| 

بلغ عدد السكان في الأراضي الفلسطينية حتى نهاية العام 2010 نحو 4,17 ملايين نسمة، ويشكل اللاجئون 50% من مجموع السكان. وتبلغ نسبة اللاجئين في قطاع غزة 76% من سكان القطاع البالغ عددهم مليون وسبعمئة ألف نسمة، في حين تبلغ النسبة في الضفة الغربية 35%. ويعيش اللاجئون في 27 مخيما تشرف عليها وكالة الغوث، بالإضافة إلى من يعيشون في المدن والبلدات والقرى في الضفة الغربية وقطاع غزة.
تشكل فئة الشباب من عمر (15 – 29 سنة) قرابة 29,6% من إجمالي السكان في الأراضي الفلسطينية، كما تبلغ نسبة الأطفال في المجتمع ممن هم أقل من 18عاما 53%، الأمر الذي يعني أن الشعب الفلسطيني شعب فتي. ويمكن رصد أبرز السمات والمشكلات المتعلقة بواقع الشباب والمؤسسات الشبابية في الأراضي الفلسطينية، ولاسيما في مخيمات اللاجئين، على النحو الآتي:

أولا: الأوضاع العامة
يعاني الشباب الفلسطيني مشكلات تحول دون تحقيق طموحاته، وقد تكون هذه المشكلات تحديات داخلية وخارجية في جوانب الحياة عامة، والحياة المجتمعية خاصة، حيث يعاني الشباب تهميشاً مزدوجاً جراء الاحتلال الإسرائيلي وممارساته التي حرمت الشباب الفلسطيني حق التمتع بأدنى حقوقه وحرياته الأساسية والعامة. إن ما تعرضت له فلسطين منذ سنوات طويلة من انتهاكات لحقوق الإنسان وقتل وتدمير للبنى التحتية والإغلاقات والحواجز العسكرية وبناء جدار الفصل العنصري والمستوطنات ومصادرة الأراضي والاعتقالات الواسعة للشباب والاغتيالات وفرض الحصار، أثر بشكل كبير ومباشر في الشباب والأطفال، وأدى إلى انتشار البطالة والفقر الذي وصلت نسبته إلى ما يزيد على 65% بحسب التقارير الدولية والمحلية. فالتصعيد والعدوان والحصار الإسرائيلي أوجدت ضحايا لا نهاية لمأساتهم ومعاناتهم، ليس على مستوى الدلالات الكمية الممكن قياسها فحسب، بل حتى على مستوى أحلام الفلسطينيين المنكسرة ومشاريعهم غير المكتملة ومستقبلهم المجهول.
تتركز المعاناة في نقص اهتمام المجتمع التقليدي المأزوم الذي تعززت فيه مجموعة من المشكلات الاجتماعية كنتيجة لحالة العنف الذي يتعرض له الفلسطينيون والضغط النفسي المتواصل عليهم، وضعف أداء المؤسسات الرسمية وأخيرا انقسامها وتعطل عملها. ومن بين هذه المشكلات أيضا التزايد السكاني غير المنضبط، وارتفاع معدلات التسرب من المدارس، خصوصا بين الفتيات في المرحلة الثانوية، ويضاف إلى ذلك ارتفاع معدلات انتهاك حقوق الإنسان بشكل غير مسبوق بفعل الانقسام السياسي، وتراجع الوضع البيئي، علاوة على وضع اقتصادي صعب ومنهك. فقد تكرست ظاهرة الفقر الفردي والجماعي، ما جعل الشباب يشعرون بغياب الأمل، وانعدام الطموح والمغامرة والتحدّي، فكانت النتيجة في نهاية الأمر شيوع الإحباط الشديد وعدم القدرة على تحديد الهدف، وغياب الثقة في الذات وفي المستقبل؛ لتتضافر هذه العوامل كلها مع كثرة أوقات الفراغ إلى الاندفاع وراء التطرف أو الهجرة أو تناول العقاقير المخدرة، إلى جانب أشكال سلبية أخرى لدى الشباب، في ظل غياب علاقات أسرية سليمة، فأصبح من المألوف جدا أن نرى الشباب الفلسطيني ينزعون إلى تبني قيم سلبية في شأن الذات والحياة والعالم، فيما تغيب المنافذ الصحية التي ينبغي على المسؤولين توفيرها لاستيعاب طاقة هؤلاء الشباب.

