| 

تكوّنت فكرة مقارنة العنف في الضواحي الفرنسية بالعنف في مخيم البداوي للاجئين الفلسطينيين في لبنان، من الخبرة في العمل لأكثر من ثلاث سنوات كعاملة اجتماعية في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، علاوة على المناقشات مع الأخصائيين والعاملين الاجتماعيين في مجال التوعية في الأحياء المعروفة «بالصعبة» في فرنسا، ثم أن وسائل الإعلام وكذلك البحوث الغربية عن اللاجئين الفلسطينيين راحت تتحدث عن الثقافة العنفية وعن العنف كوسيلة للحياة، سواء في الأحياء المعروفة باسم «الدرجة الثانية» في فرنسا أو في مخيمات اللاجئين في لبنان. وفضلاً عن ذلك كنت حيثما أذهب في فرنسا، أسمع كلمة عنف تتردد باستمرار. أما في لبنان ومخيمات اللاجئين، فمشاهد العنف والعنف الشديد تمر من دون استخدام كلمة عنف لوصف هذه المشاهد، باستثناء استعمالها مؤخرا، في المخيمات الفلسطينية لدى الجهات المانحة والممولة للمشاريع الاجتماعية.
إن للعنف عروة يتبدلها الناس بحسب مكانهم وزمانهم، حيث أن للعنف أيضا معاني كثيرة متشابهة ومختلفة بحسب من ينظر إليه ومن يعايشه. إن للعنف معاني متعددة مرتكزة على مراحل تغيير القواعد والمعايير المطبقة في المجتمع. فلم تولد حتى يومنا هذه نظرة شمولية تصف العنف المحض، لأن سلوك الفرد في الجماعة لا يأخذ تعريفه إلا من خلال نظرة اجتماعية تاريخية خارج منطق السبب الحقيقي لذلك السلوك. ويتم الحكم على أعمال العنف وفقا لما ينتج عنها من نتائج سلبية أو إيجابية بحسب وجهة نظر الضحية أو الجاني. بيد أن للعنف وجهاً مزدوجاً: فهو إما بنائي منظم ودفاعي، وإما مدمر وقاتل.
بعد سنوات من التمحيص والبحث خلف آثار العنف في المجتمعات المهمشة والمناطق العشوائية وجدت أن للشباب في مناطق البؤساء نظرة مختلفة عن تلك التي تشدنا إليها النظريات ونشرات الأخبار، وقمت بمقارنة «شباب الوسط وشباب الهامش: وأقوالهم وآرائهم عن العنف»، استناداً إلى شهادات من شباب الضواحي الباريسية في فرنسا وشباب من مخيم البداوي للاجئين الفلسطينيين في شمالي لبنان. وكان هدفي إعطاء الفرصة لهؤلاء الشباب للتعبير عن معاني العنف بحسب مفاهيمهم الخاصة، من خلال مواقف عاشوها أو تعرضوا لها. بمعنى آخر كل عنف تعرضوا له جسديا أو رمزيا، شرعي أو غير شرعي، كان قد عرقل تنمية قدراتهم وتفاعلهم وفاعليتهم في المجتمع.
يواجه الشباب الفلسطيني في مخيمات اللاجئين نوعا من العنف المزدوج. حيث تتجسد تلك الازدواجية بالعنف الداخلي في مجتمع اللاجئين، أي بين الأفراد أو المؤسسات، وبالعنف الخارجي الذي تمارسه الدولة اللبنانية بشكليه: الهيكلي المنظم والاستثنائي الموقت، حيث يطبقان من خلال سلطة القانون والقضاء وسلطة العقوبات.

العنف المنظم والاستثنائي الموقت
يظهر العنف الهيكلي المنظم من خلال سلطة القانون وسلطة العقوبات. فالعنف بسلطة القانون يتمثل بالتمييز في القوانين المصاغة بعناية دقيقة، ومنها تلك القوانين التي تمنع الفلسطيني من حق الملكية ومن الاستفادة من الضمان الاجتماعي، علاوة على قوانين العمل وشروطها التي ما زالت تتغير وتتبدل في كل سنة منذ 1951 حتى يومنا هذا. ويظهر في قراءتي الأولى للمجتمع الفلسطيني في لبنان، أن التمييز بجميع أشكاله الاجتماعية والسياسية لم يساعد الدولة اللبنانية في تحويل هؤلاء الشباب إلى جسد اجتماعي يطيع قوانينها بشكل كامل، حيث يظهر ذلك جليا في محاولات الشباب الالتفاف على القوانين كنوع من المقاومة المشروعة.

