| 

كان من المفترض أن يمارس حزب «فدا» دور المعارضة في إطار منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة. لكن ما حدث كان العكس، فمع دخول «فدا» إلى السلطة انسجم مع سياساتها، ولم يحرك ساكناً ضد الفساد وضد بناء المؤسسات بطريقة مشوهة وضد القمع إلا بشكل خجول أحياناً.
بعد حرب 1982، فقدت منظمة التحرير وفصائلها المركز السياسي والعسكري والمالي الذي أتاح لها نوعاً من الاستقلال. وجاء انتقال المركز السياسي إلى تونس البعيدة عن فلسطين وعن تجمّعات الشعب الفلسطيني الأساسية بديلاً غير ملائم. وقد طرح الوضع الجديد أسئلة مهمة عن التناقض بين حقيقة انتقال مركز النضال الفلسطيني إلى الأراضي المحتلة وابتعاد المركز السياسي عن ساحة النضال في ما يشبه المنفى. وطرحت أسئلة أخرى عن المساعي والضغوط الإقليمية العربية للإمساك بالورقة الفلسطينية وانعكاسها، على تركيبة الحركة الوطنية ومواقفها ووحدتها. غير أن الانتفاضة الأولى التي تفجّرت عام 1987 أحدثت جدلاً ساخناً في إطار الحركة الوطنية، وداخل الجبهة الديموقراطية لتحرير فلسطين على نحو خاص. ومع انهيار الاتحاد السوفياتي والمنظومة الاشتراكية وأحزابها، تعمّق الجدل وتحوّل إلى صراع بين اتجاهين سياسيين داخل الجبهة الديموقراطية.

