| 

يعاني الشباب من الجيلين الثالث والرابع للاجئين الفلسطينيين في مخيمات الضفة الغربية، جملة إشكالات يتقاطع بعضها مع غيرهم من الشباب في عموم الضفة، وينحسر بعضها لتضيق الخناق عليهم من دون غيرهم، وهو ما يؤكده بعض الناشطين. ومن أبرز المشكلات التي يعانيها شباب المخيمات في الضفة المحتلة، البطالة والفقر اللذين يتفاقمان بشكل كبير بين أزقة المخيمات المكتظة، بأسلاك الكهرباء العارية، وبالممرات الضيقة التي لا يتسع بعضها لسيارة، أو لاثنين يمشيان متقابلين.
تقول ندى بلادي، عضو المجلس الإداري للمركز النسوي في مخيم الفارعة: إن غياب الموارد المالية الكافية للتعليم، ووجود أعمال عسكرية إسرائيلية في داخل المرافق التعليمية أو بالقرب منها، وعدم وجود موارد كافية لضمان جودة التعليم، وانتشار العنف بشكل كبير داخل البيئة المدرسية، ساهمت في انخفاض الالتزام بالدوام المدرسي في مخيمات اللاجئين بالضفة الغربية إلى 72٪ من الشباب، في السنوات الثلاث الأخيرة، وهي نسبة منخفضة إذا ما قيست مع قطاع غزة التي ترتفع عن 85%، ولعل هذا يتعلق بدور وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا)، التي توفر تكاليف الدراسة حتى الصف التاسع الأساسي في قطاع غزة، وهو ما لا يتوفر بالموازنات نفسها في الضفة الغربية في المرحلتين الأساسية والثانوية، ما يجعل مدارس «الأونروا» في مخيمات الضفة مضطرة إلى العمل بنظام «الفترتين الدراسيتين»، بسبب اكتظاظ الفصول الدراسية، إذ يبلغ متوسط عدد الطلبة في الفصول الدراسية في مدارس «الأونروا» بالضفة الغربية 50 طالبا. وتشير بلادي إلى أن المشاكل المالية هي إحدى العقبات الرئيسة التي تحول دون تمتع اللاجئين الشباب في الضفة بالحق في إكمال التعليم الثانوي، وبدرجة أكبر الجامعي، في حين أن أهم الأسباب التي ذكرها الشباب بالنسبة إلى عدم إمكانية الحصول على التعليم تعود لأسباب مالية وصعوبات في الوصول إلى المدارس والجامعات، حيث تعتبر المخيمات هدفا عسكريا يوميا أو شبه يومي لجيش الاحتلال.
ويقول مدير مدرسة بلاطة الأساسية للذكور، فريد مسيمي، إن مدرسته تضم 900 طالب في 21 شعبة، ويعمل فيها 31 مدرسا، وتدرس الطلبة من الصف الخامس حتى التاسع، واصفا مشكلة المدرسة بوقوعها في وسط التجمع السكاني في المخيم، ما يعني صعوبة ضبطها. وأوضح أن الطلبة باتوا ناقلين للعنف من الشارع إلى المدرسة، كأسلوب للتفريغ عمّا في النفس، نظرا إلى عدم توفر أماكن خاصة يقضون فيها أوقات فراغهم. وتعاني المدرسة صغر ساحاتها، ما يعرقل تنفيذ الأنشطة اللامنهجية، إلى جانب ضغط الدوام المدرسي، بحيث يتلقى الطالب سبع حصص مدرسية يوميا.
من جانبه، وصف الناشط في قضايا اللاجئين أمين أبو وردة، وضع الطلبة في مدارس الوكالة بالصعب، قائلا «إن الطلبة باتوا يتجهون نحو التفريغ عن أنفسهم بطرق جديدة يقولون عنها إنها عصرية». وأضاف: بات من اللافت اهتمامهم باللباس والشعر أكثر من الدراسة، وقد أثر ذلك في الحالة السياسية التي تعيشها القضية الفلسطينية وانعكس سلبا عليها. وقارن أبو وردة حالة التعليم اليوم بالوضع الذي كان قائما خلال الانتفاضتين الأولى والثانية، فقال: على الرغم من الاعتقالات والشهداء، إلا أن التعليم كان أفضل بكثير، فكانت الروح الوطنية تنعكس على الطلبة بوضوح. أما اليوم، فباتت الموضة والقلق الاقتصادي والمشاكل تنعكس على المدارس في المخيمات الفلسطينية.