سلطة العقوبات
تمتاز سلطة العقوبات بتدخلها المباشر في مجتمع اللاجئين. فمنذ لجوء الفلسطينيين إلى لبنان في سنة 1948 ركزت الحكومة على حصر اللاجئ في حيز معين من الأرض من أجل السيطرة على جميع نشاطاته. وهذا النوع من العنف يترجم من خلال عملية تقسيم اللاجئين في المخيمات بحسب المناطق في مساحات مغلقة يقطنها اللاجئون وحدهم، ما يجعلها بعيدة عن كل ما هو لبناني. وتمتاز هذه الأماكن بجوها الخاص وبقوانينها الخاصة التي تساهم في تنظيم المخيم داخليا بغياب سيادة القوانين والدولة أو بغياب المؤسسات كالشرطة والجيش... إلخ، الأمر الذي يظهر سكانها إلى تنظيم أنفسهم من أجل توفير الأمان والحماية. ويعد المخيم من وجهة نظر الشباب، المكان الذي فرضت عليهم الإقامة فيه من دون أن يختاروه، غير أن الحماية والأمان المتوفرين فيه بعيداً عن اضطهاد السلطة اللبنانية يشكلان حافزين على البقاء والعيش فيه. وعلى الرغم من الفوضى العارمة يبقى المخيم المكان الأفضل للشباب من حيث العلاقات الاجتماعية والترابط الأخوي، فضلاً عن التكاتف وشعور الاعتزاز والانتماء المشترك لقضيتهم.
تفرض سلطة العقوبات نوعاً من السيطرة على النشاط، مثل حظر حرية النشاط المهني والاجتماعي حيث يجد الشباب أنفسهم محدودين في حيز المخيم فقط. ومع ذلك نجد بعضا منهم استطاعوا أن يخرجوا من حيز المخيم وأن يمارسوا أعمالهم أحيانا.
تعمد سلطة العقوبات والتنظيم منهجا ثالثا لضبط اللاجئين في المخيمات. فمنهج حق المواطنة والحصول على الجنسية اللبنانية شهد خلافات ونقاشات طويلة في الشارع اللبناني من دون أن يتغير النهج منذ سنة 1949. فمنذ وصول أول لاجئ إلى لبنان وضعت سلطة العقوبات نهج منع حق الفلسطيني من الحصول على الجنسية. فقانون المواطنة الذي تطبقه سلطة العقوبات يعتمد على الانتماء الديني والمرتبة الاجتماعية. ومن بين الطرق التي طبقتها السلطات اللبنانية كان منطق الرأسمالي الذي يخولهم استغلال القوى العاملة الفلسطينية من دون إعطاء حقوق العمل والتأمين الصحي له.

مخيم نهر البارد
أما العنف الاستثنائي الموقت فالنموذج هو مخيم نهر البارد. فالصراع الذي دار بين الجيش اللبناني وخلية فتح الإسلام في نهر البارد يقدم لنا مثالا معتمدا لتحليل هذا النوع من أنواع العنف الخارجي الذي يعانيه اللاجئ الفلسطيني في لبنان. وقد أدى القصف الصاروخي والمروحي الذي استخدمه الجيش إلى نكبة أخرى للاجئي مخيم نهر البارد، فقد تم هدم كثير من المنازل وسدت الطرقات كما لو أن عملية توغل إسرائيلية قد وقعت في الضفة والقطاع. وبعد أكثر من شهر من القصف دُمر المخيم بشكل كامل، ونزح سكانه إلى مخيمات أخرى في لبنان. وكان لمخيم البداوي النصيب الأكبر في تلك النكبة؛ إذ أدت عملية التدمير إلى نكبة إنسانية اقتصادية واجتماعية رديفة.
في بداية النزوح كان مخيم البداوي يمارس نوعا من التكاتف والتضامن مع سكان مخيم نهر البارد. لكن التدمير الكامل للمخيم زاد عدد النازحين، ما أثار نوعا من الفوضى والخلل في النظام الاجتماعي الذي كان موجودا بشكل مستتر. وبذلك التزايد في عدد النازحين انقلبت موازين معادلة التضامن، حيث أصبح سكان مخيم البداوي يدافعون عن حقهم بالأقدمية في ذلك المخيم ضد العدد الكبير من النازحين من مخيم نهر البارد.
إن ذلك الانقلاب في معادلة التضامن تبلور في أثر العنف الذي تسببت به سلطة القضاء والقانون التي تمنع على الفلسطيني حق ملكية مكان إقامته. ولأن القوانين غابت، وبقي حق الأقدمية في الدفاع عن الأرض التي تقام عليها البيوت، خلق، ذلك كله، عنفا داخليا بين اللاجئين.

