| 

تمثلت إحدى نتائج حرب 1967 في استئناف اللقاء المباشر بين فلسطينيي 1948 والفلسطينيين في منطقتي الضفة الغربية وقطاع غزة اللتين احتلتهما إسرائيل في تلك الحرب. وساهم هذا اللقاء، فضلاً عن وجود حركات أصولية دينية ومؤسسات للتعليم الديني في تلك المنطقتين، في بروز ظروف جديدة لظهور تيار الإسلام السياسي - الحزبي بين صفوف الفلسطينيين في الداخل. وكان هذا التيار قد اختفى كليًا خلال الفترة بين سنة 1948 حتى سنة 1967، والتي أخضع هؤلاء الفلسطينيون في أثنائها إلى حكم عسكري إسرائيلي شديد الوطأة استمر حتى سنة 1966.
وفقًا لمعظم الدراسات التي تناولت موضوع التنظيم السياسي لدى الفلسطينيين في إسرائيل، فقد باشر في النصف الأول من سبعينيات القرن الفائت عدد من الشباب المسلم الذين أنهوا دراستهم الثانوية، وفضلوا مواصلة دراستهم في كليات ومعاهد الشريعة الإسلامية في مناطق 1967 التي أهلتهم للحصول على لقب شيخ، القيام بنشاط غير منظم في ميدان الدعوة والوعظ الدينيين في مدنهم وقراهم وسائر التجمعات التي يعيش فيها سكان مسلمون في الداخل، ومهد هذا النشاط الأرضية في تلك الفترة لإعادة تنظيم التيار الإسلامي في إطار حركة سياسية ـ اجتماعية منظمة. وبحسب دراسة للباحثين أسعد غانم ومهند مصطفى، فإن سنة 1989 تشكل بداية انتقال الحركة الإسلامية من مرحلة العمل الدعوي والمؤسساتي الأهلي إلى مرحلة العمل السياسي، وذلك عبر خوض انتخابات الحكم المحلي التي جرت في تلك السنة، والتي سجلت فيها نجاحاً كبيراً أمام الحزب الشيوعي وحلفائه، ولا سيما في منطقة المثلث عامة ومدينة أم الفحم خاصة التي أصبحت سلطتها البلدية منذ ذلك الوقت واقعة في قبضتها.

الانقسام
شهدت سنة 1992 أول جدل داخل صفوف الحركة الإسلامية بشأن إمكان خوض انتخابات الكنيست، لكن هذا الجدل حسم بعدم خوضها. واندلع هذا الجدل مرة أخرى عشية انتخابات 1996، لكن هذه المرة تمخض عن انقسام هذه الحركة بين تيار يؤيد عملية الاشتراك في الانتخابات البرلمانية (الجناح الجنوبي) برئاسة الشيخ عبد الله نمر درويش، وتيار يعارض الاشتراك في الانتخابات (الجناح الشمالي) برئاسة الشيخ رائد صلاح. ومنذ سنة 1996 تشهد الساحة السياسية الفلسطينية في الداخل وجود حركتين إسلاميتين، لكل منهما نهج في العمل السياسي: النهج الأول يشترك في اللعبة السياسية الإسرائيلية العامة، والنهج الآخر يقاطع هذه اللعبة. وقد وضعت الحركة الإسلامية ـ الجناح الشمالي قضية المسجد الأقصى المبارك في رأس سلّم عملها السياسي والجماهيري رافعة شعار «الأقصى في خطر»، وبدأت منذ تلك السنة عقد مهرجان سنوي يسمى «مهرجان الأقصى في خطر» يشترك فيه عشرات الألوف من العرب. ويرفض هذا التيار الاشتراك في انتخابات الكنيست من منطلق مصالحه التي يراها، حيث يعتقد ـ بحسب ما أكد الشيخ صلاح في ورقة قدمها سنة 2000 إلى «مؤتمر خبرات الحركة السياسية الفلسطينية في القرن العشرين» ـ أن «إسرائيل كدولة لا يمكن أن ترتقي في تعاملها مع المواطنين العرب ما دامت تتقوقع في يهوديتها، وترى أنها دولة اليهود أولاً وقبل أي شيء، وما دام البُعد الأمني في التعامل مع الأقلية العربية يشكل الركيزة الأساس. وإسرائيل ترفض أن تقدم أي حل وسط يمكن أن يدفع الأقلية العربية نحو حياة كريمة على أرضها المصادرة وفضائها الذي تعيش فيه». وبسبب موقفه السياسي هذا تعرض التيار المذكور لعمليات مضايقة وتحريض وملاحقة سياسية شملت قيادييه ومؤسساته، ووصلت إلى ذروتها في اعتقال الشيخ رائد صلاح في أيار/ مايو 2003 وسجنهم فترات مختلفة بتهم «أمنية».