أما بهاء أبو كشك، الخمسيني القاطن في مخيم الفارعة للاجئين شمال الضفة الغربية، فأوضح أن الطلبة في المخيمات يعانون العديد من المشاكل التي تعد عائقا أمامهم في التقدم والنجاح. وقال: لدي أربعة أبناء في مدارس وكالة الغوث يتلقون التعليم كما يتلقاه باقي الطلبة في المدارس الحكومية الفلسطينية، إلا أن عوامل عدة لا تساعدهم على التفوق، أهمها قلة إمكانات الترويح عن النفس والضغط النفسي. وكانت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين تقدم للطلبة التعليم مجانا، بينما اليوم يجب على الطلبة أن يدفعوا تبرعات مدرسية قيمتها خمسة شواكل للصفوف الابتدائية، وعشرة شواكل للثانوية.
في الإطار ذاته، ذكرت مشيرة شرايعة، المسؤولة في نادي الطفل في مخيم الجلزون القريب من رام الله، أن «السائد بالنسبة إلى سكان المخيمات، ومن بينهم الشباب وطلبة المدارس، هو عدم إمكانية الوصول إلى مرافق الرعاية الصحية المتخصصة أو المرافق المختصة بحالات الطوارئ في الوقت الملائم، وصعوبة الوصول إلى مؤسسات التعليم الثانوي والتعليم العالي، ما يؤدي إلى ازدياد معدلات التسرب، إضافة إلى الآثار النفسية والاجتماعية التي يسببها إغلاق المناطق، وارتفاع معدل البطالة نتيجة لصعوبة الحصول على فرص عمل». واستندت في ذلك إلى دراسة شارك فيها النادي بينت أن 28% من الشباب أفادوا بأنهم لم يستكملوا دراساتهم لأنهم واجهوا صعوبات في الوصول إلى المدرسة، و34٪ منهم أفادوا بأنهم يواجهون حواجز في الطريق إلى أقرب مستشفى، وقرابة النصف منهم تحدثوا عن وجود حاجز عسكري إسرائيلي بالقرب من مخيمهم في بعض الأوقات، ما يحد من حرية الشباب في الدخول والخروج من وإلى المخيم، بينما أشار 48٪ من الشباب الذين تمت مقابلتهم إلى أن هناك وجوداً عسكريا إسرائيليا بالقرب من المخيم، طيلة الوقت أو جلّه.

الصحة والبيئة
فيما يتعلق بالجانب الصحي، تشير عضو المجلس الإداري للمركز نفسه، رجاء نصار، إلى عدم توفر العدد الكافي من العاملين في المجال الطبي في العيادات الصحية التابعة لـ «الأونروا» في داخل المخيمات وخارجها، وندرة أو عدم وجود الأدوية الأساسية، وعدم وجود مراكز طبية متخصصة باستطاعة اللاجئين تحمل تكلفة العلاج فيها.
وقالت نصار: إن 73٪ من بين الشباب، وفق دراسة شاركنا فيها بدعم من «منتدى شارك» الشبابي في رام الله، أفادوا أن الوقت المخصص لهم في المراكز الصحية غير كاف، في حين أفاد 58٪ منهم بأن الأدوية الأساسية متوفرة فقط، بينما أجاب 35٪ منهم أن جميع الأدوية متوفرة تقريبا، و5٪ ذكروا أن جميع الأدوية متوفرة، و2٪ أجابوا أنه لا يوجد أدوية متوفرة على الإطلاق.
من جهة أخرى، أشارت سلام أبو عوض، الناشطة في المركز النسوي في مخيم عسكر للاجئين قرب نابلس، إلى أن المخيمات في الضفة الغربية بالمجمل تعاني عدم توفر ما يكفي من المياه ذات النوعية الجيدة، وعدم وجود نظام صرف صحي ملائم، واكتظاظ البيئة وانعدام الخصوصية، مشيرة إلى أن غالبية الشباب، الذين قابلتهم وتقابلهم يوميا أفادوا بأن هناك مشكلات في مجتمعاتهم تتعلق بتوفر المياه، والقدرة على تحمل تكاليف شرائها وسلامتها، وأن المثير للقلق لدى اللاجئين الشباب هو عدم توفر المياه النظيفة، والذي يؤدي في الغالب إلى انتشار الأوبئة والأمراض المعدية، وقالت: يرى الشباب أن المشكلة الرئيسية التي تتعلق بنظام الصرف الصحي، هي أن هذه المياه الملوثة (المجاري) تجري عبر الشوارع الضيقة في العديد من المخيمات، إن لم يكن غالبيتها. وقال منسق لجان الخدمات في مخيمات الضفة الغربية إبراهيم صقر، إن الوضع الصحي في المخيمات متردٍّ ولا يسد أقل حاجات السكان.
