| 

أثار التصاعد المفاجئ للتيارات السلفية في العالم العربي وحصولها على نسب مرتفعة في الانتخابات التي جرت في مصر، عددا من الأسئلة حول الأبعاد التي يمكن أن تتخذها القضية الفلسطينية في المستقبل القريب، والتي انحصرت سابقا في الأبعاد القومية والوطنية أو الإسلامية الوطنية المعتدلة (الوسطية). ويعتقد كثير من المراقبين المتابعين للشأن السياسي العربي أن العالم العربي صار أمام حقبة جديدة سيمثل الإسلام السياسي فيها اللاعب الرئيسي الذي لا يمكن بأي بحال من الأحوال أن يقفز عن التيارات الإسلامية التي تنتمي إلى ما بات يعرف بالتيارات السلفية الجهادية التي لا تبتعد عن فكر القاعدة والجهاد العالمي. وكانت التيارات الإسلامية السلفية الجهادية في فلسطين أعلنت هي الأخرى عن فرحتها لسقوط حكم عدد من «الطغاة» في العالم العربي، ما يفتح أمامهم مجالا للعب دور مستقبلي فعال يمكن أن يساعدهم – بحسب رؤيتهم - في تطبيق أفكارهم وإعلان إقامة دولة الإسلام وفق منهج الخلافة.
يقول أبو محمد التميمي، أحد قادة جيش الأمة السلفي الجهادي الذي ينشط في الأراضي الفلسطينية (قطاع غزة)، إن الأحزاب والحركات الإسلامية السابقة قزمت القضية الفلسطينية وجعلتها قضية جمع أموال من العالم الإسلامي.
ويضيف: إن التيارات السلفية تنظر إلى القضية الفلسطينية على أنها قضية تستوجب شد الرحال إلى فلسطين والجهاد بالمال والنفس واللسان باعتباره فرض عين على كل مسلم ومسلمة، لأن اليهود يحتلون بيت المقدس، قبلة المسلمين الأولى، التي ستعود منها دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة لقول الرسول: «إذا ظهرت الخلافة في بيت المقدس فانتظروا الزلازل والبلابل». وهو يرى أن «الحكومات العربية بدأت بشكل قومي ثم وطني وإسلامي وطني. إلا أن التيارات الإسلامية تنظر إلى قضية فلسطين على أساس أنها قضية إسلامية بحتة تخص العالم الإسلامي بأكمله، باعتبارها أولى أوليات قضايا الأمة، خاصة أن لفلسطين ارتباطا عقائديا يربط المسلمين كلهم بقضية بيت المقدس». ومع أن التميمي لا ينكر أن حركات الإسلام الوطني- إن جاز التعبير- مثل «حماس»، لا تختلف كثيرا في هذا الأمر إلا أن التطبيق يختلف تماما، مؤكدا أن «التيارات السلفية الجهادية ستقاتل من أي مكان في العالم العربي من دون البحث عن رضى هذه الحكومة أو تلك كما يجري الآن لدى الأحزاب الإسلامية غير السلفية».
ساهم الربيع العربي في بروز الدور السياسي للتيارات السلفية وحصولها على كثير من الفرص لترويج أفكارها ورؤيتها، إلا أنها عاتبة على تلك الثورات «لأنها لم تنجب دولة إسلامية كبديل من الحكومات العربية الطاغوتية الكافرة»، كما يقول التميمي. وتعهد التميمي بالخروج على هذه الحكومات «لأنها لا تطبق شرع الله». وقال: لو أن أبو بكر الصديق، وهو أتقى هذه الأمة، كان على رأس هذه الحكومات ولم يطبق شرع الله سنخرج عليه بإذن الله لأن الله تعالى يقول إن الحكم لله.
وتابع: هذه الحكومات هي حكومات كافرة ظالمة سلبت الأمة إرادتها ومقوماتها وباعتها للغرب الكافر بأبخس الأثمان.