ثانيا: تحديات المشاركة السياسية والاجتماعية
ساهم الواقع السياسي والاجتماعي الفلسطيني في دفع الناس إلى أن يأخذوا زمام المبادرة في مجالات ضرورية لاستمرار المجتمع وتطوره، وقد ظهر ذلك جليا في مخيمات اللاجئين التي تمتاز من حيث البناء والتركيب والنمط العمراني باكتظاظ المساكن وضيق مساحتها ورداءة ظروف السكن من حيث التهوية والطرق والبيوت المتراصة وعدم وجود ساحات وفراغات في المخيمات ومؤسسات اجتماعية وثقافية تستجيب لاحتياجات السكان فيها. إلا أن فترة الخمسينيات شهدت انخراط الشباب في العمل الاجتماعي والوطني، حيث استطاع الشباب الاستفادة من الفرص التي أتاحتها مراكز الخدمات التي أنشأتها وكالة الغوث التي اقتصر عملها بحكم العوامل الموضوعية التي مر بها المجتمع الفلسطيني على الأنشطة الاغاثية والرياضية للشبان، والخياطة والتطريز للنساء، إلى جانب جزء بسيط من الأنشطة الاجتماعية التي ساهمت في تمكين الشباب اللاجئين، والاهتمام بطاقاتهم وقدراتهم المختلفة، وإتاحة الفرصة لهم لممارسة عدد من الأنشطة الثقافية والرياضية والفنية والتراثية، والتي تعززت في فترة الستينيات والسبعينيات التي شهدت بطريقة عفوية وفعالة ميلا أكثر إلى العمل التطوعي، فنشأت مجموعة من المبادرات والمؤسسات. وقد شكلت الانتفاضة الأولى محطة لتطوير عمل هذه المؤسسات، بحيث ساهمت في تعزيز الترابط الشعبي والتضامن الاجتماعي والصمود في وجه المعيقات التي وضعها الاحتلال.

ثالثاً: المنظمات الأهلية
تظهر نتائج التعداد للمنظمات الأهلية، أن عددها في الضفة الغربية وقطاع غزة يبلغ أكثر من 1500 منظمة، بالإضافة إلى 320 ناديا ومركزا رياضيا وشبابيا، أكثر من ثلثيها تأسس بعد العام 1993، ويوجد الجزء الأكبر منها (76,6%) في الضفة الغربية، والباقي (23,4%) في قطاع غزة، ويتركز معظم الـمنظمات في التجمعات الحضرية حيث بلغت نسبتها 57,2% من إجمالي الـمنظمات في الضفة والقطاع، تلتها الـمنظمات العاملة في التجمعات الريفية وبلغت نسبتها 30,3%، ثم في الـمخيمات وبلغت نسبتها 12,5%.
فيما يتعلق بالتحديات التي تواجهها هذه الـمنظمات، أظهرت نتائج بعض الدراسات أن معظمها يعاني نقصاً في التمويل، الأمر الذي يحول دون تحقق أهدافها. وتعد الأندية والمؤسسات الشبابية والرياضية والمراكز الثقافية في المخيمات من أكثر القطاعات التي عانت عجزاً مالياً في ميزانياتها، سبب نقصا شديدا في التجهيزات والنشاطات المسرحية والسينمائية وعروض الموسيقى والفن التشكيلي والمكتبات العامة وباقي الأنشطة التنموية، ما أدى إلى نقص شديد في استجابتها لاحتياجات معظم الشباب، حيث تشير بعض الإحصاءات إلى أن أعداد الشباب المشارك في أنشطة اجتماعية وثقافية وترفيهية لا يتجاوز 18% من المجموع العام للشباب في أحسن التقديرات، خاصة خلال فترة الصيف، حيث تنشط المؤسسات في تقديم خدمات ترفيهية واجتماعية وثقافية للشباب والأطفال.
وعلى الرغم من النقص والقصور والسلبيات في عمل الأندية والمؤسسات الأهلية الشبابية والثقافية، التي يعاب على معظمها أنها لا تحمل فلسفة تنموية واضحة في عملها، وتركيز معظمها على الأنشطة الاغاثية، كما أن وجودها اقتصر على أماكن ومناطق محددة، بالإضافة إلى نقص وغياب الإدارة الديمقراطية لديها، وقلة التنسيق بينها وغياب الدعم الرسمي لعدد كبير منها، وضعف الخبرة وقلة التجربة في مجال إدارة المؤسسات، بالإضافة إلى نقص مشاركة المرأة في أنشطتها، إلا أنها أدت دوراً مهماً في مجال بناء الشباب الفلسطيني، وتنميته وتثقيفه ديمقراطيا ومدنيا وزيادة مشاركة الشباب في حياة المجتمع، وتوعيتهم في مجال العمل التطوعي والمخيمات الصيفية، وغيرها من الأنشطة التعبيرية والتربوية والمجتمعية المختلفة.
ولا نبتعد عن الحقيقة إذا قلنا إن أبرز ملامح الركود في المجتمع هو تراجع دور الشباب في مختلف جوانب الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية وانحسار دور الحركة الشبابية في جميع المجالات، فمازال المجتمع الفلسطيني يدفع بأعداد كبيرة منهم، خاصة المتعلمين، إلى الهجرة، فكانت النتيجة أن امتصت الدول المتقدمة نخبة المتعلمين والطموحين التي تقدر بالآلاف، وهذه ظاهرة باتت في تزايد مستمر، حيث تسبب غياب القدرة على تلبية احتياجات الشباب إلى تزايد نزوعهم إلى مصائد ثقافة التطرف والهجرة والعنف وعالم المخدرات. وما لا شك فيه أن عدم تلبية الاحتياجات الأساسية للشباب في مجال العمل والمسكن والزواج له تأثيرات جانبية اجتماعية سلبية على الشباب، تظهر في عدم الاستقرار، الأمر الذي سيؤثر في مستقبل المجتمع الفلسطيني.

