| 

تتخذ تحديات الوضعية المجتمعية الهشّة لمخيمات اللاجئين الفلسطينيين في الأردن منحى أكثر خطورة بين الفئة الشابة، بعدما أفضت إشكاليات «الهوية» و«المواطنة» و«الدمج»، الناتجة عن ضبابية الموقف الرسمي حيال التعاطي معهم، إلى «الحرمان» و«الإقصاء» و«التمييز»، بحيث باتت المظاهر السلبية الحادة أحد الأشكال المعبّرة عنها، من دون المسّ بثابت حق العودة بالنسبة إليهم.
إلا أن التسلح الرسمي بناصية «تثبيت حق العودة ورفض التوطين» أمام المقولات الصهيونية عن «الخيار الأردني» و«الوطن البديل»، صار مبرراً لإجراءات عملية، وصفت بغير إنسانية ولا قانونية، مثل سحب الجنسية والإبعاد، وعمق ذلك من حدّة الظروف المعيشية القاهرة التي تطال حياة لاجئي المخيمات، ولا سيما الشباب منهم المقدرين بنحو 20% من إجمالي مليوني لاجيء مسجلين لدى وكالة الغوث الدولية (الأونروا) في الأردن.
وإذا كانت «المواطنة الأردنية» التي مُنحت لغالبية اللاجئين الفلسطينيين في إطار وحدة الضفتين عام 1950 (إلى أن صدرت تعليمات فك الارتباط عام 1988) قد انعكست على وضعيتهم القانونية وممارستهم للعمل العام (السياسي والنقابي والمدني وغيره)، فإن حقوق المواطنة ما زالت في جانب منها نظرية. وعلى سبيل المثال فإن النظام الانتخابي النيابي يحدّ من تمثيل الأردنيين من أصل فلسطيني في مجلس النواب بما لا يتناسب مع نسبة وجودهم في المجتمع الأردني، التي تفوق 50%، أو مع حجم أدائهم الاقتصادي والاجتماعي. كما أن نسبة كبيرة من المناصب الحكومية الرسمية، ولاسيما في قطاعات معينة، تخصص في المقام الأول للمقيمين من أصل أردني، الأمر الذي أدى إلى ظهور تيار يعرف «بأصحاب الحقوق المنقوصة» ممن يتحدثون عن التمييز الذي يتعرضون له في شتى المجالات الحياتية، في ظل مبالغة أوساط سياسية أردنية، في تعظيم «فزاعة» التوطين و«الوطن البديل»، التي هيمنت على الجدل الوطني العام في البلاد مؤخراً، وغالباً لأسباب داخلية ومصالح ضيقة بهدف «تحجيم» تمثيل هذه الشريحة من المواطنين وإضعاف دورها السياسي، فنشأت طروحات «المواطنة المشروطة» و«العودة السياسية» للاجئين، التي تعني، بشكل أو بآخر، حرمان الأردنيين من أصول فلسطينية من حقوقهم السياسية في البلاد.

