| 

يبدو أن الحركة الوطنية والإسلامية في فلسطين، مقبلة على تغيرات استراتيجية، ارتباطا بزمن الربيع العربي الذي يقترن بالنسبة إلى للجماعات الإسلامية، بشتاء إسلامي، كما درج رئيس الحكومة المقالة في غزة إسماعيل هنية، على القول مؤخرا. فإذا كانت الحركة الوطنية والإسلامية الفلسطينية قد استمدت استراتيجياتها لإنجاز التحرر الوطني، انطلاقا من الربط الجدلي بين الانتماء والهوية الوطنية، وبين الانتماء الأصيل للأمة العربية، باعتبار أن الخصوصية الوطنية، إحدى مكونات الهوية العربية، فإن الحركات الإسلامية ترى ما هو أبعد من ذلك، إذ يتواصل الانتماء الوطني إلى بعديه العربي والإسلامي. إذا كانت هذه هي الحال، فإن المتغيرات العاصفة التي تهب رياحها على المنطقة العربية، من شأنها أن تترك آثارها بوضوح على البرامج السياسية والخيارات، وتوازنات القوى الفلسطينية، ومستقبل تطورها وفعلها.
لم يكن الربيع العربي هو الوحيد، الذي ترك آثاره على الاستراتيجيات الفلسطينية، بل كان لمرحلة أوسلو أيضا، بموجباتها والتزاماتها وآليات فعلها، دور أسبق في التأثير عميقا في برامج القوى السياسية الفلسطينية بمختلف أطيافها من دون أن تستقر الأمور على نحو معين يتسم بالثبات والاستمرار.
معلوم أن حركتي حماس والجهاد الإسلامي، وهما الفصيلان الأبرز في الساحة الفلسطينية اللذان يعتنقان الفكر الإسلامي؛ الأولى كجزء لا يتجزأ من حركة الإخوان المسلمين العالمية، والثانية كجزء من الحركة الوطنية الإسلامية لا يربطها رابط تنظيمي بالحركات الإسلامية خارج فلسطين.
وإذا كانت حركة الجهاد الإسلامي قد نأت بنفسها عن الاصطدام بمنظمة التحرير الفلسطينية أو التفكير في منافستها على التمثيل الفلسطيني أو المزاحمة على قيادة الحركة الوطنية الإسلامية، فإن حركة حماس قد قدمت نفسها منذ البداية، كبديل من منظمة التحرير التي تصفها بالعلمانية، وترفض القبول ببرنامجها السياسي، الذي ينص على حق العودة وتقرير المصير وإقامة الدولة الفلسطينية على الأراض المحلتة منذ عام 1967، كما رفضت اتفاقيات أوسلو، ونهج المفاوضات، وأكدت دائماً على التزامها المقاومة كسبيل وحيد لتحرير فلسطين من النهر إلى البحر.
خلال الانتفاضة الشعبية الكبرى التي اندلعت في فلسطين في 18/2/1987، واستمرت لبضع سنوات، رفضت حركة حماس الانخراط في القيادة الوطنية الموحدة التي تضم فصائل منظمة التحرير، واستحدثت مرجعية وطنية إسلامية خاصة بها، وانفردت بالكثير من النشاطات الكفاحية من خارج إطار برامج القيادة الوطنية الموحدة.

قضايا الخلاف
يمكن أن نسجل القضايا المحورية التي اختلفت فيها حركة حماس مع منظمة التحرير وفصائلها حتى عام 2000، وهو عام اندلاع انتفاضة الأقصى، على النحو التالي:
أولا: فيما تبنت منظمة التحرير البرنامج المرحلي الذي ينص على حق العودة وتقرير المصير وإقامة الدولة وعاصمتها القدس على الأراضي المحتلة عام 1967، وتبنت ما عرف باستراتيجية السلام وخيار التفاوض، تمسكت حركتا حماس والجهاد الإسلامي ببرنامج تحرير كامل التراب الوطني الفلسطيني، وبالمقاومة سبيلا وحيدا لتحريرها.
ثانيا: ترفض حركتا حماس والجهاد الإسلامي اعتبار منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، وترفضان هويتها وطبيعتها الديموقراطية العلمانية، وقد حافظتا دائما على مسافة تفصلهما عن المنظمة. وحتى وقت قريب، حافظت الحركتان على عدم الانخراط في فضاء العمل السياسي الفلسطيني، باعتبارهما حركتي مقاومة إسلاميتين، ترفضان التعامل مع أوسلو ومخرجاته، وترفضان رفضا قاطعا الاعتراف بإسرائيل أو بحقها في الوجود، بالإضافة إلى رفضهما الشروط التي طرحتها الولايات المتحدة وقبلت بها قيادة المنظمة، لإطلاق الحوار الأميركي الفلسطيني، وكانت تقضي بنبذ الإرهاب، وتغيير الميثاق الوطني الفلسطيني. هكذا يمكن أن نرى التمايز في تحديد مفهوم الهوية الوطنية، من حيث المضامين والأبعاد بين الحركات الإسلامية، ومنظمة التحرير وفصائلها.
