| 

في أعقاب تبني الأمم المتحدة قرار التقسيم ـ في تشرين الثاني/ نوفمبر 1947، أصبحت مشكلة فلسطين هي أكثر المشكلات الخارجية إلحاحاً وأهمية للجماعة، وكانت الجماعة قد بدأت اهتمامها المباشر بالشؤون الفلسطينية عندما زار عبد الرحمن البنا (شقيق حسن البنا) فلسطين عام 1935 والتقى الحاج أمين الحسيني مفتي القدس ورئيس المجلس الإسلامي الأعلى في ذلك الوقت وعكست الزيارة الاهتمام المتوقع لجماعة الإخوان المسلمين بقضية فلسطين. ومنذ البدايات الأولى للحركة في القاهرة، كان عبد الرحمن البنا هو الصوت الرئيسي والبارز للجماعة في التعبير عن هذا الاهتمام. وقد ظهر أول دعم رسمي من جانب الجماعة خلال الإضرابات العربية الشاملة عامي 1936ـ 1937. وفي المؤتمر العام الثالث ـ المنعقد في آذار/ مارس 1935 ـ طالب البنا بجمع المال لمساندة قضية العرب وشكل لجنة للدعاية للموضوع عن طريق إرسال البرقيات والرسائل للسلطات المعنية، وعن طريق الصحافة والمنشورات والخطب. وتم تعزيز هذه الوسائل بالتظاهرات التي خرجت تأييداً للمضربين في فلسطين وبإرسال المؤن والمعدات.
لم تتح سنوات الحرب العالمية الثانية فرصة كافية للاتصال بالفلسطينيين وإن جرت بعض الاتصالات خلال تلك الفترة بأمين الحسيني، ثم استؤنفت العلاقات فور انتهاء الحرب من خلال المبعوثين المرسلين من مصر ليس من أجل نشر الدعوة للحركة فحسب بل للحث على مناهضة الصهيونية أيضاً. ومن بين المبعوثين كان هناك بعض الخبراء الفنيين للمساعدة في تدريب الجوالة الفلسطينية. وكان من أبرز هؤلاء الفنيين محمود لبيب الضابط المتقاعد الذي كرس جهده في خدمة الجماعة وأصبح في ما بعد نائب المرشد العام للشؤون العسكرية. وقد أرسل لفلسطين للمساعدة في تدريب المجموعات المدنية تدريبا عسكريا. وفي عام 1947 طلبت السلطات البريطانية منه ومن أعضاء آخرين مغادرة فلسطين.
على أن النشاط الأساسي للجماعة في هذا المجال كان يتركز حتى ذلك الوقت في حقل الدعاية. وظلت مشكلة فلسطين محتفظة بحضورها السياسي من خلال الإشارة الدائمة لها في الصحف والكتيبات والخطب والأحاديث العامة، والاجتماعات الشعبية وفي التظاهرات. وعندما وصل المفتي، الحاج أمين الحسيني، إلى القاهرة عام 1946 قادت صحيفة الجماعة حملة مناشدة ناجحة للحكومة لمنحه حق اللجوء السياسي. وبعد صدور قرار التقسيم في تشرين الثاني/ نوفمبر 1947 اشترك البنا مع بعض الشخصيات الإسلامية مثل صالح حرب باشا من جمعية الشبان المسلمين ومحمد علويه باشا في تشكيل «لجنة وادي النيل» لجمع المال والسلاح للمتطوعين الذين أصبحوا يجندون الآن علنا لإنقاذ فلسطين. وكان مصطفى مؤمن ممثل الجماعة في تلك اللجنة.
كانت قناعة البنا التي شاركة فيها عزام باشا ومفتي القدس هي ان الحكومات نفسها ينبغي الا تشارك في المشكلة الفلسطينية إلى أبعد من حدود الدعم الدبلوماسي والسياسي الذي في مقدورها ان تقدمه لعرب فلسطين، أما إذا أصبح القتال ضروريا فينبغي أن يترك للفلسطينيين أنفسهم وللمتطوعين. وعلى هذا النحو، كان ممكنا في رأيهم إبقاء الموضوع في نطاق «المسألة الداخلية» وبالتالي تفوت الفرصة على تدخل الأطراف الدولية. ولم توافق حكومة النقراشي بصورة رسمية على الخطة في ذلك الوقت، لكن تحت ضغط الجامعة العربية التي أبدت استعدادها للتمويل، سمح لها رسميا بتدريب المتطوعين بشرط أن يتم ذلك تحت إشراف أحد ضباط الجيش. ونظمت الجامعة العربية من ناحيتها حركة المتطوعين في جميع أنحاء العالم العربي بما في ذلك شمال أفريقيا، وزودت كل من جاء منهم بالسلاح والتدريب.
