| 

في المقابلة المشهورة التي بثتها قناة الجزيرة في 7/10/2001 أفاض أسامة بن لادن في الثناء على شيخه الدكتور عبد الله عزام، واستمطر عليه شآبيب الرحمة وسحائب المغفرة، ولم يتورع عن وصفه بالقول: «عجزت نساء المسلمين ان تلد مثله». وعبدالله عزام «إخوانجي» سابق وخطيب جذاب وأحد مروجي الخرافات والخوارق معا. وهو، الى ذلك، ذو تكوين ثقافي سطحي على غرار متخرجي كليات الشريعة في الجامعات العربية. وكتابه «آيات الرحمن في جهاد الأفغان» الذي نشره في سنة 1984 حافل بالخوارق، وناجح في ترويج خرافات كثيرة اجتذبت، حينذاك، جموع الشبان اللاهثين وراء طمأنينة وجدانية من هذا العيار، فأوهمهم أنهم سيشاهدون الطير الأبابيل وهي تُسقط الطائرات السوفياتية في أفغانستان، وأنهم سيرون، بأم العين، كيف تحارب الملائكة الى جانب المجاهدين، وكيف ان النور يشع لأيام متواصلة من أجساد الشهداء، وكيف ان رائحة دماء المقاتلين الذين سقطوا في معمعان القتال تفوح كالرياحين وتعبق بالطيب كأن الجنة حضرت إليهم. وذهب الشبان المهووسون بثواب الآخرة الى القتال في جبال أفغانستان وسهوبها، فحصدهم الرصاص. ومن بقي منهم في قيد الحياة عاد الى البلدان العربية وهو يحمل معه أفكارا وتكفيرا وأحقادا وضغائن.
ولد عبد الله عزام في قرية «سيلة الحارثية» التابعة لقضاء جنين بفلسطين في سنة 1941. وعاش في طفولته مأساة النكبة الفلسطينية، فكان يشاهد جموع اللاجئين وهي تتدفق في سنة 1948 على مدن الضفة الغربية وأريافها.
درس المرحلة الابتدائية في «سيلة الحارثية»، ثم تابع دراسته الثانوية في طولكرم. وبعد نيله الشهادة الثانوية عمل مدرسا في احدى قرى منطقة الكرك بجنوب الأردن. وانتقل، لاحقا، الى إحدى مدارس الضفة الغربية. وفي ما بعد، سافر الى سورية والتحق بكلية الشريعة في جامعة دمشق وتخرج فيها سنة 1966. وبعد تخرجه عاد الى مهنة التدريس. وفي هذه الأثناء كان انتسب الى جماعة الاخوان المسلمين. وبترتيب خاص بين هذه الجماعة وحركة فتح أنشئت «قواعد الشيوخ»، وهي عبارة عن ثلاث سرايا عسكرية عملت في الأردن تحت غطاء حركة فتح. وكان عبد الله عزام أميرا على قاعدة بيت المقدس التي اتخذت موقعا لها بالقرب من بلدة الرفيد. وكان من زملائه في «قواعد الشيوخ»، في أثناء عمرها القصير، محمد صالح عمر من السودان (استشهد)، وصلاح حسن (استشهد)، وعبد العزيز علي، وأبو مصعب السوري، ومهدي الادلبي الحموي (استشهد)، ومحمود البرقاوي (استشهد)، وزهير قيشو من مدينة حماه (استشهد)، ونصر عيسى وعبد الستار الزعيم من حماه، ورضوان بلعة من دمشق، ومحمد سعيد باعبّاد من اليمن. وفي منطقة الرفيد تعرف أفراد هذه السرايا الى عشيرة العبيدات ومنهم أحمد عبيدات الذي تولى، في ما بعد، رئاسة المخابرات الاردنية ثم رئاسة الحكومة في الاردن. وفي أحداث أيلول 1970 وقفت مجموعات الاخوان المسلمين على الحياد بين الجيش الاردني والفدائيين، فلم يقاتلها الجيش الاردني قط، ولم يُعتقل او يُطارد اي واحد منها البتة.
حينما سقطت الضفة الغربية في حرب حزيران 1967 كان عبد الله عزام في قرية سيلة الحارثية. وبدلا من ان يتشبث بأرضه او يرحل الى قواعد الفدائيين في الأردن، يمم شطر القاهرة والتحق بجامعة الأزهر ونال الماجستير في أصول الفقه سنة 1969. ثم عاد الى الأردن وعُيّن محاضرا في كلية الشريعة بالجامعة الاردنية سنة 1970. وبعد أحداث أيلول 1970 رحل مجددا الى القاهرة، والتحق ثانية بجامعة الأزهر وحاز الدكتوراه سنة 1973. وحينما عاد الى الأردن عين مدرسا في الجامعة. وفي الجامعة بدأ فصل جديد في حياته، فعكف على إلقاء الخطب التحريضية ضد القوى العلمانية الفلسطينية والاردنية، وراح يدعو الى الحل الاسلامي للقضية الفلسطينية. وفي أيلول 1980 فُصل من منصبه في الجامعة. وفي هذه الأثناء كانت القوات السوفياتية انتشرت في أفغانستان، وبدأت فصول «المشكلة الأفغانية»، فراح يتردد على مدينة بيشاور في الباكستان، ثم بدأ التدريس في الجامعة الاسلامية بمدينة إسلام آباد. وهناك التقى أسامة بن لادن، أول مرة، في سنة 1983 قبل ان يؤسس «مكتب خدمات المجاهدين» في مدينة بيشاور في تشرين الاول 1984، ويصدر مجلة «الجهاد» التي كانت تنقل أخبار «الجهاد» الأفغاني الى العالم الاسلامي. وعكف في هذه الفترة على استغلال موسم الحج ليتصل بالحجيج ويحرض الشبان منهم على الذهاب الى أفغانستان ليشاهدوا مباشرة كيف تحارب الملائكة الى جانب المجاهدين وتعينهم على إسقاط الطائرات السوفياتية.
