| 

أسس الحركة الإسلامية في مناطق 1948 الشيخ عبد الله نمر درويش، وهي تنشط بين المواطنين العرب المسلمين في إسرائيل منذ تأسيسها في سنة 1971. وكانت حرب 1967، واحتلال الأراضي العربية، وخصوصا الضفة الغربية وقطاع غزة، من أهم أسباب نشوء هذه الحركة. لأن كثيرين من الشبان الفلسطينيين راحوا يلتحقون بالكليات الإسلامية في الضفة الغربية، مثل كلية الشريعة في مدينة الخليل، والمعهد الديني الإسلامي في مدينة نابلس، الذي تخرج فيه درويش نفسه.
وخلال العقدين اللاحقين على تأسيس الحركة الإسلامية، كان للثورة الإسلامية في إيران سنة 1979، وانهيار الاتحاد السوفياتي في مطلع التسعينيات، أثر مهم في اتساع صفوف الحركة الإسلامية في أراضي 1948.
بدأ نشاط الحركة الإسلامية في منطقة المثلث الجنوبي أولاً لأن مؤسسها الشيخ عبد الله درويش من كفر قاسم، ثم امتدت إلى أم الفحم ومنطقتها، في المثلث الشمالي، ثم اتسعت صفوفها إلى منطقة الجليل.

انقسام الحركة الإسلامية
في العام 1996 حدث انقسام في الحركة الإسلامية، وأصبح لها هناك جناحان يعرفان بالجناح الجنوبي، بقيادة الشيخ درويش، والجناح الشمالي بقيادة الشيخ رائد صلاح من أم الفحم. وكانت هناك عدة أسباب للانقسام، أبرزها أن أفكار الجناح الجنوبي كانت معتدلة و«براغماتية» نسبيا، بينما أفكار الجناح الشمالي أكثر تشددا وراديكالية. إلا أن السبب المباشر للانقسام كان القرار الذي تم اتخاذه في المؤتمر العام للحركة، سنة 1996، في شأن الانتخابات العامة للكنيست الإسرائيلي، وقد أيدت خوض الانتخابات، وأصبحت تعرف بالجناح الجنوبي. ويقول رئيس الحركة الإسلامية - الجناح الجنوبي، الشيخ حماد أبو دعابس، في حديث خاص لـ «الملحق» من أسباب الانقسام، ما يلي: «خلال السنوات التي سبقت الانقسام ظهرت معالم وجود مدرستين في الحركة الإسلامية. وهاتان المدرستان عبارة عن اجتهادين، بدأ كل منهما يتبلور على شكل مدرسة منهجية. والقضية التي كانت القشة التي قصمت ظهر البعير هي قرار الحركة الإسلامية المشاركة في انتخابات الكنيست. وأدى ذلك كله، علاوة على تراكمات أخرى، إلى هذا الانقسام».
وأضاف أبو دعابس: «في حينه تطورت الحركة الإسلامية حتى أصبحت قوة واضحة المعالم وكبيرة وحاضرة في الشارع الفلسطيني في الداخل. ولم تكن هناك على الساحة قوى فلسطينية ممثلة في البرلمان إلا الحزب الشيوعي والجبهة. وكانت غالبية أصوات العرب تذهب إلى القوائم الصهيونية. ورأينا أن استمرار وجود الحركة الإسلامية خارج اللعبة البرلمانية يقوي الأحزاب الصهيونية، وأن امتناعنا عن المشاركة يساهم في تقزيم الحضور السياسي العربي، بينما يمكن أن يكون لمشاركتنا أبعاد أكثر من الداخل الفلسطيني، وقد تؤثر في حضورنا الإسلامي إجمالا وفي دورنا الإسلامي كعرب وفي انتمائنا للحركة الإسلامية العالمية. وشهدت الحركة الإسلامية نقاشات وسجالات استمرت قرابة ست سنوات، حتى صار هناك ضرورة للحسم بهذا الاتجاه أو ذاك. وقبل انتخابات الكنيست في سنة 1992 جرت مداولات عدة، لكن مؤتمر الحركة الإسلامية حسم الموقف بعدم خوض الانتخابات. وفي 1996 أعيد نقاش الموضوع بجدية أكثر وبتفصيلات أوسع. وأصبح واضحا أن حجم الحركة الإسلامية اتسع والمعطيات اختلفت، ما استدعى حسم الموضوع في المؤتمر العام مرة أخرى. وفي تلك السنة قرر المؤتمر العام، بأغلبية ضئيلة، خوض الانتخابات البرلمانية ضمن قائمة عربية موحدة، وليس باسم الحركة الإسلامية بشكل واضح وصريح. وفي أثر ذلك حدث الانشقاق داخل الحركة».
