| 

بدأت عملية تشكيل هوية ثقافية للفلسطينيين مع تشكيل منظمة التحرير الفلسطينية وقيام المؤسسات الرسمية والشعبية التي، على الرغم من ضعفها، ساهمت مساهمة فاعلة في تثبيت الهوية الفلسطينية، ولم يغير قيام السلطة الفلسطينية من هذه الحقيقة، بل تدهور الأمر خلال سنوات إلى الحد الذي تمزقت فيه هذه الهوية إلى هويات جزئية. ومع صعود حركة «حماس» طرحت إشكالية أخرى تتعلق بالمكون الإسلامي للهوية الفلسطينية وإبرازه على حساب المكونات الأخرى، وهو ما يعني أن الهوية الفلسطينية لا تزال أبعد عن النضج والاكتمال.
كان لفشل السلطة الوطنية أثر في ذلك لأسباب خارجية، أهمها ممارسات الاحتلال وقوى العولمة الحليفة. فالمتابع للسياسة الإسرائيلية في حربها ضد الشعب الفلسطيني، يلمس أنها تعمل على جبهتين: عسكرية لاحتلال الأرض وسياسية ثقافية لهزم ذاكرة الإنسان الفلسطيني وتشويه تاريخ القضية، ليصبح الشعب الفلسطيني شعباً بلا تاريخ وبالتالي بلا هوية. إن الفساد وسوء الإدارة والتعسف في استخدام السلطة والفردية وعجزها عن ترسيخ قيم الديموقراطية والمواطنة وسيادة القانون ذلك كله أدى إلى زعزعة شعور المواطن بالانتماء إلى الوطن والشعب، وتعززت حالة العجز والتدهور وسيادة ثقافة التعصب والتطرف والعنف في التفكير والممارسة؛ لتصبح ثقافة العنف تسم طبع العلاقات السياسية والاجتماعية التي رسخت بشكل غير مسبوق خلال الانتفاضة الثانية، حيث انتشرت ظواهر النزاعات القبلية والعشائرية المسلحة والفئوية، حتى ان الأطر الحزبية المتداخلة مع الأطر القبلية والعائلية نفسها ساهمت في شيوع العنف والسلاح، وأصبحت لهذه الأطر سلطتها المنفصلة عن إطار السلطة الوطنية، ما أضعف السلطة وأوجد ازدواجية في السلطات، تكرست حتى بعد إجراء الانتخابات التشريعية التي كان من المفترض أن تعيد إصلاح النظام السياسي وتعزيز الشراكة في التصدي لمخططات الاحتلال من ناحية، وبناء المجتمع الديموقراطي من ناحية أخرى.

