| 

إن جبهة النضال الشعبي الفلسطيني، باعتبارها جزءاً من واقع العمل السياسي الفلسطيني، أصابها ما أصاب باقي فصائل العمل الوطني من أمراض، كما تعرضت لسيول من النقد طالت تجاربها وممارساتها وأفكارها وبنيتها.

انطلاقة الجبهة
كانت ظلال الهزيمة الحزيرانية عام 1967، تلقي عباءتها الثقيلة على أكتاف النظام السياسي العربي الجمهوري منه والملكي؛ فقد سقطت ادعاءات النظام العربي الرسمي فيما يتعلق بتحرير فلسطين، حامـــلة معــها الشــعارات الثورية والتقدمية والبراغماتية التي منحت شرعية لوجـــود هذا النظام أو ذاك. لقد فجرت هزيمة حزيران الــسقف العربي الرسمي، الذي طالما قمع وعرقل جهود أي حركة فلــسطينية ثورية لقيادة العمل الثوري من أجل تحرير فلسطــين، وعمل على عزلها باعتبارها حركة غير متوازية مع المجــهود القومي الذي رعته الناصرية وحركة القوميين العرب والبــعثيون، والطامحون بتاج مملكة العــرب. وعلــى ركام هــذه الهزيمــة، وفي خـــضم النقاش في صفوف النخبة القومية والوطنية للإجابة عن ســـؤال ما العمل؟ التقى ناشطون فلسطينيون من ذوي الجذور الفكرية القومية، على أن أي مجهود لتحرير فلسطين لا يمكن أن يكتب له النــجاح إذا لــم يكــن فلسطينياً أولاً، من حيث المبنى والبرنامج والشعار. ومــن هنا جــاء تأسيس جبهة النضال الشعبي الفلسطيني التــي توجز تعريف نفسها كما يلي: «حزب وطني ديموقراطي يناضل إلى جانب مختلف فصائل الحركة الوطنية الفلسطينية، في الوطن والشتات، من أجل إنهاء الاحتلال الإســرائيلي، وتمـــكين الشعب الفلسطيني من تقرير مصيره بنفسه وممارسة سيادته على أرضه وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس».
اقتصرت نشاطات الجبهة في البداية على المقاومة الشعبية السلمية للاحتلال، حيث أصدرت أول منشور لها في 15 تموز 1967 وتضمن دعوة الجماهير لرفض الاحتلال ومقاومته والتحريض على الإضراب والتظاهرات ومقاطعة الاحتلال، لتنتقل بعد فترة وجيزة إلى الكفاح المسلح ممثلة بعمليتها الأولى في 24 كانون الأول 1967، ومن ثم باشرت تشكيل الخلايا وتأسيس مراكز التدريب والميليشيات التابعة لها في مخيمات اللاجئين وأوساط الشعب الفلسطيني، وشاركت في كافة معارك الدفاع عن الشعب والثورة.