أزرق وأخضر وأصفر
لكن مفهوم «المواطنة»، لا ينطبق، كلياً، على شريحة واسعة من الفلسطينيين المقدرين بأكثر من مليون شخص، حوالى 20% منهم من الفئة الشابة، ممن لا يحملون الجنسية الأردنية، ويضمّون، إضافة إلى أبناء قطاع غزة المقدرين بنحو 300ـ 350 ألف نسمة، مئات ألوف الفلسطينيين الذين تأثرت أوضاعهم القانونية بقرار فك الارتباط، بتصنيفاتهم «الملونة» وفق البطاقات التي بحوزتهم، والتي تفصل بين حدّي المواطنة وعدمها، حيث لا يحمل أصحاب البطاقات الخضراء والزرقاء الرقم الوطني، الذي يُعطى بشكل موقت لأغراض معينة، خلافاً للبطاقات الصفراء، وتقيم نسبة كبيرة منهم في المخيمات، حيث يضم مخيم جرش (غزة)، على سبيل المثال، 20 ألف لاجئ، ومثلهم تقريباً في مخيم سوف، ما يتعارض مع مفهوم «دولة المواطنة»، ويخلق تحديات الإبعاد والتفاوت في التمثيل والتهميش عن الحياة السياسية، بفعل مقاومة الدمج باسم تأكيد الهوية.
عزّزت الوضعية السياسية والقانونية الخاصة باللاجئين تنامي مفردات عدم الرضا بين صفوف الشباب، جراء شعورهم بالحرمان والإقصاء من الحياة السياسية والتعليم الملائم وفرص العمل المتساوية، في ظل تقديرات غير رسمية تشير إلى أن 16% من القاطنين في المخيمات عاطلين عن العمل، مقابل 39% في مخيم غزة، بينما تبلغ بين صفوف اللاجئين داخل المخيمات وخارجها حوالى 25%، فيما يقع نحو 31% من مجمل العائلات في المخيمات تحت خط الفقر وبمعدل أعلى في المخيمات الواقعة شمال المملكة بنسبة 36%، بينما ترتفع النسبة في قطاع غزة إلى نحو 64%.
أدى ذلك إلى عدة نتائج؛ منها توجه 33,1% من الشباب في المخيمات إلى العمالة غير الماهرة، علماً أن فرص التعليم غير متساوية أمام اللاجئين، إذ يخصص لأبناء المخيمات 300 مقعد سنوي فقط في الجامعات الرسمية، بمكرمة ملكية، فيما تنعكس الوضعية القانونية لأبناء غزة على أوضاعهم المجتمعية السيئة من خلال وضع الضوابط على عملهم في القطاع الحكومي مقابل فرص محدودة في القطاع الخاص، فيما تغلق أمامهم أبواب تلقي التحصيل العلمي في الجامعات الحكومية بينما تحول أوضاعهم الاقتصادية السيئة دون الالتحاق بالدراسة في الجامعات الخاصة، إضافة إلى عدم شمولهم بالتأمين الصحي أو الضمان الاجتماعي.

مشكلات نمطية
حملت الظروف الصعبة بعض الأسر إلى إخراج أبنائها من مقاعد الدراسة للالتحاق المبكر بسوق العمل ورفد العائلة بمصدر دخل يساعدها على مجابهة متطلبات الحياة. وتشكل عمالة الأطفال أحد التحديات الشائكة في ضوء معطيات تشير إلى أن نحو 6,9% من أطفال المخيمات من عمر 15 عاماً فما فوق يعملون في مهن بسيطة، مقابل 30% منهم يعملون في أعمال مهنية وتصنيعية حرفية متعددة. ويدفع هذا الوضع بالشباب إلى التفكير في الهجرة للبحث عن آفاق حياتية أفضل، على الرغم من أن المنظومة المجتمعية السائدة قد تحدّ أحياناً منها، بسبب الروابط الأسرية الغالبة. إلا أن ذلك يرتبط بظاهرة تأخر سنّ الزواج، وما قد تقود إليه من سلوكيات اجتماعية غير لائقة، تُحدث ضرراً في المجتمع.
ويفرض الاكتظاظ السكاني تبعاته السلبية أيضاً، في ضوء أرقام الأونروا التي تبين أن نحو 46% من مساكن اللاجئين تحوي 3 أفراد أو أكثر في غرفة واحدة لا تتجاوز مساحتها 15 متراً مربعاً مقامة على قطعة أرض لا تزيد مساحتها على 80 أو 90 متراً مربعاً، داخل المخيمات التي تتلاءم مع الزيادة الطبيعية للسكان، ما دفع بأغلبية أهالي المخيم إلى التوسع عمودياً ببناء طبقتين أو ثلاث طبقات فوق الوحدة السكنية الأصلية.
وبسبب غياب أي نشاط خارج مقاعد الدراسة، خاصة في العطل الصيفية، وإزاء نسبة العاطلين عن العمل في المخيمات، وضيق مساحة السكن، وخنق المساحات العامة والمناطق الخضراء داخله لتصل إلى أقل من 10% من مجمل المساحة الكلية، فإن أزقة المخيم ونواصيه تصبح المكان المفضل لتجمعات شبابه من غير القادرين على ارتياد الأندية الرياضية، ما ينتج إشكاليات اجتماعية جراء العنف اليومي والاحتكاك اليومي المباشر.
إن إسقاط الضغوط المجتمعية على واقع المخيمات يجد قنواته في سلوكيات سلبية، مثل جرائم السرقة والقتل والاعتداءات المتكررة، بينما باتت ساحات المدارس، خارج نطاق الدوام اليومي، ملاذاً للشباب العاطلين عن العمل، أو لأولئك الذين لا يحملون رقماً وطنياً ويشعرون بالغبن والتمييز، من أجل «تفريغ» معاناتهم، عبر شرب الكحول وتعاطي المخدرات وبيعها، ولا سيما الحبوب المخدرة الواسعة الانتشار لرخص ثمنها وسهولة ترويجها. وقد يتخذ العنف أنماطاً أخرى مثل الاعتداء على مدارس الإناث التابعة للوكالة، كما حدث مؤخراً في مخيم الوحدات، والعنف الأسري الذي يمتد صوب النسق المجتمعي الأوسع، على الرغم من الافتقار إلى معطيات رقمية دقيقة، بسبب المنظومة القيمية السائدة التي تحظر أحياناً اللجوء إلى المراكز الأمنية.

