| 

ست سنوات بالتمام والكمال مرت على الانتخابات التشريعية الفلسطينية الثانية التي حملت غالبية «حمساويّة» إلى المجلس التشريعي للسلطة الفلسطينية. كانت النتيجة صادمة بجميع المقاييس، لمنظمة التحرير الفلسطينية التي وجدت نفسها أمام سؤال الشرعية، ولحركة فتح، الفصيل الأكبر، والقائد للثورة الفلسطينية، التي استأثرت قيادتها بقيادة المنظمة طوال أربعة عقود خلت. فقد وجدت فتح نفسها، لأول مرة في تاريخها، أمام سؤال المحافظة على موقع الحركة.
كانت الانتخابات التشريعية الفلسطينية عام 2006، تعبيراً عن تحول جذري في المزاج السياسي للشارع الفلسطيني، الذي كفر قسم كبير منه - لا بل القسم الأكبر كما بيّنت الانتخابات - بمرجعيته التاريخية التي قادته عبر طريق طويل من الخيبات، وظنت أنها تمتلك تفويضاً مفتوحاً من الشعب، تستطيع بموجبه لا أن تتفاوض باسمه فحسب، بل أن تعيد تحديد وترتيب أولوياته وأهدافه وحتى آماله وتطلعاته. وأصبح المشروع السياسي لقيادة المنظمة، شيئاً فشيئاً، وفي ظل نظام تسلطي يفتح الباب أمام تنامي المصالح الذاتية الضيقة - متمايزاً عن ذلك الذي رفعته عند انطلاقتها، والذي على أساسه التف الشعب الفلسطيني حولها كممثل شرعي وحيد له. وما لبثت قيادة المنظمة، ومعها فتح، أن خسرت غزة كنتيجة منطقية لتعاطيها باستخفاف مع دروس انتخابات 2006. فعوضاً عن أن تقوم بعملية مراجعة شاملة للسياسة والأدوات والأشخاص التي قادتها إلى الهزيمة؛ كرست جهدها للالتفاف على نتيجة الانتخابات بالتواطؤ مع القوى الدولية النافذة. ولولا عوامل لا شأن لها بموازين القوى الداخلية لخسرت الضفة أيضاً.

لماذا صعدت حماس؟
لقد كان لصعود حركة حماس، وتنامي قوتها الشعبية والعسكرية، خلال السنوات التي أعقبت انتفاضة الأقصى عام 2000، ومنازعتها على شرعية التمثيل الفلسطيني أسباب ومقدمات عديدة، كثير منها يتعلق بعوامل ذاتية تحسب لحركة حماس، أهمها: أداؤها الكفاحي خلال انتفاضة الأقصى، وتبنيها المقاومة كنهج سياسي نقيض لنهج التسوية الذي تبنته المنظمة، وبناؤها هيكل قيادتها على أسس فيها كثير من مبادئ القيادة الجماعية وتداول السلطة التي تفتح الباب أمام تجديد دماء القيادة باستمرار، علاوة على الموارد المالية الكبيرة التي أمنتها لها تحالفاتها الإقليمية.
