| 

يتوقف المراقب للخريطة السياسيّة الفلسطينيّة عند التغييرات الجوهريّة التي شهدتها الخريطة السياسيّة الفلسطينيّة ليس فقط فيما يتعلق بصعود الإسلام السياسي ممثلاً بحركتي حماس والجهاد الإسلامي بعد الانتفاضة الشعبيّة التي اندلعت في كانون الأول 1987، وإنما بشأن تراجع دور فصائل اليسار الفلسطيني، وتحديدًا الجبهة الشعبيّة التي تبوأت موقع الفصيل الثاني في منظمة التحرير الفلسطينيّة. والصحيح أن الجبهة الشعبيّة لم تنافس على الموقع الأول، على الرغم من أن تنظيمها في الأرض المحتلة، وجراء النجاحات التي حققتها في الانتفاضة؛ رفع شعار التحول إلى التنظيم الأول، ووضع سقف زمني لإنجاز هذا الهدف بما لا يتجاوز عام 1990. وقد انقضى عام 1990 ولم تتبوأ الجبهة الشعبيّة الموقع الذي كانت تصبو إليه، بل شهدت تراجعًا ملحوظًا ومستمرًا ظهرت فداحته في النتائج الهزيلة التي حققتها في الانتخابات التشريعيّة عام 2006. فما الذي أدى إلى تراجع اليسار، والجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين تحديدًا، حتى أن فصائل اليسار مجتمعة لم تحصل إلا على 5 مقاعد من مقاعد المجلس التشريعي البالغة 132 مقعدًا، أي أقل من 4%؛ ثلاثة منها للجبهة الشعبيّة واثنان لتحالف «البديل» الذي ضم حزب الشعب والجبهة الديموقراطيّة والاتحاد الديموقراطي الفلسطيني «فدا»؟
وما هو مستقبل اليسار والجبهة الشعبيّة في ظل الربيع العربي وما انتهى إليه من شتاء إسلامي؟
لا يمكن الإجابة عن هذين السؤالين وغيرهما من الأسئلة ذات العلاقة بموضوع هذه المقالة إلا إذا عدنا قليلاً الى الذاكرة الفلسطينيّة عند انطلاقة الجبهة الشعبيّة عام 1967، وبعد انسلاخها عن حركة القوميين العرب التي تلقت ضربة قاضيّة بعد حرب حزيران 1967، التي شكّلت هزيمة كبرى للأنظمة القوميّة العربيّة التي كان قائدها الزعيم التاريخي الراحل جمال عبد الناصر.

من الريادة إلى التراجع
من السهل جدًا إطلاق الأحكام السهلة السريعة، والنوم على وسادة من الأوهام بأن تراجع الجبهة الشعبيّة، واليسار الفلسطيني والعربي بشكل عام، هو أحد انعكاسات انهيار الاتحاد السوفياتي والمنظومة الاشتراكيّة والأحزاب الشيوعيّة على امتداد العالم الذي انتهى إلى سيطرة قطب واحد على العالم، وانتصار الرأسماليّة الى درجة ان بعض منظّريها أعلن نهايّة التاريخ! ومن السهل القول إن الجبهة الشعبيّة ضحيّة انهيار التضامن العربي وتراجع مكانة القضيّة الفلسطينيّة، خصوصًا بعد الحروب على العراق التي انتهت باحتلاله وإخراجه من معادلة القوة العربيّة.
لا يعني ما سبق أن انهيار الاتحاد السوفياتي والتضامن العربي والأحداث المترتبة على ذلك، عربيًّا وإقليميًّا ودوليًّا، لم تؤثر سلبيًّا في الجبهة الشعبيّة واليسار الفلسطيني اللذيْنِ كانت تربطهما علاقات تحالف وثيقة مع دول المنظومة الاشتراكيّة، ومع نظامي صدام حسين ومعمر القذافي، وغيرهما من الأنظمة القوميّة، لكن هذه العوامل وحدها لا تكفي لتفسير التراجع في دور الجبهة (تدنت شعبيتها من نحو 15% إلى 2.25%).
هناك أسباب ذاتيّة أدت إلى تراجع الجبهة، من دون الوقوف أمامها ومعالجتها لا يمكن وقف هذا التراجع والسير مجددًا إلى الأمام، خاصة في مرحلة يشتد فيها الاستقطاب الثنائي بين «فتح» و«حماس»، إلى درجة أن هذا الاستقطاب يتراوح ما بين الشد والاقتتال والتحريض الإعلامي تارة، وبين المحاصصة والاقتسام وإدارة الانقسام والتعايش معه تارة أخرى، من دون توفر طريق لديهما أو طريق ثالث قادر على إنقاذ القضيّة الفلسطينيّة من الهاويّة التي وقعت فيها، والسير فيها على طريق تجسيدها بتحقيق أهداف الشعب الفلسطيني بإنهاء الاحتلال، وممارسة حقه في تقرير مصيره على أرض وطنه، بما يشمل حق عودة اللاجئين، وحقه في إقامة دولة فلسطينيّة مستقلة عاصمتها القدس.
لم تستطع الجبهة أن تتعامل مع المستجِدات والحقائق الجديدة بشكل ملائم، واكتفت بترديد المعالجات القديمة نفسها التي ساهمت في وصولها إلى حالة التراجع. كما لم تستطع الصمود في ظل الطوفان الذي تفجّر بعد توقيع اتفاق أوسلو، خصوصًا بعد حصوله على دعم عربي ودولي (مالي وسياسي ومعنوي)، فسلمت الجبهة بأنها لا تستطيع إيقاف هذا الطوفان بإمكانياتها المحدودة، وأن أكثر ما يمكن أن تفعله تشكيل عقبة أمامه والتحذير منه.
من دون التقليل على الإطلاق من أهميّة العوامل السالفة الذكر، إلا أن الجبهة تلقي بكامل المسؤوليّة عما حدث على الغير، أي على الظروف الموضوعيّة، واختلال ميزان القوى، ومحدوديّة الإمكانيات، وضعف الدعم العربي، وهي، على أهميتها وتأثيراتها البالغة، لا تقدم تفسيرًا متكاملاً ولا ينظر إلى المسألة من جميع جوانبها، ويرى التأثير المتبادل للعوامل الذاتيّة والموضوعيّة.

