| 

اسمه فوز الدين القاوقجي، وفي جسده عشرات الجروح التي وشمت جلده في المعارك التي خاضها في فلسطين وسوريا والعراق ولبنان. كان شجاعاً ومغامراً وغيوراً على العرب في الوقت ذاته. ومع أن الآراء اختلفت في تقويم سيرته، ولا سيما إبان قيادته جيش الإنقاذ في فلسطين، إلا أن ما لا يختلف عليه اثنان هو أنه كان مقاتلاً جسوراً بلا ريب.
كان لديه جواد يحبه جداً اسمه «سوف». وقد مات هذا الجواد بعدما أجهده على جبهة بير السبع ـ غزة في مواجهة قوات الجنرال اللنبي، فانفجرت شرايين الجواد حين حثه على القفز فوق سيل ماء عريض، فنجح الجواد في قفزته، لكنه سقط صريع فارسه. وعلى غراره كانت حياة فوزي القاوقجي التي ذاق فيها أهوالاً كثيرة، وخاض في أثنائها معارك شتى، وفاز بنياشين مختلفة، لكنه سقط في المعركة الأخيرة في فلسطين.

******
بدأ وعيه القومي يتبرعم في المدرسة الحربية في اسطمبول عندما راح الضباط الأتراك يشيرون إلى أصلهم الطوراني، فانقلب الضباط العرب على عثمانيتهم، وبادروا إلى الافتخار بأصلهم القحطاني. ولما تخرج في سنة 191٢ التحق بسلاح الخيالة في الموصل، فاحتاج إلى واحد وأربعين يوماً للوصول إلى ديار بكر، ثم إلى اثني عشر يوماً إضافياً للوصول إلى الموصل عبر نهر دجلة. وكان في إمكانه ان يختصر المدة إلى ثلثها تقريباً لو سار من اسطمبول إلى حلب، لكنه آثر أن يقطع الفيافي للتعرف إلى أحوال الناس في تلك البلاد.

******
كان وسيماً، فأُغرمت به نساء كثيرات. واحدة بدوية في الموصل، وأخرى من بيروت كانت تصطاف في صوفر. وفي ما بعد امرأة ألمانية تزوجها لاحقاً. وعندما أصدر جمال باشا قراراً بتعيينه في بير السبع سنة 1915، تأخر التحاقه بفوجه العسكري، لأن المرأة البيروتية لحقت به إلى دمشق، ورافقته إلى سبسطية في فلسطين، ثم إلى القدس. وعندما كُشف أمره أوقف وأُرسل إلى مقر خدمته في بير السبع، وانقطعت الوشيجة بتلك المرأة.
يروي عن جمال باشا انه قال له في بير السبع عندما جاء إلى تلك المنطقة متفقداً القوات التركية: «لقد أجريت عملية جراحية في قلب سوريا (إعدام الشهداء في 6 أيار 1916)، فإما أن يؤدي قلب سوريا عمله كما أرغب، أو أن تتوقف دقاته إلى الأبد». وقد خاب ظن جمال باشا؛ فاغتيل شر غيلة، وبقي قلب سوريا نابضاً بالعروبة.

******
عمل في ميدان الاستطلاع على جبهة بير السبع ـ غزة، واكتسب خبرة في نصب الكمائن. وقاتل في تلك الجبهة ببسالة، لكنه شهد بأم العين هزيمة الجيش التركي أمام جحافل القوات البريطانية المندفعة نحو القدس عبر سيناء. ومع ذلك لم يتخلَ عن ولائه للدولة العثمانية كما فعل كثير من الضباط العرب، فقاد الهجوم على قافلة للجيش البريطاني غداة معركة السلط في 1/5/1918، وتمكن من أسر بضعة جنود. وفي أثناء تفقد ميدان المعركة عثر على صناديق عدة من الويسكي والبيرة. ولما كان الحر شديداً والماء قليلاً، أطفأ الجنود ظمأهم بالبيرة، وفعل مثلما فعلوا. وعندما وصل إلى مقره العسكري، وكان يترنح، دهش قائد الموقع. غير أنه حين رأى الأسرى والغنائم قال له القائد: «إن مشروبك اليوم حلال». وكانت المعركة الفاصلة للجيش العثماني في فلسطين في 19/9/1918، فاضطر القاوقجي إلى الانسحاب إلى دمشق، التي وصل إليها في 30/9/1918، وألفاها شاحبة حزينة بعد أن غادرها الجيش العثماني، ويروي أنه حين وصل إلى بلدة رياق في طريقه إلى طرابلس، وكانت فيها مستودعات كبيرة للجيش العثماني، وجد الناس كالنحل ينهبون هذه المستودعات. فجلس فوق صندوق من زجاجات الشمبانيا المعتقة. وأمام هول الهزيمة ومرارتها، امتدت يده إلى الشمبانيا ليكرع ما يمكنه أن يخفف عن رأسه عصف الأفكار والأسئلة الصعبة.