يقول الدكتور أحمد يوسف، وكان وكيلا لوزارة الشؤون الخارجية في حكومة «حماس»، ومستشارا لرئيسها قبل أن يتقاعد، في كراس أصدره بعنوان «استراتيجية حماس»، إن الحركة «انبثقت من رحم الإخوان المسلمين، وهي تمثل مشروعا دعويا وجهاديا للنهوض بالحالة الفلسطينية وتعزيز قدرتها في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي والتصدي له، كما أنها تعمل على تحريك الأمتين العربية والإسلامية لدعم الشعب الفلسطيني في تحرير أرضه ونيل استقلاله». ويعترف يوسف بأن «حركة حماس لم تول العمل السياسي اهتماما كبيرا عند انطلاقتها، باعتبار أننا شعب تحت الاحتلال، وأن السلطة في رام الله إنما هي مجرد آلية لإدارة الحياة المدنية وفق مرئيات دولة الاحتلال».
على هذا الأساس، وربما أيضا انطلاقا من ميزان القوى الداخلي الذي كان يميل بشكل واضح لمصلحة المنظمة وفصائلها، فقد رفضت حركتا حماس والجهاد الإسلامي، الانخراط في «سلطة أوسلو»، أو في المؤسسات الوطنية الأخرى الجامعة، كما رفضتا المشاركة في الانتخابات، ثم بقيت رؤية «الجهاد» على حالها إزاء الانخراط في السلطة، وإزاء الانتخابات.
خلال هذه الفترة، اجتهدت حركة حماس في توسيع شبكاتها الاجتماعية، وتوسيع قاعدتها الشعبية، عبر المساجد والجمعيات الأهلية الخيرية والتعليمية.
على أن الظروف تغيرت حين جرت الانتخابات التشريعية عام 2006، وهي المؤشر الأساسي الواضح نحو انتقال حركة حماس إلى دائرة الفعل السياسي العام، حيث كانت الحركة قد حققت توسعا كبيرا في شعبيتها، ولا سيما بعد أن قرر شارون إخلاء قطاع غزة من المستوطنات والوجود الإسرائيلي العسكري والمدني، وبدا كأن الحركة تقدم نفسها باعتبارها رائدة «تحرير قطاع غزة»، أو باعتبارها المنقذ للفلسطينيين من «سلطة أوسلو» التي أوغلت في التنازلات، ونخرها الفساد المالي والإداري، وفشلت في حماية الأمن الداخلي.
إن البرنامج الانتخابي الذي طرحته «حماس» عام 2006، بعنوان «التغيير والإصلاح»، خطف من فصائل منظمة التحرير الفلسطينية برنامجها الكفاحي، وبرنامجها الديموقراطي، لكن ما جاء بعد ذلك في إطار الممارسة، حقق الشق الأول من برنامجها الانتخابي، أي التغيير، وأخفق في الشق الثاني وهو الإصلاح، حيث وقع الانقسام الخطير في حزيران 2007، وباتت «حماس» تفرض سيطرتها بالقوة على قطاع غزة، وباتت «فتح» على الضفة الغربية. وقبل انخراطها في الانتخابات التشريعية عام 2006، كانت حركة حماس على لسان مؤسسها الشيخ أحمد ياسين، قد أبدت استعدادا للقبول ببرنامج منظمة التحرير بشأن الدولة والعودة، ولكن من دون قيد أو شرط، ومن دون الاعتراف بإسرائيل، والأساس من دون أن تتبنى في استراتيجيتها هذا البرنامج، كأهداف أصيلة.
وفي حينه طرحت آلياتها لتحقيق هذا الهدف، من خلال عرضها على الاحتلال هدنة طويلة، مقابل قيام الدولة بعاصمتها القدس، وتحقيق عودة اللاجئين، وكان من الطبيعي أن ترفض إسرائيل التعاطي مع تلك الفكرة.

التحولات الجديدة
في الحكومة العاشرة التي شكلتها حركة حماس بعد الانتخابات التشريعية عام 2006، باعتبارها صاحبة الكتلة البرلمانية الأكبر في المجلس التشريعي، تعاطت حركة حماس مع الشأن السياسي عبر برنامجها الحكومي، حيث فوضت الرئيس محمود عباس العمل السياسي وفق برنامجه الذي تتعارض معه، وأبدت استعدادا لاحترام الالتزامات والاتفاقيات التي وقعتها المنظمة، من غير الموافقة على تبنيها أو الالتزام بها، وكانت تلك نقلة أخرى في التحول السياسي لحركة حماس.