في نيسان/ أبريل 1948، وقبل بدء الحرب الرسمية ببضعة أسابيع، أرسلت الكتيبة الأولى من المتطوعين إلى العريش على الجبهة، حيث انضم إليها قائدها أحمد عبد العزيز وهو ضابط أحيل للاستيداع. ثم لحق بهم بعد ذلك ضباط آخرون، منهم كمال الدين حسين وصلاح سالم اللذان أصبحا بعد ذلك من الأعضاء الأساسيين لمجلس قيادة الثورة، ومثلهم مثل أحمد عبد العزيز، تركوا وحدتهم للحاق بالمتطوعين في ميدان القتال.
ليس معروفا على وجه التحديد إلى أي مدى شارك الإخوان في حرب فلسطين، كما ان طبيعة أنشطتهم خلالها ليست واضحة تماما. ومع ذلك فمن الممكن إيضاح بعض النقاط في ما يتعلق بذلك فحتى قبل ان يصل المتطوعون الرسميون «للجامعة العربية» كان الإخوان قد اشبتكوا مع الصهاينة في النقب. وخلال محاولاتهم الاستيلاء على بعض المستوطنات، تعلموا بعض الدروس المبكرة والمريرة في ما يتعلق بطبيعة القتال الدائر. وبعد وصول أحمد عبد العزيز، وبعد اعلان حالة الحرب رسميا في أيار/ مايو 1948، وقعت بعض الاشتباكات الصغيرة، والتي لم تتعد بعض مهمات التحرش بالمواقع الصهيونية، ولم تكن لها أهمية كبيرة، باستثناء مساهمتهم في تعزيز الدفاع العربي عن القدس وبيت لحم، قبل وبعد الهدنة الأولى. ولقي عبد العزيز مصرعه على نحو غير مقصود برصاصة من حارس مصري آب/ أغسطس 1948 وحل محله قائد جديد أحضر معه كتيبة جديدة من المتطوعين لتنضم لبقايا الكتيبة الأولى. ثم أرسل الجميع إلى القطاع الأردني من الجبهة، حيث بقوا ـ بسبب الخلافات مع السلطات الأردنية ـ غير معبئين للقتال من الوجهة العملية.
أما الإنجاز الملحوظ للإخوان فكان المساعدة التي قدموها للمصريين المحاصرين في الفالوجا والذي نشأ عن تقدم الإسرائيليين بعد خرقهم الهدنة الثانية في تشرين الأول/ أكتوبر 1948. فقد عمل الإخوان في أثناء وجودهم في الميدان على نقل المؤن إلى القوات المحاصرة، وفي القاهرة شاركت الجماعة مع الآخرين في الضغط على الحكومة المصرية من أجل مزيد من المتطوعين لفك الحصار عن القوة المطوقة. وجاء رد النقراشي بالرفض، ولم يتم فك الحصار عن القوة الا في شباط/ فبراير التالي، بعد توقيع اتفاقية الهدنة.
في تشرين الثاني/ نوفمبر 1948 بلغ الاهتياج بسبب الفالوجا ذروته. وفي بداية الشهر التالي فقدت جماعة الإخوان المسلمين وجودها الشرعي. ففي ليلة 8 كانون الأول/ ديسمبر صدرت أوامر لقوات الإخوان المسلمين في فلسطين بالعودة إلى المعسكرات وفي الصباح التالي وجدوا أنفسهم محاطين بقوات من الجيش المصري، ثم تم إبلاغهم بالقرار الذي صدر في القاهرة للتو معلنا حل الجماعة. وطبقا لما أورده كامل الشريف مؤرخ الإخوان في حرب فلسطين، فإن فؤاد صادق قائد القوات المصرية ترك لهم الخيار بين تسليم أسلحتهم والعودة إلى القاهرة وبين البقاء في الجبهة في نطاق الانضباط العسكري، والاستمرار في معاونة الجيش. وقد فضل معظمهم البقاء، ويرى المؤرخ أنهم قرروا ذلك بدافع من الولاء للمهمة التي جاءوا من أجلها فضلاً عن الرسالة التي وصلتهم من البنا يناشدهم فيها التزام الهدوء والنظام. وبعد اتفاقية رودس وإعادة توزيع ونقل قوات كلا الطرفين، لحق هؤلاء الإخوان، بعد مصادرة أسلحتهم، بإخوانهم في القاهرة في «المحنة».

* أنظر كتابه عن الأخوان المسلمين، القاهرة: مكتبة مدبولي، 1977.