إلا أن تلك العوامل الذاتية الخاصة بحركة حماس، ليست وحدها وراء صعود الحركة على حساب المنظمة وقواها، فهناك كثير من العوامل التي تعود للمنظمة وفصائلها المختلفة، وربما كانت هذه العوامل هي الأهم والأكثر تأثيراً، منها ما يخص حركة فتح كقائدة للمنظمة، وأخرى تخص باقي الفصائل خاصة اليسارية منها. بالنسبة إلى فتح، يمكن إبراز عوامل عدة، أهمها: وصول الخيار السياسي الذي تبنته منظمة التحرير الفلسطينية إلى طريق مسدود، ومع ذلك، ما زالت قيادة المنظمة، التي هي قيادة فتح، مصرة على خيارها هذا وتعتبره خيارها الوحيد. ثم تراجع الأداء النضالي لفتح، وحتى العمليات الكفاحية التي نفذتها كتائب شهداء الأقصى، لم تُراكِم أي رصيد في حساب الحركة السياسي، بقدر ما راكمت في رصيد دعاة المقاومة والكفاح المسلح أمثال حركة حماس. فكيف يُراكِم فعل في رصيد من يُدينَه وينكره صباح مساء؟! ثم استشراء الفساد في جسد المنظمة والسلطة الفلسطينية، وسوء إدارة الوظائف الحيوية التي تولتها السلطة في الضفة والقطاع، كالصحة والتعليم والإدارة المحلية، في الوقت الذي كانت فيه مؤسسات حماس كالجامعة الإسلامية في غزة، مضرباً للمثل في جودة الإدارة وحُسن التسيير. وكان للفَلتَان الأمني، الذي كان سمة السنوات الأخيرة في غزة، والذي ساهمت فيه مجموعات عسكرية بعضها يتبع الأجهزة الأمنية، وبعضها يتبع عائلات كبرى، أثر سلبي للغاية. ومن بين العوامل أيضاً بروز مراكز القوى في داخل حركة فتح، واشتداد المنافسات بينها، ما شتت جسد الحركة، وحولها إلى جُزر متناثرة يجمعها العنوان. وكذلك كان لمركزة قرارات الحركة ومواردها بيد الرئيس، أكان الراحل ياسر عرفات أو أبو مازن، وسيطرة جيل المؤسسين على هيئاتها القيادية، واحتجاز الطاقات الشابة داخل الحركة في الهيئات والمستويات القاعدية وإغلاق الباب أمام صعودها وترقيها، مردود سلبي. أما باقي فصائل المنظمة، فربما كانت الخاسر الأكبر من لعبة الصعود والهبوط بين حماس وفتح.

ماذا عن اليسار؟
كانت فتح قد واجهت سؤال القيادة، فباقي فصائل المنظمة، وتحديداً اليسارية منها، وجدت نفسها وجهاً لوجه أمام سؤال الوجود بوجهه الأصفر الشاحب. فعلاوة على أن فصائل اليسار مجتمعة لم تتحصل إلا على حوالى 3,5% من مقاعد المجلس التشريعي، فإنها في الصراع بين فتح وحماس كانت ضائعة ومشتتة، وأقصى ما تمكنت منه هو لعب دور فرقة إطفاء أينما تسنى لها ذلك، ولم تنجح في طرح برنامج بديل يمكن أن يستقطب الناس ويقنعهم. وقد دأب قادة اليسار ومفكروه إلى عزو هذا التراجع إلى ضعف الموارد المالية وغياب حلفاء دوليين وإقليميين بارزين بعد تفكك الاتحاد السوفياتي، وهو تحليل لا يجانب الصواب، إلا أنه غير كاف على الإطلاق لتبرير ضمور شعبية اليسار وتآكله في الحالة الفلسطينية، على الرغم من إرثه النضالي والكفاحي المشهود. وهناك سبب آخر لا يقل أهمية من الأسباب المذكورة، وهو ارتباط اليسار بعلاقة عضوية «بمؤسسة» منظمة التحرير. وهي علاقة نمت وتطورت مع الزمن، وشكلتها خيارات وقرارات بدت، حين اتخذتها فصائل اليسار، عابرة وموقتة، لكنها لم تكن كذلك. وقد أسست هذه الخيارات والمواقف، نسقاً من العلاقة العضوية التي سرت تفاعلاتها وارتداداتها في جسد فصائل اليسار، وأحدثت فيه ما أحدثت من تشوهات وانحرافات. هذا من