انطلاقة مشجعة
انبثق الاتحاد الديموقراطي الفلسطيني (فدا) كمحصلة للصراع بين اتجاهين سياسيين داخل الجبهة الديموقراطية؛ صراع بدأ في العام 1989 وحسم في العام 1991، بالانشقاق عن الجبهة الديموقراطية والإعلان عن «فدا» كتنظيم فلسطيني جديد، سرعان ما اعترفت به منظمة التحرير وانضمّ إلى مؤسساتها، ولا سيما في اللجنة التنفيذية. وعنصر القوة في هذه التجربة أنها طرحت مراجعة نقدية لتجربة المنظمة وبنيتها السياسية والفكرية والتنظيمية، ومراجعة نقدية لتجربة اليسار، كما تقول الوثيقة المهمة التي صدرت باسم اتجاه التجديد والديموقراطية قبل الانشقاق. ورأت الوثيقة في الأزمة التي تعيشها الجبهة الديموقراطية جزءاً وامتداداً لأزمة المنظمة وأزمة اليسار. والأهم من ذلك أن الوثيقة دعت إلى تصويب بنية المنظمة ومؤسساتها المتنوعة وبنية الفصائل والتنظيمات، وتصويب العلاقة بين الحركة السياسية والشعب الفلسطيني، وبخاصة داخل الوطن المحتل.
كانت الوثيقة أهم عمل نقدي للمنظمة والفصائل واليسار والجبهة الديموقراطية، وما تزال تحتفظ بأهميتها على الرغم من افتقادها الحامل السياسي والتنظيمي منذ البداية، وعلى الرغم من انفصال تنظيم «فدا» عن الوثيقة في المضمون وفي الشكل والتفصيلات. ومن المفيد تلخيص أبرز النقاط المفصلية في تلك المراجعة. فقد كشفت أن الصيغة التمثيلية القديمة التي حكمت تأليف هيئات منظـــمة التحـــرير (ائتـــلاف بين فصائل المقاومة) تجاوزها الزمن وباتت عائقاً أمـــام دمـــقرطة المنظمة وتصويب علاقاتها مع الشعب، وعائقاً أمام مشاركة التجمعات الفلسطينية المختلفة في الحياة الســـياسية، وفي النضال الجماهـــيري والديموقراطي، وفي مقاومة الاحتلال. إن عدم تجديد الصيـــغة بعد التحوّلات في إطار المجتمع والتجمّعات الفلسطينـــية، وبعد انتقال مركز النضال الوطني داخل فلسطين، كـــان من شأنه إعاقة بناء المؤسسات التمثيلية وحجز نمو الاتحادات الشعبية والنقابات والمنظمات الجماهيرية وتطوّرها علـــى أســـس ديموقراطية، ومن شأنه كبح الاعتماد على طاقات الشعـــب المنظمة. وكان البديل هو النمو السريع للأجهزة والمؤسسات العـــسكرية والأمنية والإدارية والمالية والإعلامية البيروقراطية التي عززت المركزية الشديدة في اتخاذ القرار السياسي والمالي والإداري والعسكري.
انتقدت الوثيقة صيغة المجلس الوطني الفضفاضة الأقرب إلى مؤتمر وطني يخرج بقرارات يتم الاتفاق عليها مسبقاً بين القيادات الأولى للفصائل التي لم تجدّد بنيتها منذ أمد بعيد. واقترحت صيغة جديدة يتم اختيار العضوية فيها وفق آليات تعكس رأي التجمّعات الفلسطينية، أكان ذلك بالانتخاب أو بالتوافق، وتقليص عضوية المجلس إلى الخُمس، وعقد دورات منتظمة، وانتخاب لجنة تنفيذية، ولجان دائمة، وإقرار الموازنة السنوية وتحديد سلم الضرائب وصوغ قوانين واعتماد مبدأ التمثيل النسبي، وفتح أبواب ومؤسسات المنظمة ودوائرها ومكاتبها للكفاءات الوطنية.
وتدعو الوثيقة إلى التخلي عن نظام «الكوتا» أو المحاصصة في جميع المؤسسات، بما في ذلك الاتحادات الشعبية والنقابات العمالية والمهنية، واستبداله بنظام التمثيل النسبي، لأن نظام «الكوتا» يكرس إنابة الفصائل وقياداتها عن الشعب، ويشجع الجنوح إلى تغليب المصلحة التنظيمية الضيقة على المسؤولية الوطنية الأشمل. كما توقفت عند أزمة اليسار، ومن مظاهرها ضعف الانغراس في صـــفوف العمـــال والكادحـــين والطبقات الشعبية، وفشله في توحيد تنظيماته على أسس استراتيجية وطنية واجتماعية وثقافية، وبقاء نفوذه وتأثيره محدودين في إطار المنظمة. إن أزمة اليسار فكرية وتنظيمية بنيوية، بمعنى وجود جمود فكري وبناء تنظيمي بيروقراطي، وقد تعمّقت الأزمة بفعل تبني النموذج السوفياتي للماركسية على أرضية بنى تنظيمية مركزية وشبه عسكرية، وجرى التعاطي مع الماركسية كعقيدة أو أيديولوجيا كلية تفسر الظواهر كلها. وغابت الروح الانتقادية وافتقد اليسار القدرة على إنتاج الأبحاث والدراسات عن الوضع الفلسطيني والمتغيرات العالمية والتحولات العـــربية، وعـــبّر عن عدم اكتراث تجاه قضايا الثقافة والفكر والفن. وافتقـــد القدرة على إنتاج الكادر، واستقطاب الشبان، في ظل غيـــاب الديموقراطية وطغيان المركزية التي تمتلك الحقيقة، أي القائد الواحد والحزب الواحد والمنبر الواحــد. وازدادت الأزمــة تعقيداً بعد انهيار النموذج السوفياتي وبقاء الأوضاع على حالها من دون مراجعة ونقد للتجربة، وبقي التنظيم المؤسس على المركزية الديموقـــراطية يخضــع للعــقلية البيروقراطية.
طرح التنظيم الجديد (فدا) نفسه كقوة تغيير وتجديد تعكس روح الشعب الكفاحية الشابة، وروح الديموقراطية والعصر؛ روح التقدم والتنوير وإعادة الاعتبار إلى ما هو جوهري في الماركسية، أي منهجها المادي التاريخي الجدلي. هذا ما قالته الوثيقة التي تبناها المؤتمر الأول في العام 1991. ووجد هذا الطرح أذناً صاغية وسط أفراد ومجموعات واتجاهات ونخب يسارية فلسطينية. وانعكس أيضاً على حالة الاستقطاب بين الاتجاهين في صفوف الجبهة الديموقراطية، وعلى حالة الحوار التي أطلقتها مجلة «راية الاستقلال»، وهي المنبر الذي جاء تجسيداً ديموقراطياً للتجربة الجديدة. وقد أطلقت كلمة التعريف بالمجلة شارة البدء: هذه المجلة ترغب في أن تكون مجلة للنقاش والحوار واختلاف الآراء وتصادمها. وهي على استعداد لأن تفتح صفحاتها لأشد الآراء تعاكساً مع رأي هيئة تحريرها. إن أشدّ ما تكرهه هذه المجلة المصمّمة على عدم حدوثه هو أن تكون بوقاً، نريدها مجلة أصوات لا صوتاً واحداً، أسئلة وأجوبة لا أجوبة جاهزة فقط».