أما الحركة الإسلامية - الجناح الجنوبي برئاسة الشيخ عبد الله درويش، ثم برئاسة الشيخ إبراهيم عبد الله صرصور (النائب في الكنيست)، وحاليًا برئاسة الشيخ حماد أبو دعابس، فقد خاضت انتخابات الكنيست منذ سنة 1996، بداية ضمن تحالف مع الحزب الديموقراطي العربي، ثم مع هذا الحزب والحركة العربية للتغيير، في إطار القائمة العربية الموحدة التي باتت من ناحية نسبة التصويت القوة الأكبر بين الأحزاب الفاعلة في صفوف فلسطينيي 1948 الممثلة في الكنيست.

جوهر النظرة الإسرائيلية
في الأعوام الأخيرة تتكرّس في إسرائيل أكثر فأكثر المقاربة التي تتعامل مع المواطنين الفلسطينيين باعتبارهم «قضية أمنية إستراتيجية» و«مشكلة ديموغرافية تهدّد الطابع اليهودي للدولة»، والتي كانت لها جذور قوية في الممارسات السياسية السابقة.
ومن آخر النماذج العلنية لهذه المقاربة تكرار وزير الخارجية الإسرائيلية أفيغدور ليبرمان (رئيس حزب «إسرائيل بيتنا» اليميني المتطرف)، في سياق مقابلة أدلى بها إلى صحيفة «يديعوت أحرونوت» في 30 كانون الأول/ ديسمبر 2011، دعوته إلى ضرورة أن يشمل أي اتفاق تسوية بين إسرائيل والفلسطينيين في المستقبل تبادلاً للسكان والأرض، الأمر الذي يؤدي إلى نقل مئات الألوف من عرب 1948، وخصوصًا من منطقة المثلث التي يعيش فيها سكان مسلمون فقط، إلى المناطق التي ستكون خاضعة لسيادة الدولة الفلسطينية العتيدة، مؤكدًا أنه يجب اتخاذ قرار حاسم في هذا الشأن في الوقت الحالي، وأن أي اتفاق بشأن المسألة الفلسطينية لا يأخذ في الحسبان المصير اللاحق لهؤلاء العرب سيكون مثل «انتحار جماعي بالنسبة إلى لإسرائيل».
وتعكس تصريحات ليبرمان هذه جانبًا من برنامج اليمين الحاكم في إسرائيل بشأن التسوية والذي ينص على وجوب ربط حل مسألة عرب 1948 بحل المسألة الفلسطينية برمتها. وكانت اتفاقات أوسلو وما تفرع منها قد خلت تمامًا من أي ذكر أو تلميح بشأن ما سيحدث مع عرب 1948، لكن في الآونة الأخيرة يبدو أن ثمة شبه إجماع إسرائيلي على ضرورة «تصحيح هذا الأمر»، بحجة أن أغلبية الفلسطينيين في إسرائيل منحازة إلى جانب شعبها ضد دولتها، وهذا ما أثبتته وقائع هبّة تشرين الأول/ أكتوبر 2000 التي اندلعت بالتزامن مع انفجار الانتفاضة الفلسطينية الثانية ردًا على وصول عملية التسوية السياسية مع منظمة التحرير إلى طريق مسدودة. وفي أحدث بحث إسرائيلي صدر في هذا الموضوع بعنوان «الفلسطينيون في إسرائيل: كفاح الأقلية العربية في الدولة اليهودية»، رأى المستشرق البروفسور دان شيفتان، المقرب من أصحاب القرار في المؤسستين السياسية والأمنية في إسرائيل، أن فلسطينيي 1948 «غير مستعدين لقبول حل لقضيتهم أقل من الحل الذي يفضي إلى انتحار الدولة القومية اليهودية»، مشيرًا إلى أن استراتيجيتهم لفرض هذا الحل كامنة في «مهاجمة المؤسسة اليهودية من الداخل، بواسطة الأدوات الديموقراطية للدولة والمجتمع، وباسم الديموقراطية والتعددية وحقوق الإنسان». وهو يؤكد أيضًا أن هؤلاء الفلسطينيين يشكلون «حالة خاصة متميزة، لأن الحديث لا يدور على أقلية وأكثرية، بل على أقلية ذات عقلية أكثرية، في مقابل أكثرية يهودية ذات عقلية أقلية». أمّا تصميمهم على عدم فقدان جنسيتهم أو مواطنتهم الإسرائيلية فهو برأيه صادر عن علم بأن أي سلطة عربية لن تعطيهم شكل الحياة الذي يستطيعون إقامته في إسرائيل، بفضل الأكثرية اليهودية.
