| 

من الرصاصة الأولى ومن العملية العسكرية الأولى في نفق عيلبون الى العملية السياسية الدائمة، من تأسيس حركة الشعب الفلسطيني «فتح» مروراً بالمنظمات التي لم تعوزها النية، ولكن أعوزتها القراءة المتأنية للشعب والقضية فوقعت في الحملة الثورية التي استهلكت الثورة ونيات الثوريين. الى المنظمات التي كانت من إفرازات الأنظمة التي قصَّرت في حق فلسطين، وعندما دشن الثوار ثورتهم حاصرتهم، وذهبت هذه المنظمات مع أنظمتها او بقيت مع بقاياها عبئاً على الماضي والحاضر والمستقبل، المنظمات الحديثة التي كانت نواياها الأولى غافلة عن فلسطين نائمة عن دنيا الشعب على مخدة الآخرة! مع المحطة التي ارتقت فيها «فتح» من ممثل واقعي لجميع حساسيات الشعب الفلسطيني ومشاربه وتطلعاته، وكتلة تاريخية جامعة تنشد الاتفاق ولا تستاء من الاختلاف وتوسع المشتركات بالاعتدال الفكري والسياسي وبالجهاد من دون استعراض أو قفز فوق المراحل والوقائع... ارتقت «فتح» لتصبح مع محطة منظمة التحرير مكوناً وفاعلاً من مكونات الشعب والقضية من دون إلغاء الآخرين، ومن دون اختزال او مصادرة، الى أوسلو على إيقاع حرب الخليج الثانية بعد سقوط التجربة السوفياتية وانتهاء الحرب الباردة لمصلحة الطرف الغربي الأوحد، ومن لم يقرأ هذا كله، لن يقرأ أوسلو بواقعية او موضوعية او عمق مناسب لهذا المنعطف الذي ربما كانت أوسلو فيه أقل المحذورين خطراً او شراً.
وكان لا بُد للراديكالية التي لها فضائلها أن تصبح عقلانية حتى لا تخسر هذه الفضائل... مع أوسلو يمكن حساب الخسائر التي يمكن أن تكون كثيرة لو كانت القضية بسيطة وكان أفقها واضحاً، وكان العرب أكثر لياقة لاحتضانها، أما مع ملاحظة الظروف والمعطيات والتعقيدات فإن الخسائر تصبح أقل حجماً، إما أن أوسلو لم تكن حلاً فعلياً حتى الآن، وأن إسرائيل قد شوّهتها وأفرغتها من مضمونها، فهذا أمرٌ يحتاج الى تأمل، أليس من الممكن أن تكون إسرائيل قد قرأت تورطها في أوسلو فعادت الى وعيها الصهيوني المريض لتفرغها من مضمونها؟ وماذا يمكن أن يكون الصهاينة قد لاحظوا من مترتبات أوسلو؟
أليس لنا أن نقول بأن أوسلو أحدثت شرخاً في المنظومة الإيديولوجية الصهيونية، في التراجع النسبي، ولو نظرياً، عن سيرتها في عدم التراجع أو التنازل؟
أليس لنا أن نقول: بأن ثغرة عميقة قد حدثت في هيكل الدعاية الصهيونية والتي ركزت على أن فلسطين أرض بلا شعب انتقلت بتأسيس الكيان الى شعب بلا أرض؟ فإذا بأوسلو تقول للعالم كله وبلسان إسرائيل بأن هناك شعباً له أرض؟
أليس لنا أن نقول، وحتى متى كان ينبغي أن يستمر هذا الشتات والجهاد من هنا ومن هناك، تحت وصاية هذا النظام العربي او ذاك، ومع هذا الشعب العربي او على حسابه هنا او هناك، ومع هذه الشهية التي لا يمكن علاجها لدى بعض الفلسطينيين بالتحول عن القضية والتحرير الى التدخل والتداخل مع أوضاع دولة عربية هنا او هناك؟ بعد أوسلو أصبح المجاهد الفلسطيني في الداخل، أصبح متداخلاً مع الكيان. كانت المقاومة من الخارج سياسياً وعسكرياً مزعجة لإسرائيل، أما بعد أوسلو فقد أصبحت مشكلة... كان النضال في الخارج فكان محدود العناوين والآثار، مرصوداً بالأخطار.. وصار في الداخل، صار كل شيء نضالاً، إلا الانقسام، صار النوم نضالاً واليقظة نضالاً والصوم نضالاً والإفطار نضالاً، وصار المأتم كما العرس نضالاً.. الخ.
