| 

شهدت الساحة الفلسطينية، منذ التدخل السوري في الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975، نوعًا من الخلاف على الموقف من هذا التدخل، انعكس ذلك واضحاً على مرآة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين – القيادة العامة. وبرز داخل هذه الجبهة، موقفان متعارضان، موقف يقوده الأمين العام أحمد جبريل، وهو موقف يتبنى الخطاب السوري، ويدافع عن التدخل العسكري السوري في لبنان، وموقف آخر يدعو إلى مقاومة هذا التدخل ورفضه، انسجاماً مع مواقف «فتح» ومعظم الفصائل الوطنية الفلسطينية.
حاولت أطراف الجبهة الشعبية - القيادة العامة، الخروج من هذا المأزق، والاحتكام إلى مؤتمر عام، لكن تطورات الأوضاع، حالت دون ذلك. ولعل ما سرع الخطى تجاه التصادم العسكري الداخلي، سلسلة إجراءات عسكرية، كان من أبرزها: قيام الأمين العام للجبهة أحمد جبريل بعقد اجتماعات عسكرية في منطقة صيدا، هدفها الاستقطاب في مواجهة التيار الآخر، بدلاً من تلافي الخلاف. وفي صباح 6/10/1976، قام خمسون عنصراً من مجموعات أحمد جبريل باحتلال منطقة الكمين (شاتيلا) لحسم الموقف ضد التيار الآخر.
سعى الطرف الآخر إلى محاولة محاصرة هذه الحادثة، كي لا تمتد إلى المناطق الأخرى، في حين حاول جبريل التقليل من أهمية ذلك، واصفاً هذه المجموعات بالمجموعات الزائرة..! وعندما فشلت جهود إنهاء الأزمة، بدأت مجموعات التنظيم المسلحة بالتوافد على منطقة الفاكهاني في بيروت، من صبرا وشاتيلا والخندق الغميق وبرج البراجنة ووادي أبو جميل، وسرعان ما اندلع الصدام المسلح في محيط المبنى الذي كان يقع فيه مقر جبريل.
غادر جبريل مبنى الأمانة العامة، وقام حاجز لجبهة التحرير العربية، في منطقة الرملة البيضاء، باحتجازه ثم سلمه إلى مكتب القائد العام الراحل ياسر عرفات، الذي قام بدوره بتسهيل أمور سفره إلى دمشق بعد أن وصل عضو المكتب السياسي للجبهة طلال ناجي إلى بيروت، والتقى عرفات لهذه الغاية. وعقد علي اسحق مؤتمراً صحافيا بوصفه رئيس اللجنة التحضيرية للمؤتمر العام الخامس (مؤتمر 1977)، وطلب ممن أعدوا البيان ضد جبريل من الطرف الآخر، شطب عبارات تصف جبريل بالعميل للنظام السوري.
حاولت اللجنة التحضيرية، ترتيب الأمور لعقد المؤتمر، عبر جولات في العراق وليبيا ولبنان، لكن الأمور تسارعت بعد وصول طلائع قوات الردع العربية إلى بيروت في 15/11/1976، ما أتاح الفرصة لعودة جبريل، والتمترس في بعض مواقعه في بيروت، خاصة في مقر جريدة «إلى الأمام» التي كانت تصدر عن الجبهة، في شارع المزرعة، وكذلك في «الكوكودي» في ضواحي بيروت، وبدأت مجموعات جبريل بحملات اعتقال ضد مناوئيه، وعند تدخل منظمة التحرير وبعض فصائلها، تشكلت قيادة طوارئ للجبهة شارك فيها طلال ناجي وطلعت يعقوب وعلي اسحق وفضل شرورو. وكان محمد عباس (أبو العباس) في حينه في بغداد بناءً على طلب القيادة الفلسطينية. لم تستمر قيادة الطوارئ إلا شهراً واحداً، وبعد فشلها حاول جبريل اقتحام بعض المكاتب في منطقة السبيل في بيروت، ودارت معارك قاسية، شاركت فيها قوى من فصائل أخرى. ونظرا لخطورة استمرار الاشتباكات والاعتقالات المتبادلة، تداعت قيادة فصائل المقاومة لبحث الأمر والخروج بحل جذري، فتم الاتفاق على أن يحتفظ جبريل باسم الجبهة الشعبية - القيادة العامة، فيما تختار المجموعات المنتفضة عليه أي اسم تشاء، على أن تكون لها استقلاليتها التنظيمية، كفصيل جديد من فصائل الثورة، لتنضم جبهة التحرير الفلسطينية بذلك إلى باقي التنظيمات كفصيل مستقل عن «القيادة العامة».
المنظمة الجديدة