وأضاف: إن في كل مخيم عيادة صحية واحدة، يعمل فيها ثلاثة أطباء، أحدهم طبيب أسنان، متسائلا باستنكار: هل من المعقول أن الأطباء يقومون بدورهم الحقيقي كأطباء، حيث يعملون من الساعة الثامنة حتى الثانية بعض الظهر، يعالجون في خلالها ما يقارب 500 مراجع يومياً؟ وبيّن صقر أن لدى لجان الخدمات شكاوى عديدة من اللاجئين في مخيمات الضفة بخصوص النقص الحاد في الأدوية وعدم تغطية التحويلات إلى المستشفيات الخاصة، منوها إلى أن عددا من الأمراض لا تتوفر أدويتها في عيادات وكالة الغوث. وكشف أن التحويلات إلى المستشفيات الحكومية لا تغطى كاملة، وساق مثالا على ذلك عمليات القلب؛ إذ تغطي «الوكالة» قسما من العملية، والقسم الآخر على المريض، بالإضافة إلى تحمل المريض تكلفة عمليات الشبكية، وإذا زاد بقاؤه في المستشفى على 10 أيام فيتحملها المريض فقط!

«ما فيش فلوس»
يعتبر العمل كابوسا يلاحق الشباب الفلسطيني في الضفة الغربية المحتلة عموما، وفي المخيمات على وجه الخصوص، وهو ما يؤكد عليه الباحث محمد الطيطي، عضو مجلس إدارة مركز شباب مخيم الفوار، الذي شدد على عدم توفر فرص عمل، والافتقار إلى المهارات والتدريب، والتمييز الاجتماعي بين الجنسين في بيئة العمل. وأشار إلى أن رسالة الماجستير الخاصة به، التي أنهاها قبل شهرين، كشفت أن 20٪ من مجمل الشباب في مخيمات الضفة الغربية يعملون حاليا، والغالبية منهم يعملون لحسابهم الخاص، إما في أعمال تجارية للأسرة، أو في أعمال خاصة، ويلي ذلك عدد من الشباب الذين يعملون لدى شركات القطاع الخاص، ونسبة قليلة فقط منهم يعملون في القطاع العام الحكومي، موضحاً أن 72٪ أفادوا بأنهم واجهوا أو ما زالوا يواجهون مشكلات في إيجاد فرص عمل، وأن المشاكل الرئيسة التي يواجهها الشباب في العثور على عمل، تتمثل في قلة فرص العمل، ونقص الخبرة، والتمييز بين الجنسين، حيث ذكر 21٪ ممن تمت مقابلتهم أن ساعات عملهم اليومي تصل إلى أكثر من 10 ساعات، وبأجور زهيدة.. وأشار إلى أن عبارة «ما فش فلوس» هي الأكثر انتشارا بين شباب المخيمات في الضفة الغربية.

