| 

يعاني المجتمع العربي ـ البدوي في منطقة النقب جنوبا أسوأ ظروف حياتية، ومن النواحي كافة. ويبرز من خلال قرارات حكومة إسرائيل والمعطيات الرسمية وأحوال هذا المجتمع، مدى الاستهداف الذي يتعرّض له من أجل مواصلة تهميشه وتدميره واقتلاعه من أرضه والاستيلاء عليها. وإذا كانت النكبة تعني الترحيل واستيلاء إسرائيل على الأرض، فإن المجتمع العربي في النقب يتعرض لنكبة تلو الأخرى. ولا تزال المخططات الإسرائيلية متواصلة، بعدما وافقت حكومتها، في تشرين الثاني 2011، على ما يُعرف بـ«مخطط برافر» الذي يقضي بإخلاء قرى عربية في النقب وترحيل عشرات الألوف من سكانها، وإقامة عشر بلدات يهودية مكانها.
في الإمكان تقسيم المجتمع البدوي في النقب إلى قسمين: الأول هو سكان القرى غير المعترف بها، أي القرى التي لا تعترف بها الحكومة ومؤسسات الدولة، مع أنها قائمة قبل قيام إسرائيل، وعددها أكثر من 35 قرية. والقسم الثاني هو سكان القرى التي تعترف بها إسرائيل، بل التي أقامتها إسرائيل وجمّعت فيها العرب بعد طردهم من أراضيهم والاستيلاء عليها.
قبل عشر سنوات تقريباً، أصدر عالم الاجتماع الإسرائيلي التقدمي الراحل، باروخ كيمرلينغ، كتاباً بعنوان «بوليتيسايد» (Politicide)، عن حرب رئيس حكومة إسرائيل الأسبق، أرييل شارون، ضد الشعب الفلسطيني. وأوضح كيمرلينغ، في مقابلة أجرتها معه صحيفة «غلوبس» الاقتصادية الإسرائيلية، في العام 2004، أن هذا المصطلح شبيه بمصطلح «جينوسايد» ومعناه إبادة شعب. وقال إن «بوليتيسايد يعني التدمير المنهجي للبنى التحتية المادية والبشرية لمجتمع ما، لكي يتوقف عن كونه مجتمعاً سياسياً يرى أن له الحق في تقرير المصير. إنه نشاط عسكري وسياسي واقتصادي ودبلوماسي ونفساني بالغ الإحكام من أجل تحقيق الهدف. أحياناً، لكن ليس بالضرورة، ترافق ذلك عملية تطهير عرقي، وأحياناً يتم ذلك طواعية عندما لا يقدر السكان على تحمل حياتهم وينزحون إلى مكان آخر». وستبين السطور التالية أن هذا ما تفعله إسرائيل ضد عرب النقب بالضبط.