لقد كان هناك كفاح مسلح من الخارج، وكانت أوسلو ثمرة من ثمراته التي لا تخلو من مرارة، ولكنها كانت أيضاً ثمرة من ثمرات الانتفاضة الأولى التي بدلت وعي الفلسطيني والعربي والوعي الدولي بالقضية، ومن دون سلاح، لتثبت أن المقاومة أمر مركب لا يختزل بالبندقية، وهكذا اقتربت فلسطين لأن الانتفاضة الشعبية المدنية كانت ثمرة سياسية للكفاح المسلح... وعندما أصبح الكفاح المسلح في الانتفاضة الثانية بديلاً للسياسة وبديلاً للمقاومة المدنية، وبديلاً شمولياً للسياسة الواقعية التي تحول السلاح من غاية الى أداة، ولا تريد أن تحرر غداً كل شبر حتى لا تضطر بعد غد الى أن تخسر كل شيء.
لقد كان من الممكن جداً أن لا يغيب السلاح، ولكن من دون أن يحضر وحده، وكان يمكن للانتخابات أن تكون تجسيداً للسلطة الوطنية وللديموقراطية، لولا أنه تبين أن هناك مشروع سلطة لإلغاء السلطة وأن هناك ديموقراطية لمرة واحدة من أجل إلغاء الديموقراطية الى الأبد، ما يعني تأجيل فلسطين، لولا أن فلسطين أقوى من أهلها، سواء منهم المصيب او المخطئ. ولولا هذه القوة لكان فصل غزة عن جذعها وجذرها وفروعها في القدس والضفة نهاية لفلسطين، التي بقي لها عقل وازن في رام الله، وذاكرة حيَّة موصولة بالنور الذي يطلع صباح مساء من ضريح الذي دشن الثورة في عيبلون وجددها في حصاره للحصار في رام الله، وأحياها بموته الغني بكل معاني الحياة، مسموماً هادياً فادياً موصولاً بالفادي الأول مولياً وجهه نحو القبلة الأولى.
مع ذكرى الرصاصة الأولى التي انطلقت من فوهة بندقية صدئة مسحت بتراب حيفا فتألقت وتوهجت، وبدل أن تضغط على زنادها سبابة واحدة، تكاتفت حولها القلوب والعقول وكونت حزمة من السبابات، سبابات التأسيس، فتحولت الرصاصة الأولى الى زخات أيقظت روح الجهاد والتحرير في كل مكان...
تحية لكل المعروفين ولكل المجهولين...
من شهداء وجرحى وأسرى ومنتظرين للشهادة او الحرية.
تحية للوجوه الأولى والأصوات الأولى والبيانات الأولى والأسماء الأولى التي أعادتنا الى فلسطين لنرى فيها نصاباً لأجيالنا وحبلاً لاعتصامنا.
تحية للجميع في ياسر عرفات الذي عاش غنياً فقيراً، كما تعيش أرملة فلاح فلسطيني ومات.. لم يمت.
وها هو يسكن العصب الفلسطيني الجاهز للشهادة الراشدة، والعقل الفلسطيني الجاهز للسياسة الرائدة، ويطلع من عيني أبي مازن الذي أدرك بعمق الفرق الموضوعي بين الزعيم الرمز الذي يصنع السياسة والتاريخ والرئيس الذي يوظف التاريخ في السياسة والسياسة في التاريخ والسياسة والتاريخ في فلسطين اليوم، وفلسطين الغد.. الذي يرونه بعيداً.. ونراه قريباً.. ولا نستعجل ولا نتكاسل.. نعتدل في كل شيء للحفاظ على كل شيء، نعتدل لنصل فنصل، لقد وصلنا.. وكل وصول هو إقلاع جديد نحو فلسطين.
روي عن تشرشل أنه قال لسائق سيارته: «خفف سرعتك نريد أن نصل باكراً».
وقال علي بن أبي طالب: «من طلب الشيء بغير أوانه عوقب بحرمانه». وقال: «ومجتني الثمرة لغير وقت إيناعها كالزارع في غير أرضه». وقال الله عز وجل «يرونه بعيداً ونراه قريباً». وربما ابتعد من استقرب او اقترب من استبعد.. وربما كانت الرصاصة الأولى هي الأخيرة. غير أن الرصاصة الأخيرة ما زالت هي الذخيرة.. ليوم التحرير الآتي..