«تطبيع» العنف
بهاء ساري، عضو مجلس إدارة مركز شباب مخيم بلاطة، أكد على محور فائق الأهمية يتعلق بغياب الأمن الشخصي في المخيمات، حيث تنتشر ظاهرة ما أسماه بـ«تطبيع العنف»، أي التعاطي مع العنف كأنه أمر طبيعي، إضافة إلى كثافة الوجود العسكري الإسرائيلي، خاصة في ساعات الليل، وانتشار آخر يزداد ويتراجع هو ظاهرة الجماعات الفلسطينية المسلحة، مشيرا إلى أن «العنف ظاهرة يومية في مخيمات الضفة، أكان العنف الذي يوجهه الاحتلال، أو العنف الداخلي في أزقة المخيمات ومدارسها، وحتى في المنازل، وهو ما من شأنه أن يخلف أجيالا عنيفة بامتياز، وكثيراً من المشكلات النفسية، لدى الأطفال والنساء المعنفين». وأوضح أن إحدى الدراسات تشير إلى 54٪ من اللاجئين في مخيمات الضفة الغربية، أفادوا بأنهم عانوا أعمال العنف في المخيم في مرحلة ما من حياتهم، وأن أقل من النصف بقليل من الشباب أفادوا بأن قوات الجيش الإسرائيلي تجتاح مخيمهم، بينما أفاد 39٪ بأن الاجتياحات العسكرية الإسرائيلية تحدث خلال الليل عادة. وقال وفقا للشباب الذين يقابلهم يوميا، إن أكثر الممارسات الشائعة التي تجري تتمثل في الاعتقالات، ودهم المنازل وتفتيشها، وإطلاق النار، وهدم المنازل، وتسيير دوريات حول المخيم، وممارسات أخرى.
وفي الدائرة نفسها، ومن زاوية أخرى، أشار عوض إبراهيم، الناشط في مركز شباب مخيم عين السلطان قرب أريحا، إلى أن نسبة كبيرة من شباب مخيمات الضفة هم من بين الأسرى في سجون الاحتلال، وأن هؤلاء الأسرى يعانون وأسرهم جراء عدم الحصول على حقهم الذي كفلته لهم القوانين الدولية بخصوص الزيارة، مشيرا إلى أن المركز شارك في دراسة بينت أن 60٪ من بين الشباب لديهم أو كان لديهم أحد المعتقلين من أفراد الأسرة، بل إن 32٪ منهم تعرض للأسر في زنازين الاحتلال لأقل من عام، بينما ترتفع النسبة إلى 37٪ للأسرى ممن أمضوا في زنازين الاحتلال ما بين عام وخمسة أعوام، لتنخفض إلى 31٪ لمن أمضى كثر من خمسة أعوام في السجون الإسرائيلية. وبحسب إبراهيم، الذي تعرض هو وعدد من أقاربه للاعتقال والأسر، بينت الدراسة أن 40٪ من شباب المخيمات في الضفة الغربية لم يتمكنوا من زيارة أفراد أسرهم في أثناء وجودهم في المعتقل، وأن الـ60٪ الباقين، ممن حصلوا على تصريح بالزيارة، لم يسمح لهم جميعا بإتمام هذه الزيارات.

تقليص موازنة «الأونروا»
في المقابل، قال الناطق الرسمي لمخيمات الضفة الغربية، عماد أبو سمبل: إن استمرار مسلسل تقليص الخدمات التي تقدمها وكالة غوث اللاجئين، خاصة في برامج التعليم والصحة والبيئة، أمر يدعو إلى القلق الشديد، خاصة أن المخيمات تقع تحت مسؤولية الأمم المتحدة. وبناء عليه، فإننا نطالب الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون بتذكير الدول المانحة بوجوب الالتزام بتعهداتها المالية تجاه وكالة الغوث الدولية، كما نطالب منظمة التحرير الفلسطينية بتطوير اتفاقها مع الوكالة باعتبار أن السلطة الفلسطينية دولة مضيفة للاجئين وليس دولة مقر. وأضاف أبو سمبل: على اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية تطوير مستوى اهتمامها باللاجئين واحتياجاتهم ودورهم الوطني واستحقاقاتهم في مخيمات الوطن والشتات، وإعادة تفعيل دائرة شؤون اللاجئين باعتبارها مرجعية اللاجئين الرسمية، من خلال رفدها بكادر يلبي احتياجات اللاجئين. كذلك ينبغي على منظمة التحرير الفلسطينية المحافظة على خصوصية المخيمات باعتبارها موقعا متقدما في مواجهة سياسات الاحتلال، وذلك من خلال رفدها بمقومات البقاء حتى تحقيق حق العودة، مشيراً إلى تأليف لجنة لمتابعة ملف وكالة الغوث وتقليص الخدمات، وتأليف لجنة متابعة لتفعيل دائرة شؤون اللاجئين في منظمة التحرير، إضافة إلى تأليف لجنة لعقد مؤتمر لمخيمات الضفة الغربية للتحضير لعقد مؤتمر لمخيمات الوطن والشتات.

* صحافي فلسطيني يقيم في مدينة رام الله.