجبهة الى حكومة سلام فياض المختلف عليها، ازدادت التساؤلات عن سياستها التي كانت بعيدة عن حالة الاستقطاب السياسي وكانت تقف في الوسط، ثم جاء تكريس الانقسام في الساحة الفلسطينية الذي لم تكن الجبهة طرفاً فيه، لكن عجزها إلى جانب الفصائل الأخرى عن تشكيل حالة وسطية تلعب دوراً في إعادة توحيد الحالة الفلسطينية، كشف محدودية قدرتها على الاستثمار أو على التأثير في الساحة الفلسطينية. ومع انكشاف قوتها البرلمانية بعضو واحد من أصل 132 عضواً هم عدد أعضاء البرلمان الفلسطيني برز السؤال الكبير عن حال التراجع من ذلك التنظيم الذي استطاع أن يحدث هزة سياسية إلى تنظيم محدود القوة والتأثير تتجاوزه قوى تنشأ للتو. وبغض النظر عما أصاب الحركة الوطنية من تراجع عام كان للجبهة الديموقراطية نصيبها منه، وانتصار الرأسمالية في العقدين الأخيرين، ما أدى إلى تراجع طال اليسار العالمي كله، إلا أنه لا يمكن إغفال حقيقة أن «الديموقراطية» لم يكن بإمكانها في العقدين الأخيرين أن تنافس قوى وأحزاباً كانت لها امتداداتها ومشاريعها التي وفرت لها تمويلاً هائلاً ساعدها في تلبية مصالح الناس. وفي هذا الإطار، يمكن القول إن هذا التنظيم بقي وطني التمويل، لهذا لم تتأثر مواقفه بتمويل خارجي، وظل في العقدين الأخيرين، على الرغم من المتغيرات، فلسطينياً من حيث الرؤية.

صحافي مقيم في غزة.