العلاقة مع منظمة التحرير
خلال سنوات قليلة، كان عدد من التنظيمات السياسية قد انبثق من قلب التيارات السياسية الموجودة على الساحة العربية، والتي عملت باتجاه استعادة قيادة منظمة التحرير الفلسطينية من أيدي الأنظمة المهزومة، وقد جاءت سيطرة «فتح» على المنظمة وانضمام الفصائل الناشئة لهيئاتها لتؤذن ببدء مرحلة جديدة في النضال الوطني بوصلتها المباشرة... فلسطين.
وكغيرها من الفصائل، انضمت جبهة النضال الشعبي إلى المنظمة وشاركت في اجتماع المجلس الوطني عام 1969، كما انضمّت إلى لجنتها التنفيذية، حيث مثلها المناضل المرحوم بهجت أبو غربية. ومع دخول الجبهة إلى لعبة التحالفات والتناقضات في الساحة العربية، وتضاعف تأثير النظم القومية، لا سيما في العراق وسوريا، في الفصائل التي أصبح وجودها المركزي في هذين القطرين، جاء الاصطفاف الأبرز حين تبنت قيادة منظمة التحرير برنامج النقاط العشر عام 1974، فما كان من الفصائل المعارضة إلا أن عمدت إلى إعلان تأسيس جبهة الرفض الفلسطينية، والتي شاركت فيها الجبهة إلى جانب الجبهة الشعبية وجبهة التحرير الفلسطينية وجبهة التحرير العربية. واستمر الانقسام السياسي بين هذين المحورين، حتى إبرام اتفاقيات كامب ديفيد التي جمعت الشتات العربي موقتاً في مواجهة الرئيس المصري محمد أنور السادات حينذاك، وأسفر ذلك عن إعادة توحيد المنظمة وعودة فصائل جبهة الرفض إلى اللجنة التنفيذية عام 1979.
مثلت نتائج العدوان الإســـرائيلي على لبنان عام 1982، وانتقال مركز ثقل قيادة الفصـــائل الفلسطينية المسلحة إلى الداخل، فرصة لبعض الأنظمة العربـــية لاحتواء المنظمة، الأمر الذي أثمر انشقاقاً عرف باسم «فتح – الانتـــفاضة» بقيادة العقيد «أبو موسى»، وما تلا ذلك من صراع دمـــوي داخـــلي أدى إلى اصطفافات جديدة تمثلت في «التحالف الديمـــوقراطي» بقيادة الجبهتين الشعبية والديموقراطية، و«التحالف الوطني» الذي انضمّت إليه جبهة النضال، واتسم بالتبعية للموقف السوري، والاتجاه المغامر في العمل السياسي الفلسطيني.
ومع استقرار قيادة منظمة التـــحرير في تونـــس، والقراءة المستفيضة للأحوال السياسية آنذاك، عملت قيادة الجبـــهة على انتقال مركزها القيادي من دمشـــق إلى تونس، ودفـــعت ثمناً باهظاً تمثل بانشقاق فـــي الجبـــهة، الأمر الذي عزز القـــناعات بضرورة الالتفاف حــول منظمة التحرير وإعادة بناء الجبهة على أسس تنظيمية وســـياسية جديـــدة.

