| 

لم تعرف فلسطين الطائفية عبر تاريخها الطويل، وظل شعبها - وما زال - محصناً ضد هذه الآفة التي تدمر الأوطان، وبالتأكيد فإن المشروع الإسرائيلي المقام على قاعدة دينية، ولو أسطورية، قد عزز من حصانة الحركة الوطنية فيها.
وعندما تفجرت فلسطين بثورة 1936 ضد الانتداب البريطاني الذي شكل الحاضنة لقرار الحركة الصهيونية بإقامة دولة إسرائيل على أرض فلسطين، فإن قيادة العمل الوطني الفلسطيني ضمت في قيادتها كما في صفوف مجاهديها من يمثل كل فلسطين وكل الفلسطينيين.. بل ان الذين انخرطوا فيها من العرب خارجها لم يكونوا جميعهم من المسلمين. ولم تكن مصادفة ان العديد من أركان مفتي فلسطين ورئيس الهيئة العربية العليا الحاج أمين الحسيني التي تصدت لقيادة تلك المرحلة من النضال، كانوا من المسيحيين.
أما بعد النكبة فإن العديد من قيادات العمل الجهادي، سياسياً ثم عبر الكفاح المسلح لاحقاً، كانوا من الفلسطينيين المسيحيين، لعل عنوانهم الأبرز هو الدكتور جورج حبش ومعه رفيق نضاله الدكتور وديع حداد... بالمقابل فان حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) قد ضمت العديد من المناضلين المسيحيين في مواقعها القيادية.
بالمقابل، فان إسرائيل التي أقيمت بالقوة على قاعدة دينية، تتخذ لنفسها الآن هوية دولة يهود العالم... بل هي تدمج أقليات هاربة من أوطانها فيها الروس والأفارقة في مجتمعها وتسخرهم في بناء المستوطنات، من دون أن تمنحهم حقوق المواطنة، لأنها لا تعتبرهم يهوداً باباً أول!
ولم يصل تنظيم الإخوان المسلمين من منبعه في مصر الى غزة في فلسطين الا قبيل «النكبة» وظل الانتساب اليه محدوداً، وكثير ممن انخرطوا فيه (أبرزهم خليل الوزير- ابو جهاد) سرعان ما تركوه ليؤسسوا حركة « فتح» في أواخر الخمسينيات، وهي التي سيقدر لها ان تقفز الى قيادة النضال الفلسطيني بعد الهزيمة العربية في 5 حزيران 1967، مستقطبة مجاميع من كادرات الأحزاب القومية واليسارية حيث الموقف السياسي هو القاعدة في الانتماء وليس الدين او الطائفة.
وليس ضروريا التذكير بأن منظمة التحرير الفلسطينية التي صارت الوعاء الجامع للنضال بمختلف هيئاته وتشكيلاته، كانت تعكس في تكوينها وهيئاتها كل الشعب الفلسطيني بمسلميه ومسيحييه، منذ تأسيسها في أيار 1964 بقيادة أحمد الشقيري ثم تحت «رئاسة» ياسر عرفات حتى استشهاده في 11/11/2004.
ولقد بدأ صعود الإسلاميين في العمل السياسي الفلسطيني مع تراجع دور هذه المنظمة الجامعة، فأعلن عن تأسيس «حركة حماس»، المتحدرة من صلب حركة الإخوان المسلمين في أواخر 1987... وهي الحركة التي تقاسم «فتح» حاليا مواقع القيادة والنفوذ، بعد تراجع التنظيمات المتحدرة من الحركة القومية او من اليسار، لأسباب معروفة.
هذا العدد من فلسطين محاولة لتظهير دور الحركات الإسلامية في العمل السياسي الفلسطيني، وهو لا يهدف الى التقويم، بقدر ما يجتهد في التعريف بتنظيماتها وشخصياتها وموقعها في النضال الوطني من اجل التحرير.