| 

مضافاً الى البعد الاجتماعي، شكّل البعد الفلسطيني عصب نص الإمام السيد موسى الصدر في مسيرته السياسية والدينية في لبنان. ولا بد للمتابع ان يلحظ مدى الحضور الطاغي لقضية فلسطين وتحديات المشروع الصهيوني والتحذيرات التي اطلقها الإمام من اجل مجابهة هذا المشروع كي لا يتمدد الى جسم المنطقة العربية كلها. من ساحة جهاده الاولى (جبل عامل) في جنوب لبنان اكتشف الإمام الصدر أن جمهوره في هذا الجنوب ضحية التحالف الدقيق بين الحرمان الاجتماعي وإسرائيل عبر اعتداءاتها المستمرة منذ ما قبل عام 1948تاريخ نشوء دولة الكيان الصهيوني على ارض فلسطين، فوجد الإمام ان اسرائيل لم توفر الجنوبيين من مجازرها، فكانت مجزرتا حولا وصلحا عام 1947 كإنموذج مسبق لدير ياسين والطنطورة، وكأنه كان يرى ان المجازر تصوغ مصيراً مشتركاً للجنوبيين والفلسطينيين، فتكلم على التحالف بين المحرومين على ارضهم والمحرومين من ارضهم.
استحضر الإمام الصدر كل عناوين فلسطين من فقر وتهجير وتشريد ومقاومة وشهادة وفداء في مواجهة اخطر مشروع تتعرض له الامة العربية في سياق نصه الإصلاحي والجهادي والمقاوم. فاعتبر ان قضية فلسطين، مع التسليم بأن شعبها هو رأس الحربة في مسيرة تحريرها ومقاومة إسرائيل، هي قضية كل فرد وانسان عربي ومسلم وحر. وعليه تقع مسؤولية ليس دعم المقاومة الفلسطينية فحسب، بل الانخراط الكامل بالمقاومة والالتزام بها.
عمل الامام على المستوى النظري والفكري على جعل هذه القضية في متن ميثاق حركة المحرومين (امل)، وهو الميثاق الذي يشكل الاساس الفكري للانتماء التنظيمي كما جاء في البند السادس (وفلسطين الارض المقدسة التي تعرضت ولم تزل لجميع انواع الظلم هي في صلب حركتنا وعقلها، وأن السعي لتحريرها اولى واجباتنا، وأن الوقوف الى جانب شعبها وصيانة مقاومته والتلاحم معها شرف الحركة وإيمانها، لا سيما ان الصهيونية تشكل الخطر الفعلي والمستقبلي على لبنان وعلى القيم التي نؤمن بها، وعلى الانسانية جمعاء، وأنها ترى في لبنان بتعايش الطوائف فيه تحدياً دائماً لها ومنافساً قوياً لكيانها).
وفي مجال الفعل عمل على إطلاق اوسع عملية تثوير في الوسط الشيعي اللبناني عبر إنشاء افواج المقاومة اللبنانية «أمل»، إذ قال «لا اريد ان انتظر حتى تحتل اسرائيل الجنوب وأُأسس مقاومة، فكان مؤسساً لمقاومة استباقية من خارج اطر فصائل منظمة التحرير الفلسطينية والجيوش العربية، ليشير الى البعد الشعبي، وضرورة ان يتحمل كل بلد عربي مسؤولية الإعداد الكامل، وإطلاق تشكيلات مقاومة لإسرائيل كي لا يكون العبء على عاتق الفلسطينيين وحدهم.
وآمن بضرورة تصعيد المحرمات كل عوامل العداء والصراع مع اسرائيل وفي المقدمة منها ضرورة تطوير وتمتين الحاجز النفسي في هذا الصراع عندما حّرم أي اعتراف او تعاون مع اسرائيل بقوله «إسرائيل شر مطلق والتعامل معها حرام»، وهو الذي افتى عندما اقامت اسرائيل ما سمي بالجدار الطيب على الحدود الفلسطينية اللبنانية محاولة اختراق النسيج الجنوبي في القرى الحدودية مستغلة تخلي الدولة اللبنانية عن مواطنيها بحرمة اخذ ولو حبة دواء منها مفضلاً ان يموت المرء ولا يستعين بإسرائيل، وأدخل العلاقة معها الى ساحة المحرمات الشرعية والدينية.
وأيقن أن دعم المقاومة الفلسطينية هو واجب شرعي، وهو القائل عنها انها «خير مطلق»، فكان ان دعا يوم كانت هذه المقاومة الفلسطينية في بداياتها ضعيفة وشريدة الى حفل إفطار عام 1969 في اوتيل الكارلتون لجمع التبرعات للثورة الفلسطينية، وكان ان عمل على الحصول على فتوى المرجع الاعلى للطائفة الإسلامية الشيعية في النجف الاشرف السيد محسن الحكيم بجواز دفع اموال الخمس لحركة فتح والمقاومة.
واعتبر ان القدس هي عقدة الصراع وهي اكبر من ان تكون بلدة او مدينة بل عنوان مستقبل المنطقة ومصيرها بقوله «ان القدس هي قبلتنا وملتقى قيمنا وتجسيد وحدتنا ومعراج رسالتنا، إنها قدسنا وقضيتنا».