من جانبه، لا يزال الجناح الشمالي للحركة يرفض خوض الانتخابات العامة للكنيست الإسرائيلي. وقال نائب رئيس الحركة الإسلامية - الجناح الشمالي، الشيخ كمال الخطيب، لـ «ملحق فلسطين»: «إن قناعتنا هي أن العمل السياسي ليس مشروطا أن يكون تحت قبة البرلمان الإسرائيلي. نحن نخوض السياسة من أوسع أبوابها ولنا حضورنا السياسي في الاتجاهات كلها، من السياسة المحلية وحتى السياسة الإقليمية وحتى السياسة العالمية. إلا أن البعض ظن أن العمل السياسي يجب أن يكون عبر تمثيل برلماني. وهذه مقولة أثبت الواقع أنها غير صحيحة، من خلال وجود الحركة الإسلامية ودورها، ووجود تيارات أخرى في الداخل الفلسطيني، ليس لها تمثيل تحت قبة البرلمان. والأهم من ذلك، أن تجربة الأحزاب العربية في البرلمان على الأقل في الدورة البرلمانية الحالية أثبتت أنها ظلت على هامش الحياة السياسية الإسرائيلية. ولو أرادت الحركة الإسلامية (الجناح الشمالي) خوض هذا الغمار، لكانت قادرة على أن يكون لها تمثيل ليس أقل من تمثيل أكبر حزب عربي موجود الآن في البرلمان. لكن القضية ليست قضية تمثيل ولا أرقام، وإنما هي قضية موقف واضح فحواه أننا لا نرى العمل السياسي يجب أن يكون مقصوراً على البرلمان الإسرائيلي».
ولفت الشيخ الخطيب إلى نشاط الجناح الشمالي الواسع في حماية المقدسات الإسلامية وصيانتها، وخاصة المسجد الأقصى. وشدد على أن «الحركة الإسلامية هي حركة شمولية تؤمن بالعمل في كافة قضايا مجتمعنا. بل إن فهمنا للإسلام يشير إلى أنه دين يتعاطى مع العقيدة والعبادة والسياسة والاقتصاد والتربية. إننا لا نؤمن بنظرية ’دع ما لقيصر لقيصر وما لله لله’».

حل الصراع والدولة الإسلامية
على الرغم من الانقسام في الحركة الإسلامية، إلا أنه من الصعب ايجاد فروق بين الجناحين حيال تعريف الهوية، ورؤيتهما الى حل الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني والعربي - الإسرائيلي. ويرى كلاهما أن الحل «المثالي» للقضية الفلسطينية يكمن في قيام الدولة الإسلامية.
وقال الشيخ أبو دعابس: «نحن نعرِّف أنفسنا كأفراد وكمجموعة: مسلمين وعربا وفلسطينيين، نعيش على أرضنا التي قامت عليها دولة إسرائيل من دون أن تستشيرنا. لذلك نحن نحافظ على المواطنة في هذه الدولة من دون أن نفرط في ولائنا للشعب الفلسطيني، قضية وأرضا ووطنا وشعبا». وأضاف: «نحن جزء من الصحوة الإسلامية العالمية، ونحن امتداد فكري لحركة الإخوان المسلمين، وإن كنا لسنا في الهرم التنظيمي للإخوان، لأنه لم يكن واضح المعالم في فترة الحكم الديكتاتوري في العالم العربي. قد تتضح الآن الصورة أكثر عندما تتوضع حركة الإخوان المسلمين في الدول العربية في مكانها المعترف به إن رموز هذه الحركة، وفي مقدمتها المؤسس حسن البنا، هم رموزنا من الناحية الفكرية، ونهجنا هو النهج نفسه الذي يتبنى الإسلام الشمولي الذي يتناول جوانب الحياة كلها، سياسيا واجتماعيا واقتصاديا ودعويا وفكريا وروحيا».
من جانبه قال الشيخ الخطيب: «نحن ننتمي إلى الشعب الفلسطيني ونعتز بهذا الانتماء وهو مصدر شرف لنا. لكن لا ننفي أبدا أن هناك ما هو أعز علينا من هذا الانتماء، وهو الإسلام. أنا مسلم، أنا عربي، أنا فلسطيني. والحركة الإسلامية تعتبر أن قضية الشعب الفلسطيني هي القضية الأولى للأمة. وإيماننا بعدالة قضيتنا وإيماننا بالظلم الذي وقع على شعبنا منذ النكبة يجعلنا، كأبناء للشعب الفلسطيني ممن بقوا داخل الوطن، نقوم بواجب كبير وهو الحفاظ على هوية هذه الأرض عبر استمرار الصمود والثبات، وللتأكيد على أن أهل فلسطين هم أهل هذا الوطن وأبناؤه وليس الغرباء ولا الدخلاء ممن أتونا من أصقاع الأرض. ونحن نعتز بمركبات شعبنا الفلسطيني الثلاثة. في الشتات وفي الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشريف طبعا، وأبناء الداخل الفلسطيني».
