| 

بماذا كان يحلم هذا المغترب الذي يدعى ناجي العلي؟
هل كان يحق له أن يحلم؟ إذن لماذا قتل؟
لم أعرفه في غربته، ولم أره، التقينا مرة واحدة وكان يفصل بيننا خط الهاتف الممتد تحت البحار من حيفا إلى لندن. وربما في مكان ما «على السكة» كانت عاملة البدالة الدولية تنصت إلى كلامنا. فانقطع الخط فجأة دون أن يكمل السؤال: كيف حال «السجرة»؟
قال: أنت في «خمارتك» تكتب ما تشاء وأنا أرسم لها ما أشاء!
حين يسأل عن «السجرة» فكأنه يبحث عن طفولة ضائعة أو عن حلم يتراءى له من البعيد... هل يمكن أن أكون صادقاً مع هذا المغترب لو أنني قلت له، رداً على سؤاله الذي انقطع: «السجرة بألف خير، مثلما تركتها»؟! هكذا، لمجرد طمأنته، و«جبران خاطره».. أم أن هذه القرية المهجورة التي تحلم هي أيضاً بعودة أهلها جديرة بأن تنقل إليها خط الهاتف ومعه أنفاس ناجي العلي الذي تركها، طفلاً صغيراً، تجاوز العاشرة فقط، ومنذ ذلك الحين توقفت عجلات الزمن، كل شيء كبر وتغير إلا هو ظل طفلاً، تجاوز العاشرة فقط، وحمل ريشته وقلمه وراح يخربش العالم مثلما كان يحمل قصفة التين ويخربش على التراب الممسد والناعم، يرسم أحلام طفولته مع أصدقائه الذين شاغبوا فأمروهم: «روحوا انطروا التينات! كلفوهم بمهمة حماية التينة». فحملوا الرسالة وراحوا، وظلوا يحملون الرسالة وهم يتنقلون من منفى إلى منفى.. وليس من تينة إلى تينة.
سألت أهل قريته: هل تذكرونه؟
كلهم أجمعوا أنه كان طفلاً هادئاً، خجولاً، نحيفاً جداً، أسمر «كان مثل كل أولاد البلد، يلعب معهم، ما كنا نعرف أنه راح يكون إنسان كبير ومعروف.. لما شفت صورته تذكرت ملامح وجهه.. سبحان الله كأنه ما تغير!!».

* * *
مفرق طرق.. مسْكنة (اليوم تسمى غولاني ـ على اسم ضابط يهودي قتل عام 1948)، إلى الجنوب شارع يمتد حتى العفولة.. وهو يفصل بين موارس السجرة.. غربي الشارع: وعرة حمدة.. البياضة.. أم القلوب.. شرقي الشارع: بير العرجة.. كروم صبح.. قيشرون.. أرض الرجوم.. كلها موارس كانت لأهل البلد، زرعوا فيها سنة صيفي.. وسنة شتوي. الذرة والسمسم والبطيخ.. والشتوي: قمح وعدس وكرسنّة..
تواصل السير.. ثم تنعطف إلى اليمين..
لماذا تفصل بين الشارع الرئيسي والسجرة بيوت اليهود الأكراد الذين وصلوا من الموصل ومعهم «مصلية» ورفولي وإسحق وشمعون.. «ينكله» الذي ما زال يسكن عند مدخل القرية، يفلح الأرض منذ خمسين عاماً، ويحدث بغبطة عن أيام زمان، أيام الرجيدة والحصاد، أيام اللعب والطفولة، وتسأله:
ـ هل تذكر سليم الحسين؟
يضحك «ينكله» ويتذكر ويقول بلغة عربية عامية لا تميزها عن لغة أهل السجرة:
ـ طبعاً أذكره.. سليم الحسين.. كان عنده دكانه.
ـ هل تذكر أولاده؟
ـ يعني! مش كتير! كانوا صغار..
ـ بتعرف ابنه ناجي؟
ـ لا! كان صغير! أعرف مليح أولاد الفلاحين. كنا نرجد مع بعض ونركب على الحمار ونلعب على البيادر.. أولاد سليم الحسين ما كانوا فلاحين..
ـ ناجي انقتل بلندن.. كان رسام كبير.. سمعت عنه؟
ـ لأ.. ما سمعت..
قالت زوجة «وينكله»: أنا سمعت بالتلفيزية.. قالوا: العرب قتلوه بلندن! والله سمعت!