معوقات الانطلاق
استمر الحوار والنقد وتقديم الأفكار. واستجابت بعض المجموعات اليسارية لفكرة التجديد وانضمت إليها، وكذلك كانت الحال مع بعض الكوادر، ومجموعات أخرى راقبت باهتمام وانتظرت التطورات، وكثيرون أولوا الاهتمام لهذه التجربة. وشيئاً فشيئاً، بدأ الاصطدام بالواقع وبالمعوقات. كان المعوق الأكبر هو عجز البنية التنظيمية عن حمل المشروع وأفكاره التجديدية الحداثية. فهذه البنية تحمل المواصفات ذاتها التي أوصلت إلى الانسداد في التنظيم الأم. أما المركز القيادي الذي تشارك طوال الفترة السابقة في حالة الجمود الفكري فلم يتغير فيه شيء في الوضع الجديد، باستثناء وجود وثيقة تتحدث عن الجمود، وكان من المفترض أن يتم وضع آلية للخروج من حالة الجمود، من خلال مواصلة عملية المراجعة عبر البحث واستخلاص الدروس ومراكمة خبرات المراجعات الجادة في تجربة اليسار العالمي، ومواصلة الالتـــقاء بالمجموعات والحالات المتقدمة والعمل المشترك من أجـــل المضي في مشروع الحزب الموحد لليسار على أسس ديموقــراطية حقيقية.
لم يحدث شيء من ذلك، بـــل إن مستوى تبني الوثيقة وأفكارها كان متبايناً في إطار المركز القيادي. فالبعض اعتبر الوثيقة ليست للتطبيق بل للاستـــخدام والاستعراض، والبعض الآخر كان على طرفي نقيض معها، وكان يعترض على أي محاولة للتطبيق، وقلة قليلة كانت مقتنعة بالوثيقة وتسعى إلى ترجمتها. ويمكن القول إن أكثرية المركز القيادي الجديد كانت منفصلة عن الوثيقة وأفكارها التجديدية والمهام التي طرحتها وتنتمي مــن الناحـــية الفعـــلية لحالة الجمود الفكري وللقديم، وظلت غير مكـــترثة تجاه قضايا الثقافة والفكر. ولم يمض طويل وقت قـــبل أن يتخذ القرار بإيقاف مجلة «راية الاستقلال» ليس بســـبب الأزمة المالية وحدها، بل ولأسباب لها علاقة بخروج هذا المنبر عن السيطرة. هكذا تجددت العقلية السلطوية الفردية بثوب جديد اسمه «التجديد»، وبقيت آلية اتخاذ القرار التنظيمي الإداري البيروقراطية على حالها.

تغير كل شيء
لقد جرى التخلي عن أهم عنصر قوة امتلكه هذا الاتجاه اليساري الجديد القديم، وهو الوثيقة الناقدة والتصورات التي قدمتها للمضي في مشروع اليسار الجديد. ومع وضع الوثيقة جانباً انطفأ الوهج، وفقد التنظيم هويته الفكرية، فذهب البعض نحو الليبرالية وتحوّل المشروع من مشروع تغيير إلى مجموعة مشاريع خالية من أي تغيير وإصـــلاح. وانعـــكس ذلــك على نفوذه وانتشاره، ففي بداية انطلاقة «فدا» كان يحـــوز في استطلاعات الرأي على 2%. ثم بدأ يتراجع إلى أن اختـــفى من التنافس لأنه لم يصل إلى نسبة الحسم في الانتخابـــات، وفي الوقت الذي فاز بمقعد في انتخابات المجلس التـــشريعي الأول لم يفز في انتخابات المجلس الثاني بأي مقعد، لكنه فاز بعضويات محدودة في المجالس المحلية، وغاب عن مجالس الطلبة.
انسجاماً مع المهمات التي طرحتها الوثيقة، كان من المفترض أن يمارس «فدا» دور المعارضة في إطار المنظمة والسلطة. لكن ما حدث هو العكس، فمع دخول تنظيم «فدا» السلطة انسجم مع سياساتها إلى حد كبير، وبخاصة في المفاوضات وفي اتفاق باريس الاقتصادي، ولم يحرك التنظيم ساكناً ضد الفساد وضد بناء المؤسسات بطريقة مشوهة، وضد القمع والانتهاكات، وضد سياسات الحكومة، إلا بشكل خجول أحياناً. وعلى صعيد قضايا النضال الاجتماعي، ظل ساكناً، ما عدا وضع العناوين البرنامجية. التزم الاتحاد الديموقراطي «الكوتا» في إطار المنظمة والاتحادات الشعبية التي أعلنت الوثيقة حرباً عليها!
في مؤتمره الأخير، أحدث تنظيم «فدا» تغييرات في بنيته، كانتخاب أمين عام جديد هي زهيرة كمال، وهي ثالث أمين عام بعد ياسر عبد ربه وصالح رأفت. والتزم المؤتمر زيادة نسبة الرفيقات في المراكز القيادية، وزيادة نسبة الشباب كذلك. وعلى أهمية هذا التغيير، يبقى معيار التغيير بالنسبة إلى المرأة هو التزام قضية تحرر المرأة فكراً ومن خلال خوض معارك الدفاع عن حقوق نصف المجتمع، فمقياس الديموقراطية هو الفكر والثقافة الديموقراطية وخوض معارك الدفاع عن الديموقراطية.
في غياب المعايير والنقد والمرجعيات الفكرية والثقافة الديموقراطية، يصبح كل شيء ملتبساً. وفي معرض التقولات، إذا أردنا تقويم «فدا» من خلال الوثيقة التي بررت وجوده كتنظيم فلسطيني جديد، يمكن القول إن التنظيم فقد وثيقته ومبرره في آن.
 
كاتب فلسطيني مقيم في رام الله، واكب تجربتي الجبهة الديموقراطية و«فدا».