قبل وقوع الانقسام عام 2007، وسيطرة «حماس» على السلطة في قطاع غزة، كانت الحركة قد التزمت خط التهدئة مع الاحتلال، وظلت على هذه الحال إلى أن وافق رئيس مكتبها السياسي خالد مشعل خلال لقائه الرئيس عباس في القاهرة في كانون الأول/ ديسمبر 2011، على اعتماد استراتيجية المقاومة الشعبية، وكان ذلك مؤشرا آخر، سبقته موافقة مشعل العلنية على منح السلام فرصة، خلال كلمته في احتفال المصالحة في أيار/ مايو من العام ذاته. إذن يمكن استعراض التحولات السياسية، وهي لا تزال جارية في الخطاب السياسي لحركة حماس، على النحو التالي:
أولا: من رفض الاعتراف بأوسلو، إلى الانخراط في الانتخابات، وتسلم السلطة في قطاع غزة، وذلك على أرضية أوسلو.
ثانيا: إعطاء إشارات نحو تغيير الموقف من مبدأ المفاوضات، والقبول بفكرة عملية السلام، ولكن من منظور آخر، وبشروط أخرى وأدوات تفاوضية مختلفة أكثر موثوقية، وعلى أساس البرنامج المرحلي لمنظمة التحرير الذي يقول بالدولة والعودة.
ثالثا: القبول بفكرة التخلي عن المقاومة المسلحة كأسلوب وحيد لتحرير فلسطين. من دون التنازل عن هذا الحق. وقد مارست حركة حماس على الأرض التزامها التهدئة، وقبولها لاحقاً بأولوية المقاومة الشعبية.
رابعا: إن قبول حركتي حماس والجهاد الإسلامي - مع الفارق في الدوافع - الانخراط في الهيئة القيادية المؤقتة لمنظمة التحرير الفلسطينية، يعفي الحركة من شرط اللجنة الرباعية الذي يتعلق باعترافها بإسرائيل، فما دامت المنظمة قد اعترفت بحق إسرائيل في الوجود، فلم يكن مطلوبا من فصائلها أن تكرر ما اعترفت به المنظمة.
خامسا: إن استعداد الحركتين، «حماس» و«الجهاد»، للقبول بآليات الانخراط في مؤسسات النظام السياسي الفلسطيني، وأساسا المنظمة، وتالياً السلطة يعني الاستعداد لخوض عملية التنافس الداخلي على القرار والمؤسسة، من داخل النظام السياسي وليس من خارجه، وليس بموازاته. هكذا يمكن النظر إلى المصالحة الفلسطينية المتعثرة، على أنها عملية طويلة تنطوي على عملية تكيف وتدرج، وتحولات قد لا تكون طبيعية بقياسات الزمن.
هكذا يبدو أن علينا التعمق أكثر في بحث أسباب تعثر المصالحة، من دون أن نغفل عامل الاحتلال، وتأثير جماعات رفض المصالحة، ومن خلال رؤية واضحة لأولوية البرامج والمصالح الفصائلية.
فالربيع العربي، الذي يحمل الإخوان المسلمين إلى سلطة القرار في النظام العربي الرسمي، على الأقل حيث وقع التغيير حتى الآن، يشير إلى أن المستقبل العربي يحمل للقضية الفلسطينية وعودا كبيرة، ويترك لدى الإسرائيليين قلقا كبيرا ومتزايدا، وبغض النظر عن ماهية السياسة العربية الرسمية في المرحلة المقبلة، فإن عمليات التغيير التي وقعت قد وفرت شرطا ضامنا إلى حد ما، بأن الجماهير العربية قد تجاوزت حاجز الخوف وهي تلح على حماية دورها وحقوقها في القرار والخيار.
أما بالنسبة إلى حركة حماس، فإن الربيع العربي والشتاء الإسلامي يحمل لها وعدا أقوى وأكبر، الأمر الذي يولد رؤى متضاربة، حيث يرى فريق إن ذلك مدعاة للتروي وعدم تقديم تنازلات على طاولة المصالحة الفلسطينية، وإن الأيام المقبلة ستحمل لحركة حماس عوامل تساعدها على تجاوز الحصار والحصول على الشرعية والحماية. فيما يرى فريق آخر أنه إذا كان ذلك صحيحا، فإنه يتطلب من «حماس» المشاركة في إعادة صوغ النظام السياسي الفلسطيني وآليات التنافس، بما يمكنها لاحقا من السيطرة على المؤسسة والقرار، ووراثة التمثيل والشرعية اللذين تحظى بهما منظمة التحرير حتى الآن.

كاتب فلسطيني مقيم في غزة.