| 

منذ تأليف جامعة الدول العربية في سنة 1945 قررت الدول العربية أن يكون لفلسطين مندوب يمثلها في الجامعة، على الرغم من وقوعها تحت الانتداب البريطاني وعدم نيلها الاستقلال في ذلك الوقت. وتعاقب على تمثيل فلسطين في الجامعة العربية كل من موسى العلمي وأحمد حلمي عبد الباقي وأحمد الشقيري.
استمرت عضوية فلسطين في جامعة الدول العربية على حالها حتى 13/1/1964 عندما قرر مؤتمر القمة العربي الأول المنعقد في القاهرة في ذلك التاريخ إنشاء كيان فلسطيني يعبر عن إرادة شعب فلسطين لتمكينه من تحرير وطنه وتقرير مصيره. وكلف أحمد الشقيري الاتصال بأبناء فلسطين لهذه الغاية والعودة بنتيجة اتصالاته إلى مؤتمر القمة العربي الثاني. غير أن الشقيري تجاوز هذه المهمة وتخطى الصلاحيات التي منحه إياها مؤتمر القمة ودعا إلى عقد المؤتمر الفلسطيني الأول وبادر، فوراً، إلى تأليف لجنة قوامها: روحي الخطيب، أنور نسيبة، قدري طوقان، فلاح الماضي، سعيد علاء الدين، يوسف عبده، زليخة الشهابي، عبد الرحمن السكسك. وكانت مهمة هذه اللجنة تنسيق عملية الترشيح لعضوية المؤتمر واختيار الأعضاء وإعداد القوائم. وتولى الدكتور عزت طنوس إدارة المكتب التحضيري للمؤتمر. وفي الوقت نفسه تألفت لجان في لبنان وسوريا والأردن ومصر وغزة لمناقشة مسودة مشروع الكيان الفلسطيني بما في ذلك الميثاق القومي. وكانت لجنة لبنان تضم كلاً من: شفيق الحوت، عزت طنوس، زهير العلمي، نقولا الدر، سميرة عزام، راجي صهيون، وليد الخالدي، برهان الدجاني، سعيد الحتحوت، محمد خليل، حسن شبلاق. وفي 28/5/1964 افتتح الملك حسين أعمال المؤتمر الفلسطيني الأول في فندق «أنتركونتيننتال» في القدس بحضور حسن صبري الخولي الممثل الشخصي للرئيس جمال عبد الناصر، وعبد الخالق حسونة الأمين العام لجامعة الدول العربية ومنصور الأطرش من سوريا وعبد العزيز بوتفليقة من الجزائر وجوزف أبو خاطر من لبنان والمنجي سليم من تونس وبقية ممثلي الدول العربية.
بلغ عدد أعضاء المؤتمر 419 عضواً يمثلون الشعب الفلسطيني بكل قطاعاته أبرزهم: ياسر عرفات، خليل الوزير، كمال عدوان، خالد الحسن، محمد يوسف النجار، صلاح الدباغ، شفيق الحوت، سميرة عزام، عزت طنوس، نقولا الدر، حيدر عبد الشافي، فدوى طوقان، وديعة قدور خرطبيل، عبد الكريم الكرمي، أنيس القاسم، راجي صهيون، عزة دروزة، رجا العيسى، أحمد صدقي الدجاني، سلوى ناجيا، عبد المحسن القطان، عصام عاشور، فضلاً عن عضوي شرف هما الفنانان التشكيليان إسماعيل شموط وتمام الأكحل. ولم يتمكن غسان كنفاني وأبو ماهر اليماني من حضور المؤتمر بعدما رفضت السلطات الأردنية منحهما تأشيرة دخول إلى الأردن. وانتخب المؤتمر فور بدء جلساته أحمد الشقيري رئيساً له وكلاً من حكمت المصري وحيدر عبد الشافي ونقولا الدر نواباً للرئيس وعبد الرحمن السكسك أميناً عاماً. وأصدر المؤتمر «الميثاق القومي الفلسطيني» والنظام الأساسي لمنظمة التحرير الفلسطينية التي أعلن الشقيري قيامها في ختام المؤتمر.
ومن مفارقات تلك الفترة أن المملكة العربية السعودية عارضت عقد المؤتمر ودعت الدول العربية إلى مقاطعته باعتباره غير شرعي، ورأت في عقده خروجاً على مقررات القمة العربية الأولى وتجاوزاً للصلاحيات التي مُنحت للشقيري. والغريب أن الحاج أمين الحسيني رئيس الهيئة العربية العليا بعث ببرقية إلى الملك حسين يطلب فيها إلغاء المؤتمر ويطالب بإنشاء الكيان الفلسطيني المقترح على قاعدة الانتخابات لجميع الفلسطينيين مع أن الهيئة العربية العليا نفسها لم ينتخبها الشعب الفلسطيني. أما الأغرب فهو أن حركة القوميين العرب أصدرت في 14/6/1964 بياناً انتقدت فيه أعمال المؤتمر وتوقعت له الفشل. لكنه، بالطبع، نجح نجاحاً منقطع النظير.
ومن طرائف المؤتمر ما حدث خلال مناقشة بعض جوانب قضية فلسطين؛ فقد اقترح الشيخ عبد الحميد السائح، الذي سيصبح بعد عشرين سنة رئيساً للمجلس الوطني، أن يتم النص في قرارات المؤتمر أن قضية فلسطين هي قضية إسلامية. وجرت التثنية على الاقتراح ونال الأكثرية في التصويت وصار قراراً. غير أن الأستاذ شفيق الحوت أعاد المناقشة مجدداً وفي الجلسة نفسها، فاقترح أن تعتبر القضية الفلسطينية قضية عربية لا إسلامية. فجرت التثنية على الاقتراح وعرض على التصويت فنال الأكثرية وصار قراراً ألغى القرار الأول.