وفي ما يتعلق بحل الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني أكد الشيخ الخطيب: «نحن نؤمن بلا شك بشعار أن يعطى كل ذي حق حقه. ولكننا لسنا مع من يريد أن يتوسل من أجل أن يشفق عليه البعض ويعطيه هذا الحق. نحن كفلسطينيين أصحاب حق شرعي وأخلاقي وقانوني في هذه الأرض. واغتصاب المؤسسة الإسرائيلية لحقنا ليس معناه أن نُقبّل الأيدي والأقدام. أنا أؤمن بأن خيارات شعبنا كثيرة جدا. لكن هناك من أراد اختزال المسافات والزمن وذهب باتجاه مشاريع سميت مشاريع التسوية ومشاريع السلام. وعلى الرغم من مرور تسعة عشر عاماً على أوسلو تبين أن جميع هذه المشاريع سراب. وما يحصل الآن في القدس يبرهن ان هذه السنوات التسع عشرة كانت ذهبية لمصلحة المشروع الصهيوني على حساب الحق الفلسطيني. لكن في الوقت نفسه أنا أؤمن أن القوي لا يمكن أن يبقى قويا إلى الأبد، وأن الضعيف لن يبقى ضعيفا إلى الأبد. وإسرائيل تمادت في غيّها وتغطرست في مواقفها واحتلالها لأرضنا، في ظل وجود حالة ترهل وضعف واستبداد وأنظمة فاسدة. والمتغيرات التي تطرأ الآن على الوطن العربي، وهناك إشارات كثيرة إلى تغيير هذا الواقع تجعل إسرائيل تدرك تماما أنها قد انتهت من شهر العسل والاعتماد على الأنظمة الفاسدة. وتبدو الشعوب اليوم سيدة نفسها. وأدرك تماما أن إسرائيل تعلم أن كل عناصر اللعبة قد تغيرت». وأضاف الشيخ الخطيب: «لا أنكر أبدا أن أمنيتي ورجائي إنما هما إقامة دولة الإسلام، وهذا شيء لا أخفيه. لكن للوصول إلى ذلك يجب أن يأخذ الشعب الفلسطيني حقه الكامل غير المنقوص. وبالتالي يجب ألا يكون السؤال نوافق أم لا، وإنما هل إسرائيل نفسها موافقة على أن تتعاطى بعقلانية مع قضية الاعتراف بحق شعبنا الفلسطيني؟ عند ذلك سيكون الجواب لدينا نحن. ونحن نعلم أن إسرائيل ترفض رفضا باتا حقوقنا، وليس في مفرداتها ولا في مصطلحاتها ولا في قاموسها السياسي، أن تتنازل عن هذه الأرض لمصلحة إقامة دولة فلسطينية، والشعارات الكبيرة التي رفعت في أوسلو وبعد أوسلو جعلت البعض يعيش أحلاما وردية. والآن هذه الأحلام الوردية تتبدد».
ورأى الشيخ أبو دعابس أن حل الصراع «ينقسم إلى عدة أطوار. أولا هناك واجبات علينا نحن في الداخل الفلسطيني، وهي تثبيت الأقلية الفلسطينية في الداخل على دينها وتراثها وقيمها وأصالتها وتثبيتها على أرضها، وألا تجرفنا التيارات وألا نتأسرل أو نضيع هويتنا وانتماءنا. والبعد الثاني هو انتماؤنا لفلسطين، ونتمنى لشعبنا الوحدة وقوة النضال المتماسك وتحصيل الكم الأكبر من الحقوق، ريثما يتحقق الحل المثالي الذي تراه الصحوة الإسلامية في العالم بأسره، وهو وحدة جميع المسلمين في العالم في دولة إسلامية واحدة من جاكرتا إلى طنجة. وعندها ستكون فلسطين ضمن ذلك الكيان الكبير». وأضاف: «نحن نقول في الإجمال إن هناك فصيلين رئيسين في فلسطين: فتح وحماس. وعندما يتفقان على حل فنحن لن نزايد عليهما وسنقبل الحل. ولكن أعتقد أن حل الدولتين غير قابل للتحقق بسبب الصلف الإسرائيلي وبسبب عدم وجود الظهير العربي والإسلامي الذي يدعم الفلسطينيين في نيل حقوقهم، وبسبب تقاعس المجتمع الدولي عن نصرة المظلوم. ونحن كإسلاميين نعتقد أنه إذا لم يكن الحل المثالي قابلا للتطبيق في جيل من الأجيال، فإنه لا ينبغي أن نتنازل عنه بناء على المعادلات الحالية، وإنما قد يُرحّل الحل إلى الجيل القادم. وها هو الربيع العربي يظهر لنا أن الأمور قد تكون أسرع مما نتوقع، وقد تكون هناك تطورات في المنطقة أسرع من مدة جيل واحد».