أول فيلم عن فلسطين ظهر في سنة 1948 وكان اسمه «فتاة من فلسطين، لمحمود ذو الفقار وهو يحكي طيار مصري تسقط طائرته فوق فلسطين، فيصاب بجروح، وتعالجه فتاة فلسطينية. وفي أثناء العلاج تحبه وتعود معه إلى مصر لتتزوجه. أما ثاني فيلم فهو «أرض السلام» لكمال الشيخ الذي عرض في سنة 1957 عن فدائي مصري يختفي في داخل قرية فلسطينية، وتعتني به فتاة فلسطينية، وتساعده على تفجير خزانات الوقود الإسرائيلية، ثم تعود معه إلى مصر وتتزوجه.
إنها أفلام ذات طابع ميلودرامي مع بعض التشويق والمغامرة. غير أن السينما الفلسطينية، كشكل من أشكال التعبير البصري عن الثقافة الجديدة التي دشنها الكفاح المسلح في 1/1/1965، لم تظهر إلا في سنة 1968 عندما أسست أول وحدة سينمائية، فكانت البداية الفعلية للتجربة السينمائية الفلسطينية بعد النكبة، وكان أول فيلم هو «لا للحل السلمي» الذي أخرجه مصطفى أبو علي، واتبعه بفيلم «بالروح بالدم» سنة 1971.
بين سنة 1968 واندلاع الحرب الأهلية في لبنان سنة 1975 أنجز الفلسطينيون نحو 25 فيلما (9 أفلام لفتح، 3 للجبهة الشعبية، 3 للجبهة الديموقراطية، 1 للإعلام الموحد، 4 لقسم الثقافة في منظمة التحرير وواحد لمركز الأبحاث، و4 أفلام مولتها حركة فتح لمخرجين عرب وأجانب). وكانت كلها تقريبا ذات طابع وثائقي وتعبوي، وركزت رؤيتها الفنية على الهوية والمنفى والتاريخ. وبرز من المخرجين العرب الذين عملوا في مؤسسة السينما الفلسطينية رفيق حجار وكريستيان غازي وقاسم حول وقيس الزبيدي وجان شمعون وفؤاد زنتوت ونبيهة لطفي وبرهان علوية وآخرون.
السؤال الآن هو: أين ذهبت الأفلام الفلسطينية التي أنجزت في تلك الفترة، بل التي تتابع ظهورها حتى سنة 1982؟ هل اندثرت؟ أم توزعت في منازل أصحابها؟ هل ثمة أي جهد لإعادة جمعها بعدما تناثرت مؤسسة السينما ومقتنياتها هنا وهناك، وبعدما توزع المخرجون أيدي سبأ في ديار العالم كله؟
ثمة معضلة حقيقية تواجه الباحثين في الشأن السينمائي الفلسطيني هي أنهم غير قادرين على مشاهدة الأفلام التأسيسية لأنها، بكل بساطة، غير متوافرة على الإطلاق. والمشكلة نفسها تعترض المخرجين الشبان الذين لا يعرفون أي شيء البتة عن أعمال الذين سبقوهم، وهم عاجزون عن اكتشاف ذلك لغياب تلك الأعمال.
إن فقدان تلك الأفلام، أو، على الأقل، عدم توافرها في مؤسسة محفوظات محددة، يجعل مصيرها مثل مصائر الذاكرة الفلسطينية، أي موشومة دائما بالنار؛ بالنار الحارقة هذه المرة وليس بالنار المقدسة.
ص. أ. ف.