| 

تراجع حضور القضية الفلسطينية في خطاب الحركة الإسلامية الأردنية في زمن الثورات العربية، أمام الحراك السياسي الداخلي المطالب بالإصلاح، وانشغالات التعاطي مع متغيرات اللحظة «بتكييف» تكتيكي لا يمسّ البنية الأيديولوجية، وبالاستفادة من أجواء أنتجت ثقلاً إسلامياً انتخابياً، إلا أنها تنذر بتحديات تتجاوز مرحلة «الإسلام هو الحل»، إلى مواجهة الواقع.
تفسر الحركة هذا التناول «الباهت» للقضية في المشهد الإسلامي بالتركيز على القضايا المرتبطة بالثورات، مع الأخذ بالاعتبار دور الأنظمة المضادة، القائمة حالياً، والانقسام الفلسطيني والتنسيق الأمني للسلطة الفلسطينية مع الاحتلال، بعد أخذها بناصية التفاوض خياراً استراتيجياً أوحد وسبيلاً لإقامة الدولة على حدود 1967، ولكن من دون تخلي الحركة عن ثوابت حق العودة وتحرير كامل فلسطين وعدم الاعتراف بالكيان الصهيوني، بعدّها أسّ بنيتها الفكرية الصلبة، وديدن تحركها الراهن.
بيدَ أن ذلك يتسق، بشكل أو بآخر، مع تأدية جماعة الإخوان المسلمين دور «المعارضة الناعمة» في كثير من مراحل تعاطيها مع النظام الحاكم، وانكفاء عنصر المجابهة المباشرة، ضد الاحتلال، تاركة استلالها للفلسطينيين، إزاء تغير معطيات إدارة الصراع العربي – الصهيوني، عقب خوضها مبكراً النضال المسلح في فلسطين قبيل عام 1948، وصولاً بزخم الدعم حتى عام 1967، وما بعده، بصور مغايرة، أخذاً بمرحلية الدعم والمساندة.
وعكست متغيرات المرحلة نفسها في تطوّر فكري لدى جماعة الإخوان بالإيمان باللعبة الديموقراطية والتعددية في إطار النظام الملكي، والتناغم مع النزوع السلمي للثورات نحو التغيير، تساوقاً مع الخطاب الإصلاحي الإسلامي النابذ للعنف عند الجماعة «الأم» المصرية، بما يتمايز عن موقف التيار السلفي الجهادي الأردني، الذي عاد إلى الصورة الإعلامية مع موسم الثورات العربية، والذي يتأسس على جذور أيديولوجية دينية صلبة تفتقد إلى المرونة الإخوانية.
ويشهد التيار، راهناً، تجاذبات داخلية تتداخل، بشكل أو بآخر، مع كيفية التعاطي مع القضية الفلسطينية، ضمن مناخات مناقضة لرهاناته الفكرية والسياسية في الحاكمية والتكفير والتغيير الجذري ورفض الديموقراطية كبديل من الحكم الإسلامي. وقد طال النقاش مفهوم الجهاد وحدوده بين تبني العمل المسلح، و«سلمية الدعوة» داخلياً مع «التطلع» لنقل العمل المسلح إلى فلسطين المحتلة لمقاومة الاحتلال الصهيوني.
ولا ينمّ ذلك عن تراجعات أيديولوجية أو تخلياً عن منهج التغيير، بعد نشاط أمني وعسكري مارسه في الأراضي الأردنية قبيل تراجعه في السنوات الأخيرة، ولكنها محاولة لاستثمار اللحظة التي تتيحها الثورات العربية تكتيكياً، من خلال توسيع مجال حركته ودعوته وأنصاره. ففي المحصلة، ظلت في الإطار النصيّ المتعلق بالقضية الفلسطينية، ولم تبرح خانة البيانات وشعارات التظاهرات، أخذاً بالاعتبار محدودية عديدة ونطاق انتشاره في الأردن وضعف «الحاضنة الاجتماعية» له. ولكن ذلك يجد امتدادته، بشكل أو بآخر، في تحولات خطاب نظيره المصري، الذي حظي بوجود ملحوظ في مجلس الشعب، والتي برزت في حديث حزب النور عن «عدم محاربته إسرائيل وإمكانية التطبيع معها بما تقتضيه المصلحة، عند المشاركة في الحكم، وعدم سعيه لإلغاء معاهدة كامب ديفيد» (21/12/2011)، وهو في ذلك يماثل مقولات قياديين في جماعة الإخوان المصرية حول «إرجاء إعادة النظر في المعاهدة بعد استتاب الأوضاع الداخلية والعودة إلى الشعب»، أعقبه تصريح وزيرة الخارجية في المفوضية الأوروبية كاثرين آشتون (27/12/2011) عن «اعتراف السلفيين بإسرائيل خلال لقاءاتهم مع ممثلي دول الاتحاد الأوروبي ووجود اتصالات في ما بينهم»، بحسب قولها.