الميثاق الجديد
مثلما طوى تراجع الكتلة الوطنية السورية وفشل ثورة 1936 ـ 1939 في الوصول إلى أهدافها ثم سقوط فلسطين بأيدي الصهيونية ميثاق الحركة الوطنية الفلسطينية لعام 1919، طوت هزيمة حزيران 1967 ثم صعود العمل الفدائي ونظرية حرب الشعب الميثاق القومي الفلسطيني، ودشن ذلك كله مرحلة سياسية وتاريخية جديدة تماماً كما كان من أبرز علاماتها إقالة أحمد الشقيري (قدم استقالته في 24/2/1967) وسيطرة المنظمات الفدائية على المجلس الوطني الفلسطيني. وهذا الأمر مهّد الطريق، سريعاً، نحو تعديل الميثاق القومي في الدورة الرابعة للمجلس الوطني التي عقدت في القاهرة في 19/7/1968. وقد نال التعديل، أول ما نال، اسم الميثاق فصار «الميثاق الوطني الفلسطيني» بدلاً من «الميثاق القومي الفلسطيني». وجاء هذا التعديل بذريعة الدقة في المعنى والمضمون؛ فالميثاق خاص بالشعب الفلسطيني ومنطلقاته وأهدافه، لا بالأمة العربية كلها لكي يسمى بـ«الميثاق القومي». كذلك تناول التعديل المادة الخاصة باليهود؛ ففي الميثاق القومي نصت المادة السادسة أن «اليهود الذين كانوا يقيمون إقامة عادية في فلسطين حتى بدء الغزو الصهيوني لها يعتبرون فلسطينيين». وبطبيعة الحال لم توضح هذه المادة متى كانت بداية الغزو الصهيوني: هل هي سنة 1882 أي سنة الهجرة اليهودية من روسيا إلى فلسطين، أم مع إعلان بلفور سنة 1917، أم بعد النكبة سنة 1948؟ ومهما يكن الأمر فقد صارت هذه المادة في الميثاق الجديد على النحو التالي: «اليهود الذين هم من أصل فلسطيني يعتبرون فلسطينيين إذا كانوا راغبين بأن يلتزموا العيش بولاء وسلام في فلسطين».

لكل مرحلة ميثاقها
عاش الميثاق الوطني الفلسطيني ربع قرن بأعجوبة تامة. وهو الآن أصبح مجرد وثيقة تاريخية محفوظة في بطون الكتب والسجلات. بدأ الميثاق الوطني كهولته بعد ست سنوات فقط من ولادته، أي في سنة 1974 عندما تبنت منظمة التحرير الفلسطينية في الدورة الثانية عشرة للمجلس الوطني (القاهرة 1/6/1974) البرنامج السياسي المرحلي أو ما عُرف في حينه بـ«برنامج النقاط العشر» الذي كان يشير إلى الاتجاه الجديد للقيادة الفلسطينية الذي بدأ يطل برأسه بعد حرب تشرين الأول/ أكتوبر 1973، وهو اتجاه كان يتضمن، من غير إفصاح، الاعتراف بإسرائيل لقاء قيام دولة فلسطينية مستقلة في الضفة الغربية وقطاع غزة. غير أن الميثاق الوطني سرعان ما وصل إلى الشيخوخة بعد أربع عشرة سنة أخرى أي في سنة 1988 مع «إعلان الاستقلال» الذي صاغ نصه، بلغة بديعة، الشاعر محمود درويش. ومن المؤكد أن اتفاق أوسلو الذي جرى توقيعه في حديقة البيت الأبيض في 13/9/1993 كان نقطة النهاية لهذا الميثاق الذي ظل طوال ربع قرن من الزمن دستور الشعب الفلسطيني ونبراس هدايته.