تمكن عبد الله عزام من إقناع أسامة بن لادن بتمويل المجاهدين العرب وتأسيس معسكرات خاصة بهم بعدما كانوا ضيوفا متفرقين في قوات عبد رب الرسول سياف او في ميليشيات قلب الدين حكمتيار او جلال الدين حقاني. ومع ان الشيخين عملا معا بدأب وتفاهم وتنسيق تام، الا انهما افترقا في سنة 1987. فالشيخ عبد الله عزام كان يرى ان من الضروري قيام دولة اسلامية قادرة في أفغانستان، وترسيخ وجودها أولا، قبل الانطلاق الى المواقع الاخرى في الدول الاسلامية. وكان يدعو ايضا الى عدم معاداة الغرب، بينما كان أسامة بن لادن يريد تفجير القتال في عدد من المواقع في وقت واحد. وكان يرى ان ليس من الضروري انتظار قيام إمارة اسلامية مقتدرة كشرط للانصراف الى الجهاد في أماكن جديدة. وعلى هذا الخلاف افترقا. لكن في 24/11/1989 اغتيل عبد الله عزام مع ولديه محمد وابراهيم بانفجار حطم سيارته في مدينة بيشاور ومزقها شظايا، وحمدت زوجته ربّها، وشددت من عزيمة بناتها، ثم طُوي سجله بقضاء الأجل.
كان عبد الله عزام مُلتاثا جدا بالمبالغة والتهويل. ففي كتابه «حماس: حركة المقاومة الاسلامية في فلسطين» (بيشاور: مكتب خدمات المجاهدين، 1989) يقول: «عندما أعلنت حماس عن هويتها وأنها فرع من حركة الاخوان المسلمين انتفضت الدنيا كلها هلعا، وتداعت دول الكفر من كل ناحية، وبسرعة كالبرق الخاطف اجتمع المجلس الوطني الفلسطيني بإيحاء من هذه الدول وأعلن قيام الدولة الفلسطينية» (ص85). ولمزيد من الافتراء يقول في الصفحة (38): «أما العائلات التي باعت (الاراضي من اليهود) فهي ليست من أهل فلسطين بل عائلات نصرانية من لبنان مثل سرسق وتيان والمطران». ان سوء النيات واضح تماما، في هذا النص. فلماذا اكتفى، إذاً، بذكر العائلات المسيحية (النصرانية) ولم يذكر العائلات الاسلامية من عيار قباني والجزائري وسلام واليوسف وغيرها؟ والجواب، بكل بساطة، هو ان في تلافيف دماغه يكمن كره المسيحيين بلا أي مراوغة.
قصارى القول، ان لمن قبيل الغرابة والعجب حقا ان يكون عبد الله عزام، وهو الخطيب اللامع والمحرّض الألمعي، على مثل هذه الضحالة المعرفية والسذاجة الفكرية حينما يتعلق الأمر بخصومه، ولا سيما الشيوعيين. فهو يزعم في كتابه عن حركة حماس انه «في أكتوبر سنة 1917 صدر وعد لينين لليهود بوطن قومي في فلسطين» (ص23)، وأن الاجهزة الصهيونية واليهودية نظمت أبناء فلسطين أمثال إميل توما وفؤاد نصار ومحمود درويش وسميح القاسم في الحزب الشيوعي اليهودي (راكح) على يد جابوتنسكي أستاذ بيغن (ص79). هنا بالذات يمكن قياس مدى ضحالته المعرفية، فعلاقة جابوتنسكي بالحزب الشيوعي مستحيلة، تماما مثل علاقة ابليس بعبد الله عزام! أما وعد لينين لليهود بالحرية فهو جزء من الوعد الذي وجهه لينين الى جميع القوميات في الاتحاد السوفياتي، ولا صلة لهذا الشأن بفلسطين البتة. ويمكن رصد هذا الموقف من الشيوعيين استنادا الى الآراء التقليدية للاخوان المسلمين في الشيوعية، وهو بنفسه يؤكد: «ان الاسلام لا يعطي حق الحياة للشيوعي» استنادا الى الحديث الذي يقول: من بدّل دينه فاقتلوه. ولعل مصدر سذاجة عبد الله الفكرية انه يستند الى كُتّاب من طينة أحمد رائف وباروخ نادل. وأحمد رائف كاتب مصري «اخوانجي» لا علاقة له بالعلم البتة، بل انه شديد الصلة بكل ما هو مثير للأحقاد والشائعات والنميمة والافتراء. اما باروخ نادل فهو، لمن لا يذكر هذا الاسم، صاحب كتاب «حطمت الطائرات عند الفجر» الذي وضعته المخابرات الاسرائيلية بطريقة تلائم قراء الكتب البوليسية من عيار مؤلفات إيان فليمنغ.
لا معنى للوطن او للقومية او للمجتمع القومي في تفكير عبد الله عزام. الارض وليس الوطن هي المصطلح الذي يدور عليه الكلام. وهي إما دار سلام او دار حرب، دار إسلام او دار كفر، ولا نعت لها غير ذلك. لهذا لم يكن غريبا ان يدير عبد الله عزام ظهره لفلسطين ليجاهد في أرض غريبة، وليموت غريبا في أرض مثقلة بالمرارة ومسيجة بالحصار.