نموذج حركة حماس
لا يختلف اثنان على أن الظاهرة المسماة المد الأصولي أو الإسلام السياسي هي من قضايا الساعة، حيث تفرض نفسها بأشكال متفاوتة الحدة ما بين بلد وآخر، وتأخذ تعبيرات وتمارس سلوكيات، قد تختلف في تمظهراتها الخارجية، لكنها تتفق في جوهرها وفي مرجعيتها العقلية والعقائدية التي تنهل منها أو أنها تدّعي ذلك. ولكن التجربة والممارسة هما المعيار الحقيقي لاختبار هذه الحركات، إذ باتت الحياة تقدم لنا مجموعة من التجارب التي تتراوح بين تجربة الحكم في السودان وبين النموذج الإيراني أو نموذج حكم طالبان والنموذجين التركي والماليزي. وما بين جميع هذه النماذج صار المجتمع العربي مقبلاً على تجارب جديدة في ظل صعود تيارات الإسلام السياسي إلى الحكم في بعض الدول العربية التي نجحت فيها هذه التيارات عبر انتخابات ديموقراطية.
منذ نشأتها، سعت حركة حماس جاهدة لفرض النفوذ في داخل المجتمع الفلسطيني ومؤسساته، بدءا من النقابات ومجالس الطلبة والمعلمين والمهندسين والأطباء والمحاسبين... الخ. كما أن لديها مجلات وصحفاً دورية تعمل، بالإضافة إلى توظيف كالإنترنت مثلا، لزيادة نطاق حركة الاستقطاب بين فئة الشبان والشابات وطلبة الجامعات. ثم إنها عملت على التأثير في المجتمع من خلال الخدمات التي تقدمها جمعياتها مثل كفالة الأيتام وأسر الشهداء وتوزيع المعونات ولجان الزكاة، أو العمل على تخريج كادرات شابة لقيادة العمل الثقافي الإسلامي والتعبوي في المساجد وغيرها، واهتمت أيضاً بدورات في أحكام الترتيل والحفظ والخط والفنون الإسلامية وإقامة المهرجانات، إلى جانب العمل المسلح في مواجهة الاحتلال، الأمر الذي أعطاها نفوذا واسعا وطاقة هائلة على ترسيخ الجذور في المجتمع. وفي تلك الفترة قدمت حركة حماس نموذجا ايجابيا صاعدا لدرجة أنها اعتبرت درة الحركة الإسلامية.
التكفير السياسي
منذ قيام السلطة الوطنية، عززت «حماس» خطابها السياسي والأيديولوجي الذي قام على اعتبار السلطة خارجة على الإجماع الوطني، حتى أنها كفرت المشاركة في الانتخابات التشريعية الأولى، بل اعتبرت المفاوضات ونهج التسوية أموراً تندرج في إطار الخيانة وأحيانا الخروج على الإسلام، مقسمة المجتمع الفلسطيني إلى عالم الكفر واللا وطنية وهذا هو عالم السلطة ومن يدور في فلكها من علمانيين ومساومين ومستسلمين، وعالم الإيمان والوطنية التي لا تشوبها شائبة وهذا هو عالم «حماس» ومن يدور في فلكها. كان لسوء الأداء وانتشار الفساد في داخل مؤسسات السلطة معيناً لها.
على ما يبدو فإن دعوات الخير المطلق والشر المطلق تلقى استجابة واسعة في البلدان التي فشلت في بلورة الضمير المدني لدى مواطنيها. إضافة إلى ذلك استخدمت «حماس» شعار «الإسلام هو الحل» كشعار للتجييش والتعبئة طوال مراحل صعودها، وحتى عند سيطرتها على قطاع غزة تنكرت لتراث الحركة الوطنية ورموزها، على الرغم من أن المشروع الإسلامي ما فتئ الوعي به يتأرجح حتى اليوم بين الفكرة الشمولية والفكرة الليبرالية، وبالتالي فإن مقولة «الإسلام هو الحل» لا تعدو أن تكون هي الأخرى فرضية تحتاج إلى نظر.

الإيديولوجيا الخطرة

أدى فوز حركة حماس في الانتخابات التشريعية الثانية إلى نتائج وآثار ملموسة ومباشرة، كان أخطرها استخدام الجانب الأيديولوجي في الصراع، الأمر الذي فتح الصراع الفكري والسياسي على مصراعيه في شأن علاقة الديني بالسياسي، أو بتعبير آخر إشكالية العلمانية والأصولية. وقد توج هذا الصراع، والصراع على السلطة والصلاحيات، بحسم عسكري سيطرت من خلاله الحركة على قطاع غزة، وسبقته تعبئة لعناصرها بتكفير العلمانيين أو تخوين بعض أقطاب الحركة الوطنية، الأمر الذي ترجم نفسه في أعمال قتل وعنف غير مسبوق في المجتمع الفلسطيني، ألقى بظلاله القاتمة على الحقوق والحريات. فقد شهدت الأعوام الأخيرة تدهورا خطيرا في قيم التسامح والديموقراطية وحقوق الإنسان، وتعززت بدلا منها قيم فئوية وتعصبية وعنفية ظهرت في صورة انتهاكات خطيرة للحريات الشخصية والعامة، لمعظم التشريعات الدولية والقوانين التي أصدرتها السلطة الوطنية، والتي تنظم وتحمي حقوق الإنسان وحرياته. فالأعوام منذ عام 2007 وحتى اليوم كانت الأسوأ في شأن حقوق الإنسان، والحريات العامة. فأخطر هذه الانتهاكات ارتكبت خلال عمليات الاقتتال الداخلي والصراع على السلطة بين «فتح» و«حماس»، وبمعزل عن العراقيل والصعوبات التي واجهت حركة حماس في الحكم، الداخلية والخارجية منها.