دون التقليل من دور اليسار في معارضة قيادة المنظمة ، في العديد من المحطات المفصلية في التاريخ الفلسطيني المعاصر، والتي وصلت في بعض الأحيان إلى حد القطيعة. وكانت هذه العلاقة قد سلكت في قنوات رسمية وغير رسمية، على مستويين مالي ومؤسسي. وكان مظهرها الأبرز تلقي الفصائل مخصصاً مالياً شبه منتظم من قيادة المنظمة، يرتهن انتظام صرفه بمدى تطابق مواقفها مع موقف القيادة، إضافة إلى استيعاب جزء من كوادر هذه الفصائل في مؤسسات المنظمة ووزارات السلطة. وفق آليات بعيدة كل البعد عن معايير الشفافية والإدارة الرشيدة، بحيث تصبح قوى المعارضة عملياً، شريكة بشكل أو بآخر في البيئة الانتفاعية التي أشاعتها قيادة المنظمة، علاوة على تمتع عدد من قيادات المعارضة بمزايا علاقتهم، التي بدأت تنظيمية وأضحت مع الوقت شخصية، مع أعضاء بارزين في قيادة المنظمة، فتحصّلوا منهم على هبات مالية - تحت بنود مختلفة - لهم ولأبنائهم ولأقربائهم ولمحاسيبهم. ووصلت الأمور في كثير من الأحيان إلى أن يصبح مندوب الفصيل لدى القيادة، مندوباً للقيادة في ذلك الفصيل. فأصبحت فصائل المعارضة داخل المنظمة، بالمحصلة، خاضعة للصيغة اللاديمقراطية لإدارة موارد المنظمة، ولهيمنة «مؤسسة» القيادة على القرار في المنظمة. فكانت تعارض سياسات القيادة من دون المساس بمكانتها وشرعية تمثيلها التي كانت دائماً خطاً أحمر لا تتجاوزه، فيتبدى موقفها – الذي تعوزه الممارسة - كخطاب طوباوي حيناً وديماغوجي في أحيان أخرى.
لقد جاءت سيطرة حماس على غزة في حزيران 2007، وفصائل المنظمة على هذه الحال من الضعف والعجز. وعلى الرغم من السياسات والممارسات غير الشعبية، التي ميزت أداء سلطة حماس في غزة، من تعدٍ على الحريات العامة، وتعسف في ممارسة السلطة، وغياب الشفافية المالية في موازنة حكومتها وتجارة الأنفاق التي تجري في عروقها أموال طائلة تقدّر بمليارات الدولارات سنوياً، وحالات الاعتداء المتكرر من مجهولين معلومين على ناشطين سياسيين وحقوقيين وصحافيين وفنانين وعلى المقاهي ومحلات الحلاقة النسائية، وكنائس ومراكز اجتماعية مسيحية، فقد فشلت فصائل المنظمة، وخاصة فصائل اليسار، في أن تستثمر السخط الشعبي المتنامي على سياسات حماس الداخلية، لتنهض بأوضاعها في القطاع، وتمارس معارضة جدية للحكم المستبد الذي أقامته حماس في غزة. لقد كان رد فصائل اليسار على سياسات حماس في غزة – كما هو ردها على سياسات السلطة في الضفة - إما بالصمت أو بالبيان السياسي أو بتنظيم اعتصامات، بمشاركة جماهيرية محدودة، سرعان ما تنفضّ أو تُفضّ. حتى الحراك الشبابي لإنهاء الانقسام، والذي كان شباب اليسار في طليعته والمحرك النشط له، دعمته قوى اليسار من بعيد، وتلطّت خلف ظهور الشبان الذين واجهوا القمع والاعتقال والتنكيل. لقد أصبح التغيير الثوري داخل قوى المنظمة، ضرورياً وملحاً أكثر من أي وقت مضى، بل هو وجودي بكل ما للكلمة من معنى. وإن لم يأت هذا التغيير بمبادرة من كوادرها فإن جمهورها سينتج بديلاً قادراً على القيام بتلك المهام. فالحزب في النهاية هو أداة ووسيلة، وما عاد ممكناً لتلك القطاعات من الجمهور الفلسطيني، ذات التوجه الليبرالي أو اليساري، التي من المفترض بقوى المنظمة أن تمثلها؛ أن تصبر إلى الأبد، على أدواتها الصدئة.

كاتب فلسطيني