واعتبر ان كرامة العرب والمسلمين مرتبطة بحرية القدس والسيادة العربية عليها، وان سيطرة الصهاينة وفرض سلطتهم عليها لتهويدها وجعلها عاصمتهم هو عنوان ذل العرب والمسلمين، فيقول «ان حياتنا من دون القدس مذلة»، موقناً ان التسويات والمفاوضات والارتهان الى هذا المعسكر أو ذاك لن يعيد القدس بل حريتها منوطة بما كان يراه الإمام الصدر بقوله «خذ علماً يا ابا عمار ان شرف القدس يأبى ان يتحرر إلا على أيدي المؤمنين الشرفاء»، كأنه ناظر الى ما يجري اليوم من تداعيات مريعة ومستقبل اسود ينتظر المدينة المقدسة.
ناصب الإمام الصدر المشروع الصهيوني العداء لأنه مشروع غاصب وظالم يشكل نقيضا ً للتجربة اللبنانية بقوله: «ان اسرائيل نعتبرها خصمنا الأول وانها تشكل خطراً علينا، خطراً ثقافياً حضارياً اقتصادياً وسياسياً».
وهو القائل: «نحن نعتبر اسرائيل شراً مطلقاً»، «لا أسوأ من اسرائيل في العالم، لو تصارعت اسرائيل والشيطان نقف مع الشيطان».
اسرائيل هذه الظالمة والمعتدية والمحتلة والمغتصبة يجب ان تزول من الوجود، كما قال «وإن إزالتها أمر إلهي» فيقول « ان الثورة الفلسطينية هي الطريق الى الارض المقدسة وهي الشعلة المقدسة التي اوقدها الله تعالى لحماية خلقه ولكرامة هذه الامة وللقضاء على اعدائها وأعداء الإنسان».

مع الثورة ضد التسوية
رفض الإمام الصدر التسويات والمفاوضات واللجوء الى المحافل الدولية والرهانات على هذا الطرف أو ذاك، فأشار الى هذا بقوله «انتظر الشعب الفلسطيني عشرين سنة، فما انصفه احد في العالم ونسيه الكل حتى المؤسسات الدولية، فاضطر الى استلام قضيته ووضع ثمناً لعودته غالياً هو التضحية بجيل كامل».
في زمن التوترات المذهبية والنعرات الطائفية البائس والذي يغيب قضية فلسطين عن اهتمامات العرب والمسلمين، يستحضر قول الإمام الصدر «إن الشيعة يعتبرون المسألة الفلسطينية هي مسألتهم، ويرون بأنه لن يتوفر اي امن، طالما ان امن العدو الصهيوني الذي يطمع في أراضيهم رابض على بعد عشرات الامتار منها».
كم كان الإمام الصدر رؤيوياً واستشرافياً عندما قال «يجب ان نسعى كي تبقى اسرائيل عدوة»، لأنه كان يشعر بأنه في اليوم الذي تزاح فيه فلسطين عن موقعها المركزي في وواقع العرب والمسلمين سيضيع بأسهم فيما بينهم ويتناحرون اقواماً وطوائف وجماعات كما هو حاصل اليوم.
أقام الإمام الصدر اوثق العلاقات مع قادة المقاومة الفلسطينية خاصة حركة فتح، وكان حامياً وناصحاً قائلاً «إن السند الحقيقي للثورة الفلسطينية هو عمامتي ومحرابي ومنبري»، رافضاً انزلاقها في مستنقع الأزمة اللبنانية، وأن تستغل من أي طرف لبناني، معتبراً ان القبلة يجب ان تكون وتبقى فلسطين بقوله «إن العودة الى فلسطين هي صلاتنا وإيماننا ودعاؤنا نتحمل في سبيلها ما نتحمل ونتقرب الى الله في سبيلها بما نتحمله من متاعب».
ظُلم الإمام الصدر ولم يستمع الى نصائحه لكن كثيرين ممن ناوؤه اعادوا قراءة تجربتهم معه وصححوا مواقفهم منه، لكنه تقبل من اجل المقاومة كل ضريبة فقال: «لقد دفعت ثمن اخلاصي الكبير للمقاومة، وأنا امام المهمات لا استشعر بالخسارة لأني مارست فعل ايماني».
في هذا الزمن الذي يتقدم فيه المسلمون بمعمميهم ومنظريهم وروادهم المشهد في غياب شبه كامل لقضية فلسطين خاصة في ظل اوسع عملية تهويد وتغيير لمعالم المدينة القدس، والإعداد لهدم المسجد الاقصى وبناء الهيكل الثالث على انقاضه، مما يضع مجمل الإسلاميين ومشاريعهم على محك التجربة الفعلية، والالتزام الحقيقي بقضية القدس وفلسطين لما تحتله القدس في قلب الإسلام كنص وعقيدة ودين وشريعة.
هنا نستحضر سيرة الإمام موسى الصدر ومسيرته الذي حمل فلسطين صلاةً ودعاءً وفعلاً في كل ساحة من ساحات جهاده، لأنه كان يؤمن وعلى دربه نؤمن بأن شرعية أية جهة وإسلاميتها وعروبتها ووطنيتها تتحقق بمدى حضور فلسطين فيها، لأن تجاهل فلسطين او التنازل عن القدس يعني حسب نص الإمام الصدر تنازلاً عن الدين.
كاتب لبناني.