الانتهاكات المروّعة
منذ أن سيطرت «حماس» على السلطة في غزة حاولت ولا تزال وبشكل حثيث إعادة صوغ المجتمع على أسس جديدة وفق رؤيتها.
وقد سجلت المنظمات الحقوقية الفلسطينية سلسلة واسعة من الانتهاكات التي اقترفتها حكومة «حماس» بحق الحريات، كان أبرزها الانتهاكات التي مست الصحافيين، والتي شملت الاعتداء عليهم واستدعاءهم وتقييد حرية عملهم والاعتداء على بعضهم بالضرب ومصادرة المواد الإعلامية واقتحام المكاتب الإعلامية والمنع من التغطية الصحافية. وقد تسببت مضايقات أجهزة الأمن في قطاع غزة، التي استهدفت الصحافيين، في شل حرية التعبير لدى معظم العاملين في وسائل الإعلام والمثقفين. وعلى صعيد متصل، منعت الحكومة بغزة إدخال الصحف اليومية إلى القطاع، وقامت بمنع فرق «الراب» من الغناء، ومنع مشاركة شبان من قطاع غزة في مسابقة للغناء كانت تقيمها فضائية «ميكس» التابعة لشبكة «معا» الإخبارية. وخلال سيطرتها على القطاع، فضت عددا من الفعاليات الثقافية والتجمعات السلمية بدعوى عدم الحصول على ترخيص، مع أن القانون الفلسطيني لا يشترط الترخيص قبل عقد الفعاليات. كما أنها مارست رقابة على الأفلام، وقامت أجهزتها الأمنية بمصادرة بعض الروايات الأدبية. وتحت شعار الحفاظ على القيم الدينية مارست «حماس» الرقابة ونجحت في منع كل ما اعتبرته لا يتلاءم مع «عادات وتقاليد المجتمع الفلسطيني والقيم الدينية»، أي بعبارة أخرى منعت كل ما لا يتماشى مع رؤيتها الأيديولوجية، تحت ذريعة الفضيلة.

المرأة المبرقعة
واستمرت حكومة «حماس» في انتهاك الحريات الشخصية، وكان لذلك أثر شديد القسوة في المجتمع الفلسطيني. وكان للمرأة الفلسطينية النصيب الأكبر من تأنيث المدارس وفرض الزي والحجاب وفرض قيود على حرية المرأة. فقد شرعت حركة حماس في تطبيق حملة «الفضيلة» في القطاع، وعمل القائمون على الحملة على استصدار قرارات عديدة مست الحريات الشخصية والعامة، كان أبرزها لائحة الآداب العامة التي أقرها مجلس الوزراء لحكومة غزة في جلسته المنعقدة في 9/6/2009، حيث تبعتها حملات سميت بحملات نشر الفضيلة وتركزت على فرض الحجاب في المدارس الحكومية وفي المحاكم، ومنع النساء من تدخين النرجيلة في الأماكن العامة، وركوب الدرجات، ومنع عمل الحلاقين في تصفيف شعر النساء، ومنع الاحتفال بعيد الحب، ومنع الاختلاط في الأماكن العامة، واشتراط الحصول على ترخيص مسبق قبل أي فعالية حتى في الصالات المغلقة، وإغلاق عدد كبير من الجمعيات الأهلية، ومنع عرض الملابس الداخلية على واجهات المحال التجارية، ومتابعة المصطفين على شاطئ البحر لضمان تقيدهم بالعادات الإسلامية. ووصل الأمر إلى منع وزير التربية والتعليم في حكومة حماس 7 طلاب من السفر إلى الولايات المتحدة الأميركية ضمن برنامج التبادل الدراسي الذي تشرف عليه وزارة الخارجية الأميركية، لأسباب «ثقافية واجتماعية».
في هذا السياق سجلت المنظمات الحقوقية على أجهزة الأمن في قطاع غزة الاستمرار في عدم اتباع الإجراءات القانونية في معظم عمليات الاحتجاز والتوقيف والتفتيش والتحقيق والعرض على المحكمة، وازدادت حالات عرض المدنيين أمام محاكم عسكرية، فضلا عن حالات منع مواطنين من السفر على معبري رفح وبيت حانون، وإن كان معظمها قد تم على خلفية الصراع السياسي مع «فتح». وتكررت الاستدعاءات والاعتقالات لدى جهاز الأمن الداخلي لقيادات وأعضاء حركة فتح في قطاع غزة، وناشطي الحراك الشبابي والشعبي.
قامت حكومة حماس بالاستيلاء على عدد من النوادي والاتحادات والنقابات والمراكز الثقافية، أو إغلاقها، أو التضييق عليها، أو احتوائها بطرق متعددة. كما عطلت حكومة «حماس» حق المواطنين في التجمع السلمي في أكثر من حالة، منها منع تنظيم مسيرات مؤيدة لمنظمة التحرير، ومنع إحياء ذكرى استشهاد ياسر عرفات، ومنع مسيرات لإنهاء الانقسام، ومنع إقامة مهرجانات في ذكرى النكبة، وكذلك منع الاعتصامات الاحتجاجية للقوى والمنظمات الأهلية.
أما فيما يخص الحق في تولي الوظائف العامة، فقد أقصت «حماس» عددا كبيرا من الموظفين عن وظائفهم واستبدلتهم بموظفين من حركة حماس. وفيما يخص الحق في المشاركة السياسية وتداول السلطة بشكل سلمي، فقد تراجعت أسسه وحلت آليات السيطرة في النظام الثيوقراطي، وتكرس هذا الأمر من خلال السيطرة على البلديات ومعظم النقابات وتعطيل الانتخابات فيها في ظل سعي الحكومة لإقصاء الآخرين والأصوات المعارضة لها، حتى أنها لم تشرك في حكومتها الفصائل المساندة لها في التوجهات السياسية.
يتبين لنا مما سبق أن «حماس» لم تستطع التحول من حركة مقاومة إلى سلطة قادرة على إدارة شؤون المجتمع المعاصر بأفكار عصرية، شأنها في ذلك شأن معظم الحركات السياسية الإسلامية. ولعل هذا هو ما يجعل الحركات الأصولية الإسلامية على الرغم من طابعها الجهادي التعبوي ومواقفها المعادية للاستعمار والصهيونية، قوة تراجع لا قوة تقدم، فهذا ما حدث بعد فوز حركة حماس في الانتخابات ثم الحكم، فسنوات حكمها جعلت من معظم فئات الشعب تقارن أداء حركة فتح الذي شابه الفساد والفوضى، وبين أداء حركة حماس وتفردها وقمعها للآخرين، وبالتالي إعادة إنتاج التجربة السابقة من التفرد والاستبداد وإن كان بدرجة أعلى في التعدي على الحريات الشخصية.