وللسلفية امتداداتها، أيضاً، في فضاء الوطن المحتل، بوجود ملحوظ في الآونة الأخيرة، لا سيما في قطاع غزة، على غرار حزب التحرير – الأردن المحظور، الذي أسسه في القدس عام 1953 الشيخ تقي الدين النبهاني، والذي خرج مؤخراً إلى دائرة النشاطات العلنية، بعد صدام امتد لسنوات طويلة مع النظام الأردني، وصل حد مطاردته منذ الخمسينيات، وتجميد نشاطه في السنوات التالية لعدوان 1967، وضرب قواعده بزعم تورطه في محاولتي انقلاب عامي 1968 و1969، وزج عناصره في السجون ومحاصرته، على الرغم من تمكن أحد أعضائه من دخول البرلمان عامي (1955-1957)، وذلك بدعوى «حمله معتقدات تهيئ لمناخات التطرف والإرهاب، وارتباطه خارجياً بما يضرّ المصلحة الأردنية»، بحسب الرواية الرسمية.
ويتبنى الحزب مبدأ «تحرير فلسطين والقضاء على الكيان الإسرائيلي بالجهاد ومعارضة أي تسوية سياسية معه»، ولكنه لم يأخذ عملياً بخيار الجهاد ولم يسلك طريق المقاومة، بدعوى أولوية إقامة الخلافة أو الدولة الإسلامية، وعدم وجوب الجهاد على عامة المسلمين في غياب الخليفة أو الإمام المسلم الذي يستنفرهم، استناداً إلى طبيعة العدوان الذي تتعرض له الأمة. ولهذا السبب فإن الحزب ليس منخرطاً في نشاطات المقاومة الفلسطينية المباشرة، مكتفياً بتطبيق تصوراته عن طريق الدعوة تدريجياً، والتزام النشاط السياسي والاجتماعي الذي يستهدف تجنيد الدعم الشعبي، بما ساهم في عزلته واغترابه لفترة، ولكنه يعود اليوم على وقع الثورات العربية لتأصيل حضوره في الخريطة السياسية، عبر التظاهرات وإصدار البيانات المنددة «بشرعية النظام الأردني والمطالبة بوضع حد لتحالفاته مع أعداء الأمة وفتح باب الجهاد لقتال أعداء الله وأعداء المسلمين» (23 /2/ 2012).

الإخوان المسلمون والقضية الفلسطينية
فرض مسار علاقة إخوان الأردن مع النظام السياسي الأردني، المتذبذب بين التفاهم والتوتر من دون التصادم العنيف، حضوره في طبيعة عملهم ونشاطهم، التي تأثرت، أيضاً، بالأوضاع الداخلية للبلاد والسياسة الرسمية، بما انعكس على مفاعيل علاقتهم بالقضية الفلسطينية.
يعود تعاطي الجماعة مع قضية فلسطين إلى الثلاثينيات، تحت شعار «الإسلام هو الحل» و«تحرير فلسطين بإقامة الإسلام وواجب الجهاد»، وذلك بانخراط مؤسسها عبد اللطيف أبو قورة في صفوف المقاتلين الفلسطينيين في ثورة 1936. ولكن حرب عام 1948 شكلت البوابة الأوسع لخوض مضمار العمل السياسي والمقاومة المباشرة.
شهدت الفترة بين عامي 1953و 1957 أحداثاً وتحركات شعبية واسعة، في خضم الرد الشعبي على النكبة، تصاحبت مع إبراز الإخوان البعد الإسلامي للقضية الفلسطينية عبر عقد المؤتمرات، مثل مؤتمر القدس عام 1953، على الرغم من تقييد الحكومة لعمله بداية ورفع الحظر عنه تالياً في عام 1956. وقد شهدت تلك الفترة توتراً في العلاقة الثنائية، ساهم فيها تأثير العلاقة المضطربة بين النظام والإخوان في مصر، وتبعات توجه الأردن للانضمام إلى حلف بغداد، وتشكيل سليمان النابلسي أول حكومة يسارية في الأردن، ما دفع الإخوان للامتناع عن المشاركة فيها والتزام صف المعارضة.
ابتعد التيار المسيطر على إخوان الأردن و إخوان فلسطين (اللذين اندمجا بعد وحدة الضفتين عام 1950 وتوحدا كتنظيمين عام 1978 قبيل الفصل الكامل بينهما مؤخراً) عن المواجهة المباشرة مع الاحتلال بعد 1948، مستبعدين تحقيق حركة فتح نتائج ايجابية بالعمل المسلح بسبب موقف الدول العربية من المقاومة، على الرغم مساندتها، مبدئياً، لتأسيس منظمة التحرير الفلسطينية عام 1964. ومع أن الأمور قد تغيرت عقب عام 1967، بعدما بات تصعيد العمل المسلح أكثر ضرورة من ذي قبل، إلا أن الإخوان حافظوا على تحفظاتهم واعتقادهم باعتماد كفاءة المقاومة على أسلمة المجتمعات العربية بسبب الأنظمة العربية المناهضة لهم. ومع ذلك، فقد كانوا أكثر إيجابية من السابق في ما يخص العمل المباشر ضد الاحتلال، الذي انعكس في خطابهم الداعي إلى إحياء الجهاد المسلح والمنتقد للأنظمة العربية «لتأجيل حرب التحرير».