عدم توافر بديل متكامل من أوسلو
لو، (ولو تَفْتَح عمل الشيطان) قدمت الجبهة الشعبيّة بديلاً متكاملاً من اتفاق أوسلو، بديلاً في النظريّة والممارسة الوطنيّة الثوريّة، خصوصًا أن هذا الاتفاق احتوى ثغرات وأخطاء كبيرة، لكانت قدمت نموذجًا قادرًا على التأثير، قد لا يستطيع في البداية وقف قطار أوسلو الذي كان جارفًا، لكنه كان يمكن أن يؤسس لما أتى بعد ذلك، عندما اتضح أن هذا القطار لم يحمل الفلسطينيين إلى الدولة الموعودة، وإنما إلى سلطة حكم ذاتي مقيدة يراد لها أن تكون حلاً دائمًا للقضيّة الفلسطينيّة يصفيها من مختلف جوانبها.
إن الجبهة الشعبيّة لم تقدم البديل المتكامل، ومع انها اتخذت مواقفَ صحيحةً بشكل عام برفض اتفاق أوسلو، لكنّها سرعان ما ارتبكت. فهي انتقدت اتفاق أوسلو ولكنها لم تشن معركة حاسمة ضده، وبعد أن رفضت في البداية التعامل مع إفرازاته، أتخذت قرارًا بعودة قيادتها وكوادرها وعناصرها، وانخرطت في السلطة، باستثناء المشاركة في الحكومة، والأهم أنها على الرغم من إعلانها التمسك بالمقاومة المسلحة نفذت عمليّاً إلى حد كبير التزامات هذا الاتفاق، خصوصاً تعليق المقاومة المسلحة.
إن هذا التصرفَ طبيعيٌّ، فلا يمكن الجمع بين المشاركة في السلطة وما تقتضيها من ظهور علني والحصول على وظائفها ومكاسبها، وبين مقتضيات المقاومة المسلحة وما تقتضيه من عمل سري، فكان لا بد للجبهة الشعبيّة وفصائل منظمة التحرير أن تختار بين السلطة أو المقاومة المسلحة، ومعروف أين وقع الاختيار.
لا يعني ما سبق أنه كان على الجبهة أن تقاوم مقاومة مسلحة بمفردها، أو ترفض العودة إلى الوطن تحت سقف اتفاق أوسلو، فالعودة إلى الوطن ممارسة حق، ولكن هذه العودة يجب ألا تكون مترافقة مع نقل المركز القيادي للجبهة وكشف قياداتها وكوادرها، وكأنها صدّقت بشكل واعٍ أو غير واعٍ أن أوسلو سيقود إلى الدولة (كاملة أو منقوصة)، وأنها «لا تريد أن تخرج من المولد بلا حمّص».
كان من الممكن تقديم معارضة متماسكة بديلة بشكل متكامل لاتفاق أوسلو تعتمد النضال السياسي والجماهيري والإعلامي والقانوني الهادف إلى إيجاد قوة ضغط سياسيّة وجماهيريّة تراكم قوتها باستمرار إلى أن تصل إلى الدرجة القادرة على الحسم بإيقاف نهج أوسلو والمفاوضات الثنائيّة، واتباع نهج آخر قادر على إحباط المخططات والبدائل الإسرائيليّة؛ تمهيدًا لشق طريق قادر على الانتصار في حال توافر الظروف الفلسطينيّة والعربيّة والإقليميّة والدوليّة الملائمة.
عندما كانت الجبهة تقدم تفسيرًا مقنعًا عن طبيعة المرحلة بوصفها لا تزال مرحلة تحرر وطني، أو عن الدمج بين مهمات التحرر الوطني والديموقراطي، فإنها اكتفت بإبقاء هذا الفهم، في الغالب، في نطاق الممارسة النظريّة، حيث لم تحوله إلى ممارسة عمليّة، فأصبح كأنه موقف للتاريخ يمكن أن ينفع التأريخ، ولكنه لا يستطيع صنع الأحداث.
لا يمكن أن يكتمل التفسير من دون رؤيّة البرنامج السياسي للجبهة الشعبيّة، فالجبهة قادت المعارضة الفلسطينيّة منذ انطلاق الثورة الفلسطينيّة ما بعد تأسيس الجبهة، وقدّمت مساهمات ملموسة على هذا الصعيد تجلت في تشكيل جبهة الرفض في سبعينيّات القرن الماضي. وساهمت أيضًا في تشكيل جبهة الإنقاذ في الثمانينيات، وانسحبت من اللجنة التنفيذيّة مرات عدة، لكنها لم تقدم إجاباتٍ عمليّة ونماذجَ وبدائلَ ملموسةً، وظلت تبدو حائرة بين أن تكون حركة قوميّة أو حزبًا بروليتاريًّا، أو جزءًا من القيادة أو من المعارضة. وزادت حيرة الجبهة بعد بروز «حماس» واحتلالها موقع الفصيل الثاني، كما ظهر في انتخابات المجلس التشريعي التي حصلت فيها حماس على 74 مقعداً من أصل 132، إضافة إلى دعم أربعة مستقلين ما كان يمكن أن يفوزوا لولا دعمها.