حال التعليم
إن الأوضاع في القرى العربية غير المعترف بها في النقب مزرية إلى أبعد حد. فجميع البيوت فيها تعتبر غير مرخصة، ومنها بيوت الصفيح والبيوت المتنقلة (كرفانات)، ولا توجد فيها شوارع وليست مربوطة بشبكات الكهرباء والماء والهاتف، والخدمات الأساسية، مثل الصحة والتعليم، ضعيفة جداً.
وبرز خلال جلسة عقدتها لجنة التربية والتعليم التابعة للكنيست، قبل شهور قليلة، حجم إهمال السلطات للتعليم في القرى غير المعترف بها. ووصف عضو الكنيست حنا سويد، الذي بادر إلى طرح الموضوع في اللجنة البرلمانية، الأوضاع المزرية في مدرسة العزازمة الابتدائية في قرية وادي النِعم، وهي أكبر قرية غير معترف بها وعدد سكانها نحو 6 آلاف نسمة بالقول إن المدرسة، التي تمّ تقسيمها إلى مدرستين، تعاني أوضاعاً صحية مزرية إلى درجة أنها تهدد صحة الطلاب وسلامتهم، وأن هناك نواقص أساسية تمس حق التلاميذ الأساسي بتوفير بيئة تعليمية ملائمة لهم. وشدد سويد على أن المدرستين عبارة عن مبانٍ متنقلة قديمة جداً، لم يتم إصلاحها منذ سنوات عديدة، حتى أصبحت آيلة للسقوط، ونوافذها مكسرة، وتشكل خطراً على حياة الطلاب. وبعض الغرف الدراسية لا يوجد فيها نوافذ. وأشار سويد الى انعدام وجود مراحيض تتلاءم مع عدد الطلاب، والظروف الصحية تهدد صحة الطلاب. وقال إنه «لا يعقل أن مدرسة عدد طلابها 850 طالباً، فيها 4 مراحيض صالحة للاستعمال فقط. ولا يمكن مع هذه الظروف المأساوية التحدّث عن نقص الحواسيب وعن مستوى التعليم المأساوي».
من جانب آخر، قال مدير قسم الرفاه في المجلس المحلي لقرية شقيب السلام، خير الباز، لـ«ملحق فلسطين»، إن المجتمع العربي في النقب هو مجتمع شاب، إذ أن 62% هم دون 18 عاماً. ويبلغ عدد السكان العرب في النقب نحو 170 ألف نسمة أو أكثر بقليل. وأضاف الباز إن «الواقع في السنوات الأخيرة هو أن كل التغيير الاجتماعي بين عرب النقب بشكل عام، وبين الشباب بشكل خاص، خلق جواً كان تأثيره سلبياً في أوضاعهم. وكان يجب أن يؤثر هذا التغيير في الشباب من ناحية التعليم والعمل، لكن ما حصل، ولأسباب كثيرة، هو تدني مستوى التعليم وتدني مستوى ضبط العملية التعليمية».
وأشار الباز إلى أن مستوى المناهج الدراسية في مدارس النقب العربية متدن قياساً على المناهج الدراسية في المناطق الأخرى. كذلك لا يتمّ ضبط تسرب الطلبة من المدارس. وقال في هذا السياق: «يوجد نوعان من التسرب؛ النوع الأول هو التسرب الواضح، أي أن يترك الشبان والشابات المدرسة. والنوع الثاني هو التسرب المخفي، أي أن الطلبة مسجلون في المدارس لكن عملياً هم إما لا يتعلمون أو أن وجودهم في المدارس هو مجرد إثبات وجود». ولفت الباز إلى أن أوضاع المدارس تؤثر في مستقبل الشباب العرب في النقب وإمكانية وصولهم إلى مؤسسات التعليم العالي، جراء امتحانات القبول في الجامعات والكليات الأكاديمية. وينتج عن هذه الأوضاع أنه فيما يتخرج في المدارس الثانوية أربعة آلاف طالب وطالبة في كل عام، وفقاً للمعطيات الرسمية، إلا أن 3% منهم فقط يصلون إلى مؤسسات التعليم العالي.

بطالة مرتفعة
قال خير الباز إن «الآلاف المؤلفة التي لا تصل إلى الجامعات أو الدراسة العليا بحاجة إلى العمل. لكن نسبة البطالة في المناطق التي يسكنها عرب النقب هي أعلى النسب في البلاد. فإذا كانت نسبة البطالة العامة في إسرائيل ما بين 7 و8 في المئة، فإنها ترتفع في التجمعات السكنية العربية في النقب إلى 20 و30 و40 في المئة، وهذا من دون الأخذ في الحسبان النساء في سن العمل، أي الشابات، اللواتي تصل نسبة البطالة بينهن إلى 90 في المئة».
وأضاف الباز إن هذا الوضع أدّى إلى ارتفاع كبير في نسبة الفقر التي وصلت إلى 62% بين عرب النقب، أي أن كل عائلة ثانية تعيش تحت خط الفقر، وذلك بموجب معطيات مؤسسة التأمين الوطني الإسرائيلية الرسمية. لكن الباز أكد أن «هذه هي النسب الرسمية، لكن الأوضاع في الواقع أسوأ من ذلك، خاصة أن المجتمع العربي في النقب يتميز بالعائلات الكثيرة الأولاد». ولفت الباز إلى وجود بعض الشباب يختارون الالتحاق بالخدمة العسكرية في الجيش الإسرائيلي، لكنه يؤكد أن عددهم قليل. وقال إن هؤلاء الشباب يتوجّهون إلى الخدمة العسكرية من منطلق الحصول على وظيفة ومصدر رزق. وأضاف إن هذا التوجه ترى فيه أقلية صغيرة جداً بين الشباب البدو أنه يوفر العمل والتعليم العالي أيضاً.