خلاصة
يعاني الشباب في مجتمعنا صعوبات متعددة، يقع على رأسها نقص الاهتمام بالشباب لدى السلطة الوطنية ومؤسسات المجتمع؛ وهناك حاجة أكيدة للعمل على زيادة الاهتمام بالشباب لدى السلطة الوطنية ومؤسساتها ومنظمات المجتمع لتمكين الشباب الفلسطيني، خاصة في مخيمات اللاجئين، باعتبار أن تنمية الشباب تعني توسيع خياراتهم وقدراتهم وتمليكهم عناصر القوة والأمل، وهذا يتطلب خلق حراك شبابي اجتماعي وحقوقي من خلال تنظيمات ومؤسسات سياسية واجتماعية تتيح للشباب المشاركة فيها والتأثير في أهدافها ومسارها وانتزاع حقوقهم من خلال فعاليات ضاغطة. وهنا يصبح بناء حركة اجتماعية شبابية واحدة من أهم الإستراتيجيات التنموية، وحتى السياسية، التي تهدف إلى استثمار طاقات الشباب بصورة تسهم في تمكين الحالة الفلسطينية عموما، على أن تسعى هذه الحركة، عبر عمليات التعبئة وأنشطة التأثير، إلى تضمين المنظور الشبابي في كافة العمليات والممارسات والخطط والإجراءات المؤسسية المرتبطة بإدارة المجتمع. ولا بد لبناء هذه الحركة من العمل على زيادة الوعي في أوساط الشباب، وبناء الضمير الجمعي وتطوير التوقعات الجماعية عبر أنشطة جماعية ترويحية وتنشيطية وتطوعية وتربوية، تنأى بهم عن الصراع الفئوي بأشكاله، وعن الانغلاق الفكري والتعصب التنظيمي، وتحضهم على القيام بمبادرات سلمية لإنهاء الانقسام ولحماية السلم الأهلي والدفاع عن قضايا الشباب وحقوقهم ومصالحهم، والانخراط الفعال والمستمر في عمليات الكفاح الوطني والشعبي بجميع صوره ضد الاحتلال وممارساته، كما تمكنهم من التفاعل مع القضايا الإنسانية والعالم الخارجي لتعزيز التضامن الشعبي مع قضاياهم والقضية الفلسطينية مستفيدين من الإمكانات التي تتيحها ثورة الاتصالات والإعلام ووسائط التواصل الاجتماعي.
* كاتب وناشط حقوقي يقيم في غزة.