النشأة والتطور
تشهد الأراضي الفلسطينية بروزا متمادياً للتيارات السلفية بشقيها الدعوي الذي لا يؤمن بالعنف والجهادي الذي يؤمن بالجهاد طريقا لإعلان دولة الخلافة. وتعتبر أحزاب مثل أنصار السنة والتوحيد والجهاد وجيش الإسلام، إلى جانب جيش الأمة أهم فصائل السلفية الجهادية في الأراضي الفلسطينية. وينظر المتابعون للشأن السياسي الفلسطيني إلى الجماعات السلفية الناشئة بشك، ويختلفون بشأن ما إذا كانت تزداد قوة أم لا، مؤكدين أنها لا تشكل حتى الآن البديل من الأحزاب والحركات الإسلامية مثل حماس والجهاد الإسلامي. ولا تعتبر هذه الجماعات نفسها جزءا من النظام السياسي الفلسطيني، بل جزءا من منظومة دينية أكبر تشمل العالم الإسلامي وتتباهى بالعلاقة مع الجهاد العالمي والقاعدة. والحركة السلفية في الأراضي الفلسطينية تنكر كونها أحزابا أو قوى سياسية أو مجتمعية، مؤكدة أنها تمثل منهج من التزم به، فهو سلفي أكان معهم في تجمعاتهم أو لم يكن.
يقول التميمي في هذا الشأن إن عناصر الحركة السلفية موجودون في الأراضي الفلسطينية بالآلاف، إلا انه تتم محاربتهم من عدة جهات أولها الاحتلال والحكومات في الضفة والقطاع والتيارات العلمانية واليسارية.
وتقول التيارات السلفية إن السلف يعني النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والصحابة والقرون الخيرة، أي أجيال الصحابة والتابعين وتابعي التابعين.
وترفض المجموعات السلفية تسميتها حركات أو أحزاباً، وتقول إنها تقوم على قاعدتين أساسيتين، أولهما اتباع الدليل الشرعي، وثانيهما الالتزام بمنهج السلف في التعامل مع الدليل.
ويشير قادة السلفية إلى أن الدعوة السلفية في فلسطين موجودة منذ جاء الصحابة إلى هنا، لأنهم جاءوا بالدعوة إلى فلسطين، إلا أن المجموعات السلفية الحديثة ظهرت في بداية ثمانينيات القرن الماضي في قطاع غزة على أيدي عدد من الطلبة والمدرسين الذين تلقوا تعليمهم في السعودية ودول الخليج، وعندما عادوا إلى غزة اختاروا مواصلة الدعوة التي حملوها من علماء كبار هناك.
وبقي نشاط السلفيين في غزة ضعيفا في بداية عملهم، إلا أنهم ازدادوا واتسع عملهم مع عودة السلطة الوطنية التي أعطت التراخيص لبعض الجمعيات التي أقاموها لنشر الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالوسائل السلمية.
ومع تنامي الظاهرة، انتقلت إلى كافة أنحاء فلسطين، خاصة الضفة الغربية، إلا أن العمل السري ما زال يغلب على نشاطهم وعملهم بين الناس، فيما يقول التميمي «لو أتيحت لنا الفرصة لتنظيم نشاط معين بسهولة لوجدت الآلاف من المشاركين الذين يؤمنون بأفكار وتعاليم المنهج السلفي».
ويؤمن جيش الأمة، مثل الجماعات السلفية الجهادية، بالعمل في اتجاهين متوازيين: الدعوة العامة بجميع وسائلها وأساليبها، والبناء الداخلي بجميع مجالاته مع التزام السرية في جميع الأطر والقواعد والمؤسسات.

الانتخابات حرام شرعا!
كان أبو عبد الله الغزاوي، أحد القادة البارزين في جيش الأمة، يقول إن «جيش الأمة نفذ كثيرا من الأعمال العسكرية التي لم يعلن عنها لظروف خاصة ولحساسية الوضع أو الأشخاص المرتبطين به»، نافيا وجود شق عسكري وسياسي في جيش الأمة.
ولا تختلف المجموعات السلفية كثيرا عما يذهب إليه جيش الأمة من توصيف لمكانة فلسطين في وجهة نظرهم، حيث أكد أبو حمزة أسعد، أحد كوادر الحركات السلفية في قطاع غزة، والمقرب من جيش الإسلام، أن «قضية فلسطين هي قضية عقائدية أكثر منها سياسية». وقال: إسرائيل دولة توراتية. ولماذا لا يكون موقفنا إسلاميا؟ لافتا إلى أن فلسطين أرض وقف إسلامي لا يجوز لأحد كان أن يفرط بها. وأكد انه لا يحارب «الاحتلال اليهودي» لفلسطين ليحضر احتلالا آخر بأسماء عربية، منتقدا بعض الحركات السلفية التي تستغل الدين لمصالحها الانتخابية. ويذهب بعيدا من ذلك إلى اتهام «حماس» بالكفر «لأنها لا تحكم بما أنزل الله وتقتل وتعتقل المسلمين»، مؤكدا أن «حماس» تنظيم سياسي له أهداف وتطلعات سياسية تتمثل في السيطرة على الحكم. وانتقد «حماس» لقبولها مبدأ الانتخابات التي هي «حرام شرعاً»، ولأنها تحل محل الشورى.