الاستبداد
وقعت حركة حماس خلال فترة حكمها في سلسلة من الإرباكات والتناقضات، وقد تجلّى ذلك في الخلط بين برنامج الحكومة وميثاق الحركة وأيديولوجيتها. صحيح أن عهد «حماس» اتسم بفرض القانون والنظام، لكنها فرَضته بأسلوب بوليسي قمعي، الأمر الذي أنشأ نظاما استبداديا لا تتوافر فيه مساحات كافية للحوار والخلاف في الرأي، ولا فصلا بين السلطات. فلو استعرضنا بعض الحالات في تعامل «حماس» الأمني في غزة، سنجد أن أجهزة الأمن التابعة لحكومة «حماس» تعاملت بطريقة عنيفة جدا، وقد انتهى معظمها بمقتل وجرح مدنيين، أو بالقمع التعسفي والاعتقال، مثل حالة الاعتداء على عائلتي حلس ودغمش، والتعامل مع السلفيين في مسجد ابن تيمية برفح، ومؤخراً في الاعتداء على من يعتنقون المذهب الشيعي في غزة.
على الرغم من تقديم الحكومة المقالة والحركة تبريرات لهذا القمع والاستخدام المفرط للقوة، إلا أن تلك التبريرات تقترب كثيرا من الذرائع والحجج التي كان يقدمها كل مرة أي نظام قمعي أو نظام بوليسي. على الرغم من التصريحات لبعض قيادات الحركة التي قالت بالديموقراطية والوسطية والاعتدال وحماية الحقوق والحريات، إلا أن الحركة لم تستطع أن تردم الهوة بينها وبين الناس ومنظمات المجتمع المدني، وإن كان بمقدور المتابع لحركة حماس أن يقرأ بعض التغيرات في سلوكها، خاصة بعد ثورات الربيع العربي ونجاح الإخوان المسلمين في تونس ومصر، نحو مزيد من الانفراج في علاقتها مع الآخرين، ولكن هذا الانفراج له وجهان: الأول هو محاولة «حماس» الاستفادة من أخطائها السابقة، والثاني اضطرار كثير من الفئات في قطاع غزة إلى التكيف مع ما حاولت أن تفرضه «حماس» بشكل رسمي أو غير رسمي على المجتمع.