******
بلبلت هزيمة الجيش العثماني أفكاره وحيَّرته، وأصيب بصدمة كبيرة، تماماً مثلما صُدم ثانية مع سقوط حكومة الملك فيصل الأول واقتحام الجنرال غورو مدينة دمشق، وأراد أن يقوم بعمل سياسي وعسكري على غرارهما. وفي معمعان هذه الحيرة وهذا الاضطراب عرج الأمير فيصل على طرابلس وهو في طريق عودته إلى دمشق من حلب، وحل ضيفاً على مفتي المدينة عبد الحميد كرامي. ولم يذهب القاوقجي إلى استقبال فيصل، لأنه كان ما يزال على ولائه العثماني. فأرسل الأمير فيصل في طلبه، فجاء إليه، وتمكن من إقناعه بالانضمام إلى الجيش السوري الذي كان ياسين الهاشمي يتولى بناءه. فغادر طرابلس إلى دمشق، وعين آمراً لإحدى سرايا الخيالة. وفي دمشق بدأت مرحلة جديدة من الألم بعد الإنذار الفرنسي للملك فيصل. غير أن فوزي القاوقجي، مثله مثل يوسف العظمة الذي قاتل في ميسلون واستشهد، ذهب إلى الصبورة القريبة من خان ميسلون كي يتصدى للقوات الفرنسية الزاحفة على دمشق، وتمكن رجاله من إسقاط طائرة عسكرية فرنسية وأسروا الطيار ومساعده.
أرادت الحكومة السورية الجديدة التي خلفت حكومة الملك فيصل أن تتعاون مع ذوي الخبرة، فأبقت على كثيرين في مواقعهم ووظائفهم، ومن بينهم القاوقجي الذي عين آمراً لسرية الخيالة في حماه. وفي حماه أسس في سنة 1925 «حزب الله»، وأرخى لحيته، وصار يتعمم ليلاً ويظهر بهيئته الجديدة في المساجد. وفي النهار يعود إلى زيه العسكري. وكان ذلك مجرد مقدمات لكسب الناس استعداداً للثورة على الفرنسيين. وفي 5/10/1925 أعلن انطلاقة ثورة حماه كجزء من الثورة السورية الكبرى بقيادة سلطان الأطرش.

******
في سنة 1936 قاد فريقاً من المتطوعين العرب لنجدة فلسطين، فعبر بادية الشام نحو فلسطين في أحوال قاسية. وفي سنة 1941 قاد فريقاً من المتطوعين العرب لنجدة ثورة رشيد عالي الكيلاني، وعبر بادية الشام، ولكن في الاتجاه المعاكس، وقاتل إلى ان أصيب بجروح خطرة، فاضطر زملاؤه إلى نقله إلى دير الزور ومنها إلى حلب فبرلين التي عاش فيها حقبة من الزمن.
لم يهنأ له عيش حتى في برلين، فاعتقله الجيش السوفياتي في 29/5/1946، أي بعد سقوط برلين، ثم أُطلق بعد نحو شهر حين تبين أن تعاونه مع الألمان كان كرهاً بالإنكليز. لكنه وُضع في الإقامة الجبرية. وقد تمكن من مغادرة برلين في 8/2/1947 إلى باريس، فإلى القاهرة، ثم إلى دمشق، وتقدم على الفور من مجلس جامعة الدول العربية المنعقد في عاليه في 6/10/1947 باقتراح يقضي بتأليف جيش من المتطوعين العرب للدفاع عن فلسطين، فوافق المجلس، وكلفه قيادة هؤلاء المتطوعين الذين عملوا تحت اسم «جيش الإنقاذ»، فأقام مقر قيادته في بلدة جبع بفلسطين، وخاض معارك مشمار هعيمك وزرعين وعارة وقاقون وطيرة قلقيلية والمالكية. وفي نهاية المطاف اضطر إلى الانسحاب من فلسطين بعد هزيمة الجيوش العربية أمام الجيش الإسرائيلي. وكانت هزيمة 1948 نهاية الشوط في حياته السياسية والعسكرية فعاش في عزلة حتى رحل في بيروت سنة 1977.