مراجعة وتحولات
لا شك في أن جبهة النضال الشعبي، وباعتبارها جزءاً من واقع العمل السياسي الفلسطيني، أصابها ما أصاب باقي فصائل العمل الوطني من أمراض، كما تعرّضت لسيول من النقد، طالت تجاربها وممارساتها، أفكارها وبنيتها. واشتمل النقد المتبادل مجالات الفكر والممارسة السياسية، مرتكزاً في منطلقاته إلى التشهير بالآخر من القوى المختلفة، ومستهدفاً الممارسات السياسية دونما ربط معمّق بخلفياتها الفكرية، أو بالبنى الاقتصادية والاجتماعية لهذه القوى.
إلا أنها، وفي إطار تعزيز تقاليدها الديموقراطية الداخلية، عقدت الجبهة منذ انطلاقتها تسعة مؤتمرات عامة، جاء معظمها قبل قرار قيادة الجبهة التوجّه إلى تونس كمقر للقيادة الشرعية لمنظمة التحرير في أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات. وقد أمكن استخلاص بعض الدروس في الكونفرانس الذي عقدته الجبهة في تونس سنة 1993، وكان من أهم الاستنتاجات أن الجمود النظري لدى التنظيمات اليسارية إجمالاً، ومن ضمنها جبهة النضال، قاد إلى تكوين بنية تنظيمية قائمة على أساس قيادة فرد أو مجموعة أفراد، وليس على أساس وحدة التنظيم وديموقراطيته، ما جعل من الصعب فهم التحولات الاقتصادية الاجتماعية والسياسية، وفاقم أزمتها ما أدّى إلى تفسخ وانشقاق وتشرذم العديد منها.
لقد كانت الهيئة القيادية العليا، هي التي تقرر سياسة التنظيم، ما حوّل القاعدة التنظيمية إلى تابع مع هامش من الحق في المناقشة، أو التحفظ.
ومارست مراكز القوى فنونها في إبعاد اللجان المركزية عن الاضطلاع بواجباتها ومسؤولياتها شيئاً فشيئاً، واستبدلت العلاقات التنظيمية بعلاقات فردية. كما برز أسلوب التقويم الذاتي في اختيار الكادر وتجديد اللجنة المركزية بأعضاء محددين مسبقاً، عبر الطريق «الديموقراطي» الذي يعني الاتفاق المسبق على أسماء الأشخاص الذين يجب أن ينجحوا في المؤتمر العام.
إن غياب الديموقراطية الداخلية جعل الفئات الأكثر وعياً ومبادرة، في تناقض مع الأجهزة التنظيمية، ومع القيادة الممسكة بزمام الأمور، ما أفقد المنظمة، الفئة التي يمكنها أن تؤدي دوراً مهماً في الحياة الحزبية الداخلية. ولمواجهة الجمود الفكري والعقائدي وتفادي أشكال التكلس والتسلط البيروقراطي التي كرّستها المركزية الديموقراطية، فقد أقر كونفرنس الجبهة المنعقد في تونس (15-20/5/1993)، ما يلي:
1- استرشاد الجبهة بالمنهج الجدلي الذي يستمدّ مقوماته من الفكر الاشتراكي العلمي ومن الاتجاهات الفكرية العقلانية في الحضارة العربية والفكر الإنساني الداعية لسيادة مبدأ العقل والعقلانية وقيم العدل والحرية والديموقراطية وحقوق الإنسان.
2- استناد التنظيم والبناء الداخلي على أسس الديموقراطية التي تحكم وتنظم علاقاتهما الداخلية، ما يتيح المبادرة والإبداع وتعددية الآراء وحرية النقاش والتعبير عن الرأي والانتقاد في حدود الأطر التنظيمية.
3- دعوة القوى الديموقراطية الفلسطينية لفتح باب الحوار بهدف إرساء دعائم وحدة حقيقية وفاعلة في إطار حزب لليسار الديموقراطي الفلسطيني على أرضية الانفتاح والتعددية الفكرية والتجديد الديموقراطي والمراجعة النقدية الشاملة في سبيل إنجاز الحقوق الوطنية لشعبنا وصيانة وحدته الوطنية في إطار منظمة التحرير الفلسطينية والدفاع عن مكتسباته في دولة فلسطين وفي الشتات.

المستوى السياسي
أحدث الاختلال في ميزان القوى على الصعيد الدولي بعد انهيار المعسكر الاشتراكي، الحليف الأكبر للحركة الوطنية الفلسطينية، وبعد ضرب العراق وانكماش الغطاء الدولي لمنظمة التحرير، مستجــدات سياسيــة جديدة على الصعيد العالمي ستعكس نفسها علــى مســـتقبل الشرق الأوسط والقضية الفلسطينية لسنـــين طويلة مقبلة. وأمام هذه المستجدات العاصفة، قوّمت الجـــبهة الواقع الجديد باعتباره ساحة نضال سياسي، تتكامل مع أشكال النضال الأخرى على طريق تقرير المصير للشعب الفلسطيني، معتبرة المشاركة في العملية السياسية تثبيتاً لحضور القضية الفلسطينية في قلب النظام الدولي الجديد. وبعد التوقيع على إعلان المبادئ (اتفاق أوسلو)، سجلت الجبهة تحفظاتها عن بعض بنود الاتفاقية المجحفة مع التأكيد على أنه بالقدر الذي شكل فيه اتفاق أوسلو إجحافاً لمصلحة إسرائيل، فقد مهّد الطريق لتجسيد الكيانية الفلســـطينية على الأرض الفلسطينية من خلال قيام السلطة الوطــنية. وانطلاقاً من هذا المفهوم، شاركت جبهة النضال في مؤســسات السلطة الوطنية الفلسطينية كلها، كما شاركت في انتخابات المجلس التشريعي، وتسلم الراحل د. سميــر غوشــة الأمين العام للجبهة، وزارة العمل كأول وزير لها حتى سنــة 1998، حــيث قدّم استقالته لخلافات اتصلت بسوء الأداء وتفشي الفساد والمحسوبية وعدم توفر الشفافية والمحاسبة في أجهزة السلطة.
 