أمام التحدي
التحدّي الذي باتت تواجهه الجبهة الآن أكثر من أي وقت مضى، ومعها جميع القوى والتيارات اليساريّة والقوميّة والدينيّة والوطنيّة والليبراليّة القديمة والجديدة؛ هو بلورة البديل النظري والعملي من الخيارات المعتمدة بعد وصولها إلى حائط مسدود، وتجسيد ذلك بفعاليّة كاملة على جميع المستويات والصعد، فلا يكفي تسجيل المواقف للتاريخ، أي «قل كلمتك وامش»، إنما يجب أن تقدم نموذجًا فاعلاً مبادرًا مستمرًا قادرًا على إحداث التراكم الكفيل بإحداث التغيير المنشود. فإذا كانت الجبهة الشعبيّة على سبيل المثال تعارض لقاءات عمّان الاستكشافيّة، كما هي فعلاً، فلماذا تكتفي بتسجيل موقفها داخل اجتماعات اللجنة التنفيذيّة، ولماذا لا تقود حملة سياسيّة إعلاميّة جماهيريّة تحشد المعارضين كلهم حتى تتحول المعارضة إلى قوة لها تأثير قادرة على وقف هذه المفاوضات ومنع استئنافها مجددًا؟ وإذا كانت الجبهة، كما هي فعلاً، تعارض الانتهاكات المنهجيّة للحقوق والحريات في الضفة الغربيّة وقطاع غزة، فلماذا لا تحول هذه المعارضة إلى تحرك شعبي مستمر وليس انتقائيًا أو موسميًا؟ وهذا ينطبق أولاً وقبل كل شيء على تقديم نموذج للمقاومة المثمرة للاحتلال. وهنا، لا تهم الأعداد التي يمكن أن تحركها الجبهة في الشارع في البداية. فالبداية دائمًا صعبة، وتشارك فيها قلة ثم تكبر وتكبر مثل كرة الثلج المتدحرجة، فلا يعرف أحد متى تتحول الاحتجاجات والتظاهرات الصغيرة إلى انتفاضات شعبيّة قادرة على الحسم. ولعل ما حدث في مصر حين قامت «حركة كفاية»، و«6 أبريل»، و«كلنا خالد سعيد»، وغيرها، حين كانت تحشد العشرات والمئات، واستمرت سنوات في كر وفر إلى أن انخرط الآلاف وعشرات الآلاف، وصولاً إلى مئات الآلاف والملايين التي صنعت الثورة المصريّة، التي لا تزال متواصلة، ويجب أن تتواصل إلى أن تحقق أهدافها المنشودة في الحريّة والديموقراطيّة والكرامة والعدالة.

زعيم الجبهة... حكيم الثورة
استحقت الجبهة الشعبيّة المكانة التي احتلتها في التاريخ ولدى الشعب الفلسطيني، فهي تستجيب بشكل دائم وتلقائي لاتجاه الشعب الفلسطيني العام، وإذ لم تستطع قيادة الشعب، لكنها أدت دورًا ملموسًا، ولم تعاكس إرادته ومصالحه وأهدافه، وتغلّب في البداية أو النهايّة مصالحه العليا على مصالحها الفئويّة والفصائليّة؛ لذلك أطلق على قائدها اسم «الحكيم»، هذا الشخص الاستثنائي الذي قال عنه معهد «شيلواح» الإسرائيلي منذ زمن بعيد: إنه لو لم يكن ماركسيًّا ومسيحيًا لاحتل عند العرب مكانة لا تقل عن مكانة الرئيس عبد الناصر، فالحكيم يمكن الخلاف معه ولكن ليس عليه.

* المدير العام للمركز الفلسطينيّ لأبحاث السّياسات والدّراسات الإستراتيجيّة – مسارات.