ـ هو هذا ابن سليم الحسين؟

* * *
بعد أن تمر بجانب مدرسة اليهود والخان وتنحدر في الطريق الترابي تصل إلى حارة المنزول.. ساحة وإلى جانبها دار ياسين الخطيب.. شجرتا زنزلخت انتصبتا على شمال الدار وبينهما دكان..
كان يبيع الملبّس والدفاتر.. رجل مسن، نحيف البنية، يضع على رأسه طاقية بيضاء.. وسرواله أبيض «منيّل»..
أذكره كما لو كان بيننا الآن.. في ساعات المساء، وفي أيام الربيع الدافئة وأمسيات الصيف الحارة كنا نلتقي في الساحة.. نجلس عند باب الدكان.. ونتحدث عن كل شيء.. وعندما يأتي طفل ليشتري قزازة قنديل أو إبرة بريموس.. أو طفل آخر يحمل بيضة ويقايضها بقضيب قرمش.. كان أبو حسين سليم العلي، ينتصب على رجليه ويغيب لحظات ثم يعود.. وإذا كان واحد من أولاده في الساحة.. أو يجلس معنا يقول له: قوم بابا.. اعطِ الصبي شو بده..
البيت الذي ولد فيه ناجي ابن سليم حسين العلي يقع بين ساحة المنزول والمعصرة.. بيت صغير بني من حجر يابس.. ثبّتت حجارته بالطين الكلسي.. وغطى سقف الخشب المخروط الطين العازل للماء والحرارة.. وعليه نبتت ضُمم المكانس..
في موقع البيت بقي كوم من الحجارة.. وتفتت الطين لكن ما زالت ضمم المكانس تنبت بين الحجارة.. كأنها تنتظر فاطمة الحسن، لتأتي وتجمعها..
حاولت أن أبحث عن لافتة، أو نصب تذكاري، كتب عليه: هنا ولد ناجي العلي.. وهنا ولد حسين وجوهر وزهرة وجوهرة ومحمد.. ومن هذا الباب خرجت القابلة أم محمود شيخة المصطفى تبشر بولادة الطفل.. ناجي.. فكرت للوهلة الأولى أن أتوجه إلى «ينكله» أو إلى رئيس المجلس الإقليمي أو أي من السلطات المختصة وأطلب منهم أن يوافقوا ـ (لاحظوا سخرية القدر) على إقامة نصب تذكاري على أنقاض بيت ناجي العلي.. فقط للإشارة إلى أن هنا ولد هذا الفنان الكبير! ولكنني لا أعرف لماذا عدلت وتنازلت تماماً عن هذه الفكرة، ربما لأنني أعرف الجواب مسبقاً وربما لأن ما بقي في السجرة من آثار هو أصدق شهادة على الهمجية، وأن كل من يريد أن يعرف أين يولد ناجي العلي، صباح كل يوم، فليأت إلى هنا.. إلى هذه القرية التي ما زال تينها يعطي، وما زال رمانها يعطي، وما زالت تنجب الأطفال في عين الحلوة أو حتى في لندن.
أين تعلم هذا الطفل الذي تجاوز العاشرة فقط وتوقف مع دولاب الزمن؟ كانت المدرسة مؤلفة من أربع غرف، وأمامها ساحة وشجرة صنوبر.. هي كل ما بقي من المدرسة.. تدخلها عبر بوابة.. وعمودين من حجر يابس على كل منهما حجر مربع على شكل أسد من آثار الرومان.. والطريق كانت مرصوفة بحجارة على بعضها نقشت أحرف لاتينية.. ليس لها أي أثر اليوم.. يبدأ النهار بالتحية الصباحية التي يقرأها المدير حسين دسوقي.. ثم يتوزع الطلاب إلى صفوفهم.. مدرسة عادية، في قرية عادية، لكن ما يميزها عن غيرها من المدارس هو التينة السوادية، «تينة أبو صلاح» كما كان يسميها ناجي وأترابه.. وهي ما زالت منتصبة وتعطي وقد أكلنا منها ولم نشبع وهي تبعث بسلاماتها وأشواقها إلى الأهل والأقارب في عين الحلوة وفي كل المخيمات، على حسين الياسين وعورض القاسم وأحمد العلي عباس وسلمان وعلي إبراهيم أحمد الموسى وحسن المحمد وابنه الأستاذ عبد المنعم حسن المحمد وعبد الرحمن الفارس وعبد الحليم ومصطفى وخالد الذياب، وحسن الحجي، وهي ترسل سلاماتها أيضاً إلى الأخ مفلح الحسن وتقول له إن شقيقتها التوتة التي زرعها في برميل، في ساحة الدار أطلقت وصارت اليوم شجرة كبيرة. وهي تسلّم على أبو ذيب عيسى الأحمد وتبلغه أن شجرة النخل في باب داره حرقوها قبل شهر، شهرين، الله العليم، لمّا قوّسوا على ناجي..
