| 

بقيت الهوية الفلسطينية مصدرا للجدل من حيث آليات تكونها وأشكال التعبير عنها. وانعكس تداخل الهويات الوطنية والقومية والدينية والعالمية على التجمعات الفلسطينية المختلفة، وعلى شعور الفلسطينيين كجماعات خاصة أو متمايزة عن التجمعات الكبرى. وهذا التمايز «الهوياتي» هو نتيجة لعدة عوامل منها الفضاء الجغرافي والاجتماعي، وهشاشة الهوية الوطنية، وغياب مشروع اجتماعي يلغي التمايز الجهوي والحمائلي، والأزمة غير المسبوقة للمشروع الوطني الفلسطيني بصورته الحالية. تضاف إليها الصورة النمطية للمجموعات الاجتماعية ولا سيما شريحة الشباب بخصوصيتها المرتبطة سوسيولوجيا بتغير الجيل. وأهم الفضاءات المميزة هو المخيم باعتباره رمزا للقضية الفلسطينية، ومصدرا للثورة والإلهام، وفي ذات الوقت مكان الفقر والتهميش والنظرة الدونية والتنميط.
إن ندرة الدراسات والمراجع التي تتناول موضوعات الشباب الفلسطيني، تعكس إلى حد بعيد، قلة الاهتمام بالشباب ودورهم في عملية التغيير الاجتماعي والوطني. ولا يمكن الحديث عن الشباب الفلسطيني كشريحة اجتماعية موحدة ومتجانسة في ضوء التوزع الفلسطيني المبعثر والمتباعد، يضاف إلى ذلك ارتباط قضايا الشباب الفلسطيني بقضايا كبرى أهمها التحرر الوطني، والتبعية، وثقافة التسوية والتطبيع، والعنف، والعولمة والشباب الفلسطيني كأشقائهم قي البيئة العربية الحاضنة، يعانون مشكلات داخلية وخارجية تحول دون تحقيق طموحاتهم. وواقعهم الحالي هو نتاج صيرورة أوضاع تاريخية تخص المجتمع الفلسطيني. وقد تجلى الشباب الفلسطيني، كحقيقة اجتماعية في جميع الأوقات العصيبة التي مر بها الفلسطينيون. وهناك عدة عوامل لها تأثيرها المباشر في تشكيل شخصية الشباب الفلسطيني لما تمليه من تراكم لخبرات شعورية ونفسية وذهنية. من هذه العوامل:

أولاـ العامل السياسي
في مرحلة اكتشاف الذات وبلورة الشخصية أو ما يسمى «بأزمة الهوية» التي يكتنفها في الغالب شعور بالاغتراب، يتجلى هذا الشعور في أعراض تتمثل في التمرد والرفض للواقع السياسي والاجتماعي والثقافي. وما دام الشباب لم يعيشوا الماضي فليس عندهم ما يجعلهم يقتدون به، وما داموا غير مشاركين في صناعة الحاضر، فلا دافع لديهم للدفاع عنه. أما المستقبل، شاؤوا أم أبوا فإنه لهم، وهو فضاء خصب لأحلامهم وطموحاتهم وتصوراتهم البكر غير المجهدة.
شكل الشباب الوقود المحرك لمسيرة الثورة والعمل الوطني الفلسطيني خاصة في أطر الحركة الوطنية السياسية على اختلاف تلاوينها، أما تراجع الحركة الوطنية، والانقسام الفلسطيني، والانكسارات والهزائم المتتالية، فقد أثر ذلك كله، سلبا في أحلام التحرر الوطني، وأضحت شعارات المقاومة والحرية تمثل تناقضاً لدى الشباب بين ما يقال وبين ما يمارس.
والشباب الفلسطيني بتجاربه القاسية، والتهديد الوجودي والإنساني له من خلال انتهاكات جميع حقوقه، وتقسيمه إلى أشلاء، وتبدلات وتغيرات المحيط، تحول جراء ذلك، إلى مجرد تجمعات بشرية مؤطرة و مقولبة بشروط الجهة المضيفة، وهذا أدى إلى تضارب المصالح والنزاعات بين أبناء الشعب الواحد في بعض الأحيان.