«إمارة» إسلامية
أما عدنان أبو عامر، أستاذ القضية الفلسطينية في جامعة الأمة في غزة، فيقول: إن «حماس» أعلنت أكثر من مرة، أنها ليست حزبا دينيا إسلاميا على غرار جماعة الإخوان المسلمين أو حزب التحرير، بل هي «حركة تحرر وطني»، وبالتالي، فلم تتصرف في السلطة على نحو يوحي بأنها تحمل مشروعا «ثيوقراطيا»، ولم تصدر قائمة المحظورات التقليدية مثل منع الأحزاب العلمانية واليسارية، ولم تقم بتطبيق الشريعة الإسلامية، ولم تفرض الحجاب بالقوة على الفلسطينيات، ولم تغلق محال الترفيه التي يؤمها غير المنتمين لفكرها الإسلامي. ورأى أن هذه السلوكيات تتفق مع إعلان «حماس» أنها حركة معتدلة، وذات منهج مختلف عن التنظيمات السلفية. وقد خلا الأداء الميداني والسلوك الاجتماعي لحركة حماس وحكومتها من أي إشارة للدولة الإسلامية، أو تطبيق للشريعة.
أما «السلفية الجهادية، بحسب أبو عامر، فهي تقسم البشرية على أساس ديني، ولا تكتفي بالتقسيم التقليدي للبشر إلى مسلمين وكفار إنما توسّع معنى الكُـفر أو الشّرك، وتقدّم تعريفا ضيّقا للإسلام يؤدّي إلى إخراج جزء كبير من المسلمين من حظيرته». وهي «تقدّم في الوقت نفسه الصيغة الأكثر جذرية لتسييس الدِّين، فتتعامل به كأيديولوجية صدامية لا تقف عند هدف استعادة النظام السياسي الإسلامي، وإنما تتجاوزه إلى الجهاد ضدّ ما تُسمّيه بالطاغوت والجاهلية في كل مكان من الكرة الأرضية، وإلى العمل على إقامة دولة خلافة عالمية، أي حكم الإسلام للعالم كله».

الخلاف مع «حماس»
يشير عدنان أبو عامر إلى أن السلفيين انتقدوا حركة حماس، لأنها لم تعلن قيام الإمارة الإسلامية بعد السيطرة على قطاع غزة، ما يعتبر تقصيراً في إكمال أداء الواجب الشرعي الذي كلف الله به المجاهدين. وأكد أن البدايات الأولى للخلاف الفكري والفقهي بين «حماس» والسلفيين، فيما يتعلق بمسألة إقامة الدولة الإسلامية وتطبيق الشريعة وصل إلى حد وصف فيه «أيمن الظواهري» حركة حماس، بأنها لحقت بركب السادات». ويلخص أبو عامر أبرز انتقادات السلفيين الجهاديين في فلسطين لسلوك «حماس» السياسي في انتقاد انخراطها بالعملية السياسية في ظل دستور «وضعي علماني»، وعلى أساس اتفاقيات أوسلو، التي «تخلت عن أكثر من ثلاثة أرباع أرض فلسطين لليهود»، إلى جانب اتهامها بالاعتراف الضمني بإسرائيل حين اعترف بشرعية السلطة الفلسطينية، وبشرعية رئيسها «العلماني المرتد عميل اليهود المخلص». كما ينتقد السلفيون «حماس» لاحترامها القرارات الدولية الصادرة عن منظمة الأمم المتحدة، باعتبار أن مجرد اعترافها بهذه المنظمة يشكل «إقرارا بقانونهم الوضعي، وبدولة إسرائيل العضو فيها».

*صحافي فلسطيني مقيم في غزة.