ابتعدنا عن «تينة أبو صلاح» وفي الصدر يهدهد صدى السلامات الآتية من البعيد، وبعد أن قطعنا الجامع استوقفتنا الدرجات النازلة إلى عين الميّ.. 52 درجة.. على حافة العين بحثنا عن الضريرين كامل الهوين وسعيد البكر..

* * *
هل كنت تلعب أيها الطفل الذي تجاوز العاشرة فقط عند عين الميّ؟ هل كنت تأتي مع أصدقائك، تتسرّق متخفياً بعمى بصر هذين الضريرين وخشخشة الدولاب وحبل الجلد، لتلعب بالماء، إلى أن تكتشفك بصيرتهما، فتهرب قبل أن يصيح كامل الهوين: ولك يا ولد.. تلعب في المي.. أم أنك كنت خجولاً كعادتك.. تشفق عليهما فتأتي لتساعدهما على «نشل المي» قبل أن يورد الطرش ويأتي أهل البلد ليسهروا ويحكوا الحكايا ويرقص الأطفال في ساحة العين على أنغام الجفرا والدلعونة..
من يذكر تلك الأيام؟ من يملك صورة لهذه القرية التي تدعى «السجرة»؟
هكذا توقفت عجلات الزمن:
نيسان 1948.
محمد عيد ذيابات كان عائداً «من الحراث» أصيب برصاصة في ساحة بيته.
قتل.
سليم الحسين، والد ناجي العلي، أصيب أيضاً برصاصة.
تصاوب في رجله.. برصاص القناصة اليهود وقنابل السلبند.. قتل ثلاثة أشقاء: إبراهيم وعبد الحليم وخالد محمد ذيابات.. وقتل معهم علي النوفل ويحيى سعيد وفالح حسن وسعد علي ونوفل صالح.
زهرة أحمد كان عمرها 17 سنة.. طوّقوا البلد.. حاولت تهرب مع أمها.. طخوها.. انقتلت، وأمها تصاوبت.. وانقتل كمان طه الحجي وفضل عيلوطي.
ياسر عيلوطي كان ولد ابن 14 سنة مع مجموعة من النساء.. حاولن إخفاءه لكن سحبوه من بينهن.
«الجندي حط الفرد في راسه.. وقوّسه».
أم فايز فاطمة المحمود ظلت في البلد.. تسلّل أقاربها إلى القرية وسحبوها.. زهرة البكر، تصاوبت في بيتها، دخل جندي وحطها في الخزانة وسكّر عليها.
«كان دمها يسح من الخزانة»..
تسلل ابن أخيها للدار وحملها على ظهره ونقلها للمستشفى.
فاطمة الطه، كان معها بنتها، هي كانت ختيارة عاجزة.. وبنتها صبية.. حاولت حملها وقت الهجيج.. ما قدرت.. قال لها الجندي: اتركيها! وضعتها على الأرض.
طخها قدام عينيها.
25 نيسان 1948.. بدأ الهجوم الساعة الرابعة صباحاً..
بعد ست ساعات كان الطفل الذي تجاوز العاشرة فقط في الطريق إلى مفرق مسكنه.. ومنه إلى الرحلة الطويلة خارج موارس البلد.. ولم يعد إليها، إلى أن أعدناه ثانية إلى طفولته.. طفولتنا..
ظل ناجي ابن فاطمة الحسن زوجة سليم حسين العلي مغترباً.. وظل حنظلة حاضراً في الوطن.. ماثلاً بيننا..
كأنه كان وكأنه لم يكن..
يأتي ولا يأتي..
في لحظة صمت أو في يقظة قصيرة/ طويلة، عابرة/ خالدة في خمارة البلد..
سلام عليك أيها الغائب.. الحاضر في هذا الوطن.