ثانياـ الاغتراب
في ظل الضغوطات السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية المتكررة والدائمة على الشباب الفلسطيني الباحث، عن التوازن والهدوء الداخلي والتكيف، تزداد الأمور، صعوبة وتعقيدا، فتسود حالة من العبثية والعنفية، والاستهتار والتمرد، ويصبح هناك نوع من التكيف السلبي يزداد بزيادة الضغوط الخارجية على المجتمع وخاصة الشباب الذي هو جيل عاصف بالتغييرات السريعة.

ثالثاـ غياب المؤسسات
إن غياب أطر تحتوي الشباب وتستوعب مشكلاتهم وتساعدهم في تطوير قدراتهم الإبداعية وخلق نماذج إيجابية من أجل تأهيلهم ليكونوا قيادة مستقبلية تحمل روح الشباب والعطاء والقوة، هو أحد عناصر تكوين الشخصية الحالية للشبان الفلسطينيين، وأحد معوقاتها في الوقت ذاته.
في مرحلة النهوض الوطني في عقدي الستينات والسبعينات، عاشت الحركات الشبابية مرحلة مهمة في ظل مؤسسات شبابية ونقابية، حيث لعبت هذه الأطر على الرغم من سلبياتها، دورا كبيرا في مجال بناء الشباب الفلسطيني وتنمية قدراتهم وتثقيفهم. وكان كثير من الشباب الفلسطيني يفجر انفعالاته في العمل السياسي. بينما اليوم وفي ظل شرطهم الذاتي والموضوعي يعانون حالة من الانكسار والإحباط، والتهميش.
لا يمكن القول بأن لدينا مجتمعاً مدنياً متبلوراً، كما أنه ليس مجتمعاً تقليدياً خالصاً، إنما هو مجتمع خليط. ويأتي هذا الخلط من الموروث الاجتماعي والنظام التعليمي والأوضاع التاريخية والسياسية والاقتصادية التي مر بها المجتمع الفلسطيني والفرد كجزء من النظام الاجتماعي السائد في المنطقة.