تياران في الحركة
تظهر لنا تجربة حركة حماس وجود تيارين أساسيين داخل الحركة، أحدهما يميل إلى الاندماج والمشاركة السياسية وفق استراتيجية تقوم على التوافق والتراضي، وقد تكونت لديه بوادر قابلة للتطور نحو الوعي بأهمية الديموقراطية وضرورتها كآلية وكشروط إجرائية تقوم على حق الاقتراع وحق التشريع وتداول السلطة التعددية وصيانة الحريات، وثانيهما يتردد في الاندماج والمشاركة، ويميل أكثر إلى الانفراد والتعصب والسيطرة وفرض رؤيته على المجتمع، وتتسم مواقفه بنوع من التشويش في شأن الديموقراطية وآليتها ومفاهيمها. وهذان التياران الأساسيان هما اللذان يتقاسمان حركة حماس. على الرغم من ظهور مجموعة من البوادر نحو التحول الإصلاحي لدى بعض قيادات الحركة في إطار القبول بالمشاركة في الانتخابات والتوجه نحو المصالحة الوطنية، إلا أن التيار المتشدد في الحركة هو الذي نحج في فرض توجهاته ورؤيته التي قامت على التفرد السلطوي وإلغاء الآخر.
ختاما إن حركة حماس وإن كانت تتحمل وحكومتها في قطاع غزة مسؤولية كبيرة عن الانقسام وانتهاك الحريات الشخصية والعامة وحقوق الإنسان وتراجع الديموقراطية والأوضاع الاقتصادية المتدهورة وتغييب مبدأ تداول السلطة بشكل سلمي، وتدهور السلم الأهلي، إلا ان من الظلم أن نحمل «حماس» المسؤولية وحدها عن كل ما سبق. فهنا لا ينبغي تجاهل مسؤولية حركة فتح التي تتحمل جزءا من المسؤولية، بسوء إداراتها وتفردها وعجزها عن تقديم نموذج حكم ديمقراطي. كما تتحمل باقي قوى المجتمع جزءا من المسؤولية لعجزها عن وقف الانحدار، والتصدي الفاعل للتفرد والانتهاكات للحقوق والحريات. وينبغي ألا نغفل مسؤوليات الاحتلال الإسرائيلي باعتباره المسبب الرئيس لمعاناة الشعب الفلسطيني، فمنذ فوز «حماس» في الانتخابات التشريعية وجدت نفسها في موضع بين الأيديولوجي من جهة، والسياسي من جهة أخرى. وخلال فترة قصيرة نسبيا خطت خطوات عدة باتجاه السياسي والبراغماتي، فقبلت «حل الدولتين»، وإن كان «مرحليا»، وقبلت الهدنة «لقاء التهدئة مع الاحتلال»، وفي الشأن الاجتماعي سعت لتكريس أسلمة المجتمع على طريقتها. ومع أنها لم تعط الفرصة كما تدّعي لإثبات أهليتها للحكم، إلا أنها نجحت في الصمود على الرغم من التحديات التي واجهتها، كما نجحت في تثبيت الأمن الداخلي في القطاع على الرغم من كل الملاحظات السلبية على أدائها الأمني الذي اقترب من حدود تكريس السلطة البوليسية، لكن الصمود والبقاء ليس معيارين للنجاح في الحكم، فقد خسرت «حماس» الكثير من بريقها وشعبيتها جراء الإخفاق في تحقيق التنمية، والانتهاكات المتكررة لحقوق الإنسان والحريات، إلى جانب العجز عن التصدي لمشكلات المواطنين اليومية ومواجهة التدهور في مستوى المعيشة والأزمات التي ألمت بسكان القطاع منذ حكمها له.
إن تجربة «حماس» في حكم قطاع غزة، من حيث الأسلوب أو الأداء والإدارة للسلطة، لم تقدم النموذج الأمثل الذي يمكن الاحتذاء به، فتجربة الحكم المتفرد فشلت في جميع دول العالم، وباءت بالفشل في غزة.

باحث وناشط حقوقي ـ غزة.