تربة خصبة للجنوح
لا توجد في المجتمع العربي في النقب أطر يقضي الشباب أوقات فراغهم فيها. وهذا جانب آخر ليس بسيطاً. هناك مجتمعات كثيرة تمنح الفرص للشباب، مثل التعلم ضمن دورات رياضية أو اجتماعية أو إقامة مؤسسات تقدم خدمات للشباب في أوقات الفراغ. وهذا غير موجود في المجتمع العربي في النقب. والميزانيات التي تخصص لهذه الناحية ضئيلة جداً، وحتى أنها لا تذكر أحياناً، وذلك مقارنة بجميع المناطق الأخرى في إسرائيل. ويمكن ملاحظة أنه لا يوجد شيء بإمكان الشباب أن يفعلوه في ساعات بعد الظهر والمساء. وهذا الوضع يدفعهم إلى التسكع في الشوارع أو الذهاب إلى المدن، مثل بئر السبع. وهذا كله يتم طبعاً من دون أي مراقبة. ونتائج ذلك تكون سلبية في أحيان كثيرة، خصوصاً احتمالات التورط في القضايا الجنائية والعنف. وفي هذا السياق، حدّث ولا حرج. ويمكن التورط مع قوات الأمن أيضاً، حيث يشكل عرب النقب 20% تقريباً من مجمل سكان النقب «لكن نسبتهم في القضايا الجنائية، وفقاً لمعطيات الشرطة، أكثر من 50%. وهذا يعبر عن ظواهر ناتجة عن الوضع الاقتصادي الصعب والبطالة والفقر وعدم وجود مؤسسات تقدم خدمات ودعماً للشباب. وثمة ظواهر خطيرة في المجتمع العربي في النقب، مثل المخدرات التي كان البعض يتاجر بها ثم انتقل الوضع إلى تعاطيها. وهذه الظاهرة تضيء مئة ألف ضوء أحمر. فهناك أعداد كبيرة من الشباب الذين يتعاطون المخدرات، وفي السنوات الأخيرة نشأت ظاهرة تعاطي المخدرات بين الشابات أيضاً. ومثل هذه الظواهر، (المخدرات والإجرام والعنف)، يدفع المجتمع ثمنها وسيستمر في دفع ثمنها.

تأخر سن الزواج
الفكرة المسبقة السائدة هي أن الزواج في المجتمعات البدوية يتم في سن مبكرة جداً. وكان هذا الوضع صحيحاً لدى بدو النقب. لكن الواضح أن أكثر مجموعة عربية تمر بتغيرات سريعة هم عرب الجنوب، مقارنة بالمجتمعات العربية الأخرى في البلاد. وهذا يعني أن المعطيات التي كانت موجودة قبل خمس أو ست سنوات أصبحت مختلفة تماماً اليوم، بما في ذلك ما يتعلق بسن الزواج. ونلاحظ اليوم وجود عدد أكبر من الشبان والشابات الذين يتجهون إلى العمل والتعليم الجامعي، على الرغم من نسبتهم المنخفضة.
إن هذه العوامل تؤثر في موضوع الزواج وتأجيله. فقبل 20 عاماً، مثلا، كان سن الزواج بين الفتيات 15 عاماً أو أكثر بقليل. وبعد أن اتجهن إلى الدراسة الثانوية، ارتفع سن الزواج إلى ما بعد إنهاء المدرسة الثانوية، أي إلى 18 عاما وأكثر. كذلك ارتفع سن الزواج لدى الشبان، من 17 عاماً أو 18 عاماً في الماضي إلى ما بعد سن العشرين.
يقول خير الباز: «أعتقد أن على المجتمع العربي في النقب أن يعمل على إحداث التغيير وألا يتوقع أن يأتي هذا التغيير من الخارج. والشباب اليوم هم أكثر مجموعة مهمّشة بين المجموعات المستهدفة. والأمر الثاني هو أنه يجب أن يكون هناك تدخل ودعم قويان من القيادات السياسية والاجتماعية في مجتمعنا. فهناك حاجة ماسة أكثر مما يمكن تخيلها لمعالجة مشكلات الشباب العربي في النقب».

* كاتب فلسطيني مقيم في رام الله