مخيم اليرموك نموذجا
أنشئ المخيم عام 1957، وهو أكبر تجمع فلسطيني في سوريا، مع أن الأونروا لا تعترف به مخيماً. ويبلغ عدد الفلسطينيين المسجلين في جداول وكالة غوث وتشغيل اللاجئين154،123 نسمة وفق إحصاءات الأول من كانون الثاني 2012.
تتوزع قوة العمل على القطاعات الاقتصادية كالتالي: 60,5% يعملون في قطاع الخدمات والصناعات التحويلية، والنسبة الباقية تتوزع على مهن أخرى وعمالة مؤقتة وباعة متجولين. ونسبة البطالة تتراوح مابين 20 و25%. ونسبة الأمية بين الذكور تبلغ نحو 2%، وبين الإناث 5,5%. وبرز من أبناء المخيم أطباء وصيادلة ومهندسون امتازوا بالكفاءة التي حققوها في أكثر من ميدان، وهناك ما لا يقل عن 100 معيد وأستاذ جامعي فلسطيني يحاضرون في جامعة دمشق وحدها، وكثير من الفلسطينيين تبوأ مناصب حساسة ومهمة في الدولة.
منذ بداية الثمانينيات، شهد المخيم ازدهاراً اقتصادياً ارتبط بحركة البناء، الأمر الذي حوّله، إلى تجمع بشري واقتصادي خليط، حيث الكتلة الكبرى فيه من السوريين الذين وجدوا في المخيم فرصة ثمينة للإقامة والتجارة والعمل والربح. وهكذا راح المخيم يشهد تغيرات كبرى، اقتصادية وعمرانية مع قدوم رأس المال الدمشقي في منتصف الثمانينات، ورأس مال اللاجئين العاملين في الخليج وتعويضات موظفي الاونروا، والمال السياسي الفصائلي، ما خلق حركة تجارية وعمرانية نشطة، وأسس لمجتمع أكثر مدينية من نظام العائلة أو العشيرة.
جراء هذه الطفرة الحضرية حدثت تبدلات ومقاربات جديدة للهوية تغاير مثيلاتها في المخيمات الأخرى، وربما يكون هذا تجلياً لأحد أكثر الإشكالات الفكرية والسياسية والاجتماعية الفلسطينية. وتمكن الشباب الفلسطيني في المخيم، في ظل صعود القضية الفلسطينية والمؤسسة الوطنية ألجامعه التي عبرت عنها م.ت.ف. من بلورة هويتهم الاجتماعية وشخصيتهم الوطنية كرد على الاقتلاع وتحد لتذويب الهوية. لكن تغيرات البيئة الحاضنة، وانفراط المشترك الوطني، وتقزيم الأحلام، وغياب المؤسسة الوطنية أدى ويؤدي إلى انفجار الخصوصيات، فيما يشبه هجوم غريزي لملء الفراغ. والمخيم اليوم، نصف سكانه عاطلون عن العمل، أو عمال مياومة، وقلة هم أصحاب رؤوس الأموال. أمّا الطبقة الوسطى فأغلبها تميل إلى الانطواء والابتعاد وعدم المشاركة في العمل السياسي. وإذا ما أضفنا تبدلات الوضع السوري وتشظيات أحداثه حينها ندرك خلفيات حالة القلق الدائم والخوف التي تتلبس الفلسطينيين، ولا سيما أنهم تُركوا وحدهم يواجهون قدرهم ومصيرهم بعد اتفاق أوسلو 1993. لقد فقد ابن المخيم ثقته بقادته، ومختلف الفئات السياسية فشلت في تشكيل نسيج متناغم. لذلك بدا مخيم اليرموك دائماً على أهبة الانفجار، وشكّل مصدر حذر وقلق لكثيرين. فلا أحد من قادة الفصائل اليوم يستطيع الدخول إلى المخيم في المناسبات من دون حرسه الشخصي. وما حصل في إطار «مسيرة العودة» باتجاه الجولان المحتل في أيار 2011، وما تلاها من «أحداث موقعة الخالصة» حين رفع شعار: «الشعب يريد إسقاط الفصائل» إنما كان دليلاً أراد الشباب الفلسطيني في سوريا من خلاله إثبات، إنهم فاعلون أساسيون في المسألة الفلسطينية تعبيراً عن رفضهم لأي توريط أو توظيف لهم في الأزمة السورية.
إن التغيرات والتبدلات الطارئة أدت إلى تغييرات في تكوين المخيم. وهذه التغيرات ما هي إلا انعكاس طبيعي للتغيرات في البيئة الحاضنة التي من شأنها التأثير في تكوين الهوية الفلسطينية. والشباب الفلسطيني لم يبلغ درجة الانصهار قط، فالفلسطيني يبقى لاجئاً مهجراً من وطنه، ويعيش حالة بينية إلى حين العودة، مهما كان مستواه الاقتصادي. وهذا الوضع البيني أدى إلى إصابة الفلسطيني بانفصام بين المكان المتخيل والمكان الحقيقي، وأفضى إلى أسطرة المكان، وبالتالي أسطرة الزمان والوجود، وأصبح الفلسطيني لا يقبل أي تبخيس لأسطورته .. إن الهويات المتعددة في حالة الصعود الوطني تؤدي إلى إغناء الهوية، وفي حالة الانحسار يمكن أن تزداد قوتها لتشكل هويات جديدة.

خاتمة
إن إمكانية عودة الشباب الفلسطيني إلى واجهة العمل الوطني واستعادتهم زمام المبادرة لتغيير الواقع الفلسطيني المزري على جميع الصعد مسألة مشكوك فيها في المدى المنظور لاعتبارات عدة من أهمها الانقسام الفلسطيني وما خلفه من إحباط وتقزيم للشخصية الوطنية الفلسطينية وما أفرزه من آليات وأدوات تستفيد من الانقسام وستدافع عنه حتى النهاية.
في مواجهة ذلك يصبح من الحيوي إعادة انتاج ثقافة تؤسس لرؤية وطنية جامعة، وتستند إلى معرفة الذات والآخر من خلال قراءة الخصوصيات في إطار التحولات والشروط الموضوعية، والأدوار المناطه بها في سياق إستراتيجية قادرة على تحويلها إلى انساق تاريخية متنوعة تتجه إلى القاسم الوطني المشترك، أي جعل الثنائية الفلسطينية بين شرعية واقع متبدل وطارئ وقسري والاتجاه الرئيسي الجامع تتجه إلى تحقيق الرابط الوطني الذي احتل مكانته في الضمير الجمعي وهو شرعية الحلم.

* صحافي فلسطيني مقيم في دمشق