عنف الـ«أبارتشيك»
علاوة على العنف الذي يعانيه اللاجئ الفلسطيني جراء قوانين السلطات اللبنانية وإجراءاتها، فإن العنف الذي يتسبب به الـ«أبارتشيك»(**) يشكل نسبة من تحليلي لواقع العنف بين الشباب الفلسطيني في مخيمات لبنان. فهؤلاء الأعضاء بفصائلهم ومؤسساتهم يشكلون عاملاً آخر من مسببات المعاناة المؤدية إلى انتشار العنف. إن اتفاقية القاهرة مع منظمة التحرير الفلسطينية كانت نقطة تحول وإدراك في حياة اللاجئ في لبنان. ففي سنة 1969 خرج المخيم من تحت سلطة الدولة، الأمر الذي منحه نوعا من الاستقلالية في شؤونه الداخلية. ولكن تلك الحصانة لم يدرك حسناتها اللاجئ إلا بعد توقيع اتفاقية أوسلو في سنة 1993، حيث عاش اللاجئ فترة من الرغد لمدة ثلاثة عشر عاماً ما بين 1969 ـ 1982 تحت سلطة منظمة التحرير التي وفرت له نوعا من كرامة العيش. أما بعد 1993 فقد انقلبت الأحوال السياسية والاجتماعية في المخيمات بعد توقيع معاهدة السلام مع إسرائيل وأصبحت الضفة الغربية مقر السلطة، فهمشت المخيمات التي كانت، على مدار سنوات، قاعدة السلطة الشعبية للقضية الفلسطينية. ذلك التهميش أخذ يتدحرج ككرة ثلج تكبر ولا تذوب، حتى بات المخيم لا يتلقى أي تعليمات من سلطته أو ممن كانوا يمثلوه يوماً ما.
ومن الحري بالذكر أن التأييد الشعبي الذي ناله المقاومون استمد زخمه من أهدافهم الرامية إلى تحرير الوطن المسلوب، ولكن هذا الانعطاف الذي اتخذته منظمة التحرير في أوسلو أفقد اللاجئين الثقة بمن كان يمثلهم. ولم يبق في المخيم من يمثل منظمة التحرير إلا القليل من قاعدتها مثل لجنتها الشعبية التي أصبحت الهيئة الوحيدة التي ورثت منظمة التحرير في المخيم، والتي حاولت لعب دور المنظمة بوظائفها الإدارية والاجتماعية والأمنية. كما تطور، جراء هذا الإهمال، بدائل حلت في محل اللجنة الشعبية مثل الروابط العائلية والمرشدين الروحيين.
العنف في المجال التربوي وفي المجتمع المدني
إن انحسار الحركة الوطنية الفلسطينية، وشلل السلطة السياسية في المخيم سببا انفجار أعمال العنف بين اللاجئين. وفي المجالين التربوي والاجتماعي تمارس المؤسسات الاجتماعية الإنسانية والثقافية عنفا رمزيا يتسم بالهيمنة والتلاعب بحوائج اللاجئين. وإذا تجاوزنا مشكلة النظام التعليمي والثقافي في المخيم الذي أصابه الشلل نجد أن هذا النظام ابتعد عن غرضه التعليمي حين كان يوما أحد أسلحة المقاومة الناجحة في زمن منظمة التحرير، إلى أن أصبح مجرد مؤسسة تشكل نوعا من الرقابة والسيطرة الاجتماعية. وهذه الرقابة تتجسد في منطق تطبيع الأطفال ومن خلالهم يتم تطبيع العائلة واللاجئين أجمعين. بذلك لعبت المؤسسة التعليمية دورين أحدهما معلن أمام الأطفال، والآخر مستتر أمام ما سيمرر الأطفال لذويهم وعائلاتهم. فنجد اليوم في المخيم مدارس مشابهة لتلك التي انتشرت في أوروبا في القرن السابع عشر، وكان هدفها وضع الأطفال والشباب المهمشين والمشردين في إطار محدد لإبعادهم عن خطر الانحراف والإجرام من ناحية، ومن ناحية أخرى، وهو الأكثر أهمية للدولة التي عاشوا فيها، وتطويع شخصياتهم لقبول قيم الانصياع للنظام وتمجيد قيم العمل.
أما في مجال المجتمع المدني فقد ضعفت النقابات والفصائل السياسية وانتشرت ظاهرة المنظمات غير الحكومية. وهذه المنظمات لم تستطع أن تلعب دورا أساسيا في تنمية المجتمع الفلسطيني، حيث أن هناك حلقة مفرغة من التلاعب وانعدام الثقة في العلاقة بين السكان والمنظمات غير الحكومية. فالمنظمات غير الحكومية ظلت معزولة ومقطوعة عضويا عن القاعدة الاجتماعية، على الرغم من أنها تقدم نفسها كوسيط محايد. ومع أنها وفرت بعض المساعدات، إلا أنها ساهمت في عملية «النفسنة» «psychologisation» للقضية السياسية الفلسطينية من خلال الوسائل المعتمدة في المعالجة النفسية لجعل الفلسطيني متجانسا مع بيئته الاجتماعية. وقد أدى ذلك كله إلى دفع المجتمع الفلسطيني إلى الانعزال الذاتي، أو المحافظة على الوضع الراهن، وهذه الحالة ما هي إلا عنف رمزي يعانيه الفلسطينيون.