اجتمع كادر الجبهة لتدارس قرار القيادة الفلسطينية، وكان ذلك في ليل 27 نيسان 1977 بهدف التأكيد على شرعية الجبهة أولاً، ولتقويم المرحلة السابقة، ووضع أسس العمل للمرحلة المقبلة، ولكنه لم يتمكن من إنجاز أعماله بنجاح، نظراً للظروف التي كانت تعيشها الجبهة. وتم الاتفاق على تسمية الجبهة باسم جبهة التحرير الفلسطينية، وهو الاسم التاريخي للجبهة قبل الانضمام إلى الجبهة الشعبية – القيادة العامة. ثم انعقد بعد ذلك المؤتمر العام الخامس وتم فيه تجديد الثقة بالقيادة المركزية، وهي ما كان يطلق عليها مجازاً «عصابة الأربعة» بناء على اقتراح من رئيس المؤتمر أحمد نجم، حيث مثل اقتراحه مخرجاً، فهو يحافظ على توازنات تنظيمية داخلية من جهة، ويفوت الفرصة على انتخابات قد تكون نتائجها مفاجئة للجميع من جهة أخرى، مما استدعى تجديد الثقة بالقيادة المركزية السابقة والمكونة من (طلعت يعقوب/ أميناً عاماً، أبو العباس/ نائباً للأمين العام، علي اسحق/ عضواً وعبد الفتاح غانم/ عضواً)، على أن يعقد مؤتمر وطني عام بعد سنة، وتم تخويل هذه القيادة تعيين مجلس مركزي استشاري جرى تأليفه لاحقاً وضم 27 كادراً متقدماً.
شكلت سنوات (1976-1980) السنوات الخمس الحاسمة في الحياة التنظيمية لجبهة التحرير الفلسطينية، فخلال تلك الفترة من الصمود تمكنت القواعد التنظيمية من مقاومة الحصار وبناء الذات التنظيمية، ومن ثم الانتقال إلى دائرة الفعل والهجوم. ولم يكن ذلك سهلاً على الإطلاق، وتطلب روحاً كفاحية عالية، ولا سيما أن تلك الفترة ترافقت مع محاولات تيئيس داخلية وخارجية، إلا أنها في الوقت ذاته كانت تجربة قاسية، أكسبت الجبهة صلابة ومقدرة عالية على الفعل والتحدي.
وقد تعرضت الجبهة لحادث مأساوي كاد أن يودي بحياة قادة الجبهة والعديد من كوادرها، عندما تم نسف مقر القيادة العسكرية لجبهة التحرير الفلسطينية. فإزاء صمود الجبهة، جاءت هذه العملية، بهدف شطب الجبهة نهائياً وبضربة واحدة، فاستغلت الجهات المنفذة اجتماع المجلس المركزي للجبهة، والذي يضم زهاء 27 قيادياً ومن مختلف المحطات والهيئات التنظيمية، فأقدمت على تفخيخ مبنى القيادة العسكرية في الفاكهاني، وهو يضم إلى جانب مكاتب الجبهة منزل «أبو العباس» وما يزيد على عشرين شقة سكنية. وقد تم تفجير المبنى في الدقائق الأولى من يوم 13/8/1978 في وقت كان فيه المجتمعون قد علقوا اجتماعاتهم. واستشهد في هذا الحادث 31 عنصرا، إضافة إلى ما يزيد على 140 مواطنا بريئا.
شاركت الجبهة في الدورة 13 للمجلس الوطني الفلسطيني في دمشق عام 1979، وتقرر فيها الاعتراف بالجبهة داخل المجلس تنظيماً مستقلا، وتمثلت في المجلس بأربعة مقاعد. بعد ذلك، أخذت العلاقات السورية ـ الفلسطينية تعود بالتدريج، وتم ترتيب إعادة العلاقات بين الجبهة وسوريا عبر ممرات أمنية، كان أبرزها لقاءات «أبو العباس» مع رجل الاستخبارات السورية القوي غازي كنعان، وتوّج ذلك بلقاء وفد من الجبهة برئاسة «أبو العباس» الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد، حيث سبق ذلك الإفراج عن عناصر الجبهة، ويزيد عددهم على مئة من قيادات وأعضاء التنظيم في الساحة السورية.
المرحلة الجديدة