بلطجية
برزت مؤخراً داخل المخيمات ظاهرة لافتة تحمل سمة «الإستقواء» التي تلجأ إليها فئة شبابية تعتمد أسلوب «البلطجة» للسيطرة على المخيم وتحصيل ما يعرف «بالأتاوة» نظير الحماية أو السماح «بالبسطات» العشوائية المنتشرة في المخيمات، أو تأجير مساحة من المخيم لآخرين، ما يؤدي أحياناً إلى وقوع الخلافات والاعتداءات واستخدام الأدوات الحادة، فيما تغيب الجهات الرسمية عن المشهد. وبات العنف يظهر بجلاء في لعبة كرة القدم بين فريق الوحدات الرياضي وأي فريق أردني آخر، تصل إلى الاعتداء والتخريب والتراشق اللفظي المتبادل، وهو ما حذرت منه الأونروا في دراسة أصدرتها العام الماضي عن تأثير إقصاء وحرمان الشباب اللاجئين من ممارسة حقوقهم القانونية والمشاركة في الحياة السياسية والاجتماعية، على عملية التنمية في البلاد.
بيدّ أن للاجئين في المخيمات كلمة مغايرة، حيث يعدّون تلك المظاهر السلبية «طارئة»، وليست أصيلة، نمت بعد عام 1991 بسبب توافد أعداد من غير اللاجئين للعيش في المخيمات، فبات مخيم الوحدات وحده يضم 40% من غير اللاجئين، بينما أدت الأحداث المتعاقبة في المنطقة إلى تقاطر جنسيات أخرى على الأردن ارتأت الإقامة في المخيمات، لأسباب مختلفة، ما أدى إلى بروز ظواهر اجتماعية واقتصادية سلبية، خارجة عن نطاق مجتمع اللاجئين، الذين يلتفون حول منظومة قيمية مجتمعية تشكل «الحاضنة الاجتماعية» والبيئة الحصينة أمام التحديات، ويتوحدون حول هويتهم الفلسطينية والتمسك بحق العودة.

خلاصة
إن الحديث عن أهمية توفر الحقوق السياسية والمدنية للاجئين الفلسطينيين في الأردن، بما يتناسب مع وزنهم العددي وحجم أدائهم الاقتصادي والاجتماعي، بانتظار عودتهم إلى أراضيهم وديارهم التي هُجّروا منها، لا يخلّ بتمسكهم غير القابل للاهتزاز بحقهم في العودة إلى وطنهم فلسطين، ولا يعني، بشكل أو بآخر، دعوة إلى «التوطين» المرفوض كلياً. فقانونياً؛ فإن حق العودة ينطبق على جميع فلسطينيي الشتات ممن يحملون الجنسية الأردنية وأولئك الذين لا يحملونها، بمن فيهم أصحاب البطاقات الصفراء والخضراء وأبناء غزة.

* كاتبة من الأردن.