العنف بين الأفراد أو المجموعات
أستخلص مما تقدم أن العنف المنتشر في المخيم الفلسطيني هو نتيجة لعوامل تراكمية تاريخية لفشل العودة وتحرير الأرض، وعوامل ناجمة عن عنف سلطة القضاء والعقوبات، وعلى المستوى الداخلي عنف الـ«أبارتشيك» الفلسطيني والمؤسسات التعليمية والثقافية والاجتماعية. ويظهر العنف في المخيم على ثلاثة أساليب: الفردي، جراء الضغوط النفسية التي يمر بها الشباب، والعائلي والعشائري بين الحمولات والجماعات، وأخيراً العنف المسلح كنوع من تفجير الغضب. ويعتبر هذا النوع من العنف الأكثر خطراً لأنه يؤدي إلى غياب الثقة في قدرة السلاح والمقاومة على الانتصار على المشروع الكولونيالي، ليتحول إلى أداة ضد الضعفاء من الفلسطينيين.
إن هذا التعدد في أنواع العنف والالتباس الحاصل يرمي المسؤولية على عاتق الضحية والجاني بالدرجة نفسها، ومحاسبتهم بالعقوبات نفسها، يجعل التساؤل المكتنف بالغموض والاستفهام هو التالي: من يتحمل المسؤولية؟ من الضحية ومن الجاني؟ ماذا سينتج عن هذا التعدد العنفي المنتشر بقوة؟ ماذا ستكون عواقبه وتداعياته؟ كيف ستتم السيطرة من جديد على العنف المسلح؟ وما هي المشاريع السياسية للتصدي لهذا العنف؟
لا بد من الإشارة إلى أن الشباب في مخيمات اللاجئين في لبنان لديهم مستويات مختلفة من الوعي، ويمكننا أن نرى فجوة بين الخطاب والممارسة في أي مستوى من مستويات الوعي. وهذا المستوى من الوعي يتميز بإعادة الأمور إلى القضاء والقدر. وهذا الموقف يشير إلى عدم الثقة في إمكانية التغيير، والاعتقاد بأن الواقع لا مفر منه. هذا الإيمان بالقضاء والقدر هو نتيجة لخيباتهم التاريخية والاجتماعية والسياسية. أضف إلى ذلك المواقف السلبية مثل اللامبالاة المرتكزة على قطيعة مع النظام وسلطة القانون. ولكن شبان المخيم ما زالوا يمتازون بموقفهم الخطابي والكلامي الذي يعوضهم ما هو ممنوع بالفعل. هذا الموقف يترجم بشكل ملموس إلى وعي خطابي متمرد، وفي بعض الأحيان إلى خطاب إصلاحي، وأحياناً ثوري.

باحثة فلسطينية مقيمة في باريس.
(**) كلمة روسية تشير إلى طبقة جديدة تشكلت من أعضاء الحزب الحاكم المستفيدين من علاقتها بالنظام السياسي.