وقد أيدّ الإخوان تشكيل قوى قتالية من الفلسطينيين ضد الاحتلال، ولكن بعدما ظهر لهم ضعف دعم الأنظمة، طالبوا باعتماد الفلسطينيين على أنفسهم، تزامناً مع رفض صيغ توطين اللاجئين والوقوف إلى جانب حقهم في العودة إلى ديارهم وأراضيهم، والتعاون الجزئي مع فتح عام 1968 بإقامة معسكر لهم في الأردن، ولكن عند أزمة 1970 (أحداث أيلول) بين الأردن والفلسطينيين، اتخذ الإخوان موقفاً محايداً أتبعوه بتفكيك المعسكر ومساندة النظام.
لقد أبرزت هزيمة 1967 وضعاً تم فيه رفع شعار إزالة آثار العدوان عن الأراضي العربية المحتلة في ذلك العام، بينما ظهرت في الساحة الأردنية حالة ازدواجية السلطة ما بين المقاومة الفلسطينية والسلطة، وسيادة حالة استقطاب حاد بينهما، وسط جدل أثير داخل صفوف الجماعة حول المشاركة في العمل الفدائي، مع الشعور بالمنافسة والإحساس بخطر التهميش، فاتسم موقفها بالحذر رغم انخراط بعض أفرادها في صفوف حركة فتح، من دون تطوير قاعدة عسكرية خاصة بها، حيث شاركوا عبر الحركة في إقامة ثلاثة معسكرات فدائية كانوا يعملون ضمنها حتى أواخر 1970.

ما الذي تغير؟
تغير موقف الإخوان مع اندلاع الانتفاضة الفلسطينية عام 1987، فبرز مفهوم الجهاد بشكل واقعي وليس مجرد الرؤية التقليدية له التي كانوا يطرحونها، عبر مطالبات تعبئة شعبية لمواجهة شاملة قبل إنشاء المجتمع الإسلامي الصحيح، في ظل وجود أجيال إخوانية جديدة لم تعد تتقبل فكرة الجدال المتعلق بتأخير الجهاد، مع الأخذ بالاعتبار تأثير قيام حركة الجهاد الإسلامي في هذا التحول.
شكل مؤتمر مدريد للسلام (1991)، بعد قرار فك الارتباط (1988) غير الدستوري في نظرهم، مفصلاً جديداً في توتر العلاقة مع النظام، عبر إدانة المشاركة الأردنية فيه، بوصفه مقدمة لإنهاء القضية الفلسطينية وتكثيف الوجود الصهيوني غير القانوني في الأراضي المحتلة، تماثلاً مع موقفهم المناهض لأوسلو، ولنهج المفاوضات، ومعارضتهم، في مجلس النواب، عبر جناحهم السياسي الممثل في جبهة العمل الإسلامي، للمعاهدة الأردنية – الإسرائيلية (1994)، والتي أدى تمريرها إلى انسحابهم من البرلمان. بينما قاطعوا انتخابات عامي 1997 و2010 احتجاجا على «الموقف الرسمي من العملية السلمية والتطبيع مع الكيان المحتل»، فضلاً عن تحذيرهم من إلغاء القوانين التي تحظر بيع العقارات لليهود، ومن تعزيز العلاقات مع الولايات المتحدة والكيان الصهيوني، ومطالبتهم بإصدار مشروع قانون يعتبر «فلسطين كاملة من النهر إلى البحر»، رداً على مقولات «الوطن البديل» الصهيونية، بموازاة انتقاد السياسة الرسمية في التضييق على نشاطهم المناهض للاحتلال، ومحاكمة منتسبين إليهم ممن يحاولون التوجه إلى الأراضي المحتلة لمشاركة المقاومة الفلسطينية ضد الاحتلال.
تدعم الجماعة حماس، وتساند، سياسياً، نشاطها العسكرية في الأراضي المحتلة، مع تأييد قبولها التهدئة المؤقتة زمنياً مع الاحتلال، باعتبارها ليست سياسة استراتيجية بل تكتيك يدخل في إطار المناورة السياسية وفق المعطيات المطروحة من دون المسّ بالثوابت. كما بررت سيطرتها على قطاع غزة (2007) في ضوء استهداف أجهزة السلطة لها، بهدف حماية المقاومة، وساندت المقاومة ضد العدوان الإسرائيلي على القطاع 2008/2009، ووقفت وراء تنظيم التظاهرات والمسيرات الشعبية الضخمة التي عمّت مختلف محافظات المملكة تنديداً بمجازر الاحتلال ونصرة للشعب الفلسطيني. مثلما نددت بالعدوان الإسرائيلي على لبنان في تموز (يوليو) 2006، ودعمت المقاومة اللبنانية في تصديها للاحتلال باعتباره «واجباً دينياً، في مواجهة مشروع أميركي صهيوني لإعادة رسم الخريطة السياسية للمنطقة وتفتيت الأمة إلى كيانات مذهبية متعددة، والقضاء على المقاومة».