انعقد المؤتمر الوطني السادس في بيروت في 30/9/1979 وانتخب لجنة مركزية مكونة من 19 عضواً، وأمانة عامة، وأميناً عاماً هو الراحل طلعت يعقوب (توفي جراء نوبة قلبية حادة يوم 17 تشرين الثاني 1988 في الجزائر العاصمة).
ولم يمض وقت طويل على عقد هذا المؤتمر، حتى قامت الجبهة بتنفيذ عملية نهاريا صباح 22/4/1980 التي كان من بين منفذيها سمير القنطار. وعملية الطائرات الشراعية في آذار 1980، وعملية المنطاد صيف 1981.
عاودت الجبهة لتواجه تحدياً جديداً هو الانشقاق الداخلي، وكانت هذه المرة في ظل خلافات «فتح» الداخلية، وانشقاقها في العام 1983. قام «أبو العباس»، نائب الأمين العام، بالسفر إلى خارج سوريا، والإقامة في تونس، والإعلان عن انحيازه التام إلى جانب «الشرعية» التي يمثلها رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير ياسر عرفات في ظل احتدام الخلاف مع سوريا في أعقاب انشقاق ما عرف لاحقاً باسم «فتح – الانتفاضة».
وفي تونس، عقد المؤتمر الوطني العام السابع في 5/9/1985، بحضور عرفات، ومحمود عباس، وصلاح خلف «أبو إياد»، من اللجنة المركزية لـ«فتح». وبعد المؤتمر، قامت جبهة التحرير الفلسطينية، بزعامة «أبو العباس»، بتنفيذ عملية سفينة «أكيلي لاورو» في السابع من تشرين الأول 1985. وكان هدفها المعلن، الوصول إلى ميناء أسدود على الساحل الفلسطيني، ومن ثم العمل على احتجاز رهائن إسرائيليين والمطالبة بتحرير الأسرى داخل المعتقلات الإسرائيلية. فشلت العملية، وانتهت إلى ما انتهت إليه. ثم نفذت الجبهة، عملية القدس البحرية، مستهدفة شواطئ تل أبيب في 30/5/1990. وعقب الإعلان عن اتفاق أوسلو تباينت مواقف الجبهة إزاء هذا الاتفاق، وآثر «أبو العباس» البقاء في بغداد، في وقت قام فيه نائبه علي اسحق، بتأييد هذا الاتفاق والانتقال إلى غزة. تم اعتقال «أبو العباس» في بغداد، بعد دخول قوات الغزو الأميركية إلى العراق، وتوفي في المعتقل الأميركي بالقرب من مطار بغداد الدولي بتاريخ 8/3/2004، ثم خلفه في الأمانة العامة، أبو أحمد حلب، الذي توفي بتاريخ 16/6/2006. وبعد وفاة «أبو أحمد»، تسلم واصل أبو يوسف، مسؤولية الأمانة العامة بتاريخ 20/5/2006 .
انشقاق جديد

الآن، هناك فصيلان يحملان اسم جبهة التحرير الفلسطينية، أحدهما في رام الله بزعامة أبو يوسف، والآخر في دمشق، بزعامة أبو نضال الأشقر!

كاتب فلسطيني مقيم في رام الله، واكب تجربتي الجبهتين الشعبية – القيادة العامة، والتحرير الفلسطينية.