رؤى مستقبلية
على صعيد التحرر والاستقلال، ترى الجبهة أن النضال السياسي والجماهيري يمثل الخيار الكفاحي الأمثل للشعب الفلسطيني حاليا، وفي ظل التجارب السابقة التي تجاهلت انخساف موازين القوى لمصلحة إسرائيل، حيث مورست الدونكيشوتية غير آبهة بالثمن الذي يدفعه شعبنا. وعلى صعيد النظام السياسي، بلورت جبهة النضال الشعبي رؤيتها مستندة إلى أن صيغة النظام السياسي البرلماني القائم على أساس التعددية السياسية والحزبية وانتقال السلطة وتداولها بشكل سلمي وديموقراطي هو المطلوب، كما أكدت على مبدأ الفصل بين السلطات الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية، بما يضمن حقوق جميع المواطنين التي يكفلها الدستور، مثل حرية التعبير والتجمع والتنظيم السياسي والنقابي بصرف النظر عن العرق أو الجنس أو الدين، والعمل على إقامة مجتمع فلسطيني تسوده مبادئ العدالة والمساواة على أسس اشتراكية ديموقراطية منسجمة مع الواقع الاقتصادي والحضاري والتاريخي الموروث للشعب الفلسطيني.
أما عالمياً، فتحرص الجبهة على التضامن مع التيارات الدولية المعادية للعنصرية وللفاشية الجديدة ومساندة الاتجاهات الديموقراطية الداعية للاحتكام إلى الشرعية الدولية واحترام حقوق الإنسان والتعاون الدولي لمواجهة كل ما يهدّد مصير البشرية في سبيل بناء حضارة إنسانية تكفل السلم والعدالة في العالم.
وعلى صعيد وحدة اليـــسار، كشفت الانتخابات التشريعية عام 2006 عن الضعف الشـــامل لفصائل اليسار الفلسطيني، حيث احتلّ اليمين الديني الموقع الأول. وكغيرها من فصائل اليسار، دعت جبهة النضال الشعبي في أكثر من مناسبة إلى توحيد عمل الديموقراطيين واليساريين في بوتقة عمل تنظيمي، إلا أن هذه الدعوة كغيرها من دعوات الفصائل لم تجد متابعة وجدية كافيتين مثلها مثل كثير من الشعارات التي رفعتها فصائل العمل الوطني من دون أن تعمل بها.
بناء على ما سبق، ربما ليس هناك أفضل من عبارات رددها الراحل غوشة، قبل وفاته بأسابيع قليلة في معرض حديثه عن اليسار الفلسطيني والمستقبل، إذ أكد أن «الظرف الموضوعي عربياً وفلسطينياً مهيأ لطوفان مقبل، من الأجيال التي تحمل همومها وتوجهاتها وطريقة عملها الخاصة بها»، داعياً فصائل اليسار الفلسطيني، ولا سيما الصغيرة منها، إلى وحدة على أسس علمية تستهدف بناء حزب يستطيع التواصل مع هذه الأجيال. وبغير ذلك فإن النهايات مفتوحة على جميع الاحتمالات.

عضو اللجنة المركزية لجبهة النضال الشعبي الفلسطيني، مخيم الدهيشة ـ بيت لحم.