ويشدّد شيفتان على أن هذا «التصوّر المتطرف» لدى فلسطينيي 48 غير منحصر في القدامى فقط من أولئك الذين عايشوا النكبة أو سمعوا عنها من آبائهم بل يشملهم جميعًا. «ومهما يكن الكلام على جيل أكثر شباباً وثقافة فإنه قد رُبي تربية أعمق على تصوّر فحواه أن الكفاح ضد الدولة القومية اليهودية هو جزء من هويته. وقد بلغنا مرحلة أصبح فيها جزء كبير من الجمهور العربي مستبطنًا هذه الهوية».
ويعتقد باحثون إسرائيليون آخرون أن الجناحين الشمالي والجنوبي للحركة الإسلامية نجحا، على الرغم من الانقسام الذي أصاب صفوف الحركة الإسلامية، وخصوصًا على أرضية العمل والنشاط في إطار مؤسسات السلطة الإسرائيلية والتعاون معها، في إعادة الكثيرين إلى الإسلام، وفي تحويل العقيدة الإسلامية إلى مركز هوية لعرب 1948.
وفي قراءة المستشرق البروفسور رفائيل يسرائيلي فإن الإدارة الناجعة للشؤون المحلية لدى منتخبي الحركة الإسلامية لم تساهم في رفع قامة سكان البلدات والقرى الفلسطينية فحسب، بل قربتهم إلى قيم الحركة وأجندتها الأيديولوجية التي تنادي بوحدة العالم الإسلامي قاطبة، وتجديد نظام الخلافة، وتطبيق «الشريعة» في الحياة اليومية. وذلك كله أوجد مشاركة كثيفة للمسلمين في مهرجانات ومعارض إسلامية خاصة تنظمها الحركة من الجنوب البدوي (النقب) وحتى أعالي الجليل، وتسعى إلى تنمية الوعي الإسلامي والتماثل مع الحركات الإسلامية في العالم، بالإضافة إلى نشاط مكثف غايته إحياء وتجديد مواقع إسلامية منسية، وتنظيف وترميم مقابر إسلامية قديمة، وإعادة ترميم قرى عربية مدمرة.
في المحصلة العامة، فإن هذه الأبحاث كلها تجاهر علنًا بتخوفها من هويتين تكتسبان في الآونة الأخيرة وزنا مضاعفًا لدى الفلسطينيين في الداخل، في مقابل «الإسرائيلية» باعتبارها هوية إشكالية وإقصائية من ناحيتهم:
الأولى، الهوية العربية التي تشكل تضمينا وتوسيعًا للهوية الفلسطينية، وتأخذ عرب 1948 إلى فضاءات أبعد وأشد خطورة، بالنسبة إلى الدولة العبرية. ويُشار في صدد الهوية العربية إلى أن الشعور بالتاريخ والثقافة واللغة الذي يوحد الفلسطينيين في إسرائيل مع شعبهم (العربي) المكوّن من أكثر من 300 مليون نسمة، من شأنه ليس فقط أن يلبي متطلبات هويتهم، بل أن يقيم سورًا منيعًا يقف خلفهم أيضاً ويشكل ضمانة لوجودهم. كما يُشار إلى أن هؤلاء العرب، عبر الحلقتين الأردنية والمصرية، ومؤخرًا عبر الحلقة السورية أيضًا، يجدون صلة مع العالم العربي الكبير. وهذا العالم بقي معاديًا لإسرائيل كما كان، حتى بعد مرور قرابة 34 سنة على السلام مع مصر، و18 سنة على السلام مع الأردن. أما الثانية، فهي الهوية الإسلامية التي ربما تعتبر الهوية ذات طاقة الانتشار والرواج الأكبر لكونها تقفز عن القيود التقليدية المتصلة بالطبقات والحمائل، وكذلك بسبب الحرث العميق والمنهجي الذي تقوم به من أجل «كسب القلوب»، وأساسًا لكونها تكرّس ضمن عقيدة راسخة مجالات حياة وقضايا وشؤون كانت تعتبر حتى الفترة الأخيرة حكرًا على المثقفين والسياسيين وما شابههم. ومنذ اللحظة التي ترتبط فيها وجهة النظر بالركيزة الدينية فإنها تغدو متشبثة بالمطلق النهائي. وبناء على ذلك فإن انتهاج طريق النشاط الإسلامي، كافياً أكان على طريقة «الجناح الشمالي» أو أكثر «اعتدالا» في الظاهر على طريقة «الجناح الجنوبي»، يوفر للمؤمنين به إشارات هادية على امتداد الدرب الطويل نحو تحقيق أهدافهم في المستقبل البعيد. لكنه في الوقت ذاته يمكّنهم من الانفصال قدر المستطاع عن الدولة اليهودية والعيش في هامشها إلى حين زوالها.