| 

يعد الشباب الفلسطيني في مخيمات اللاجئين في قطاع غزة قطاعا واسعا في المجتمع، ويشكلون نسبة كبيرة من بنية القطاع وتركيبته السكانية، حيث تصل نسبة الشباب 18- 29 سنة إلى نحو 30% من مجموع السكان، خاصة إذا أدركنا أن نسبة اللاجئين من سكان قطاع غزة تصل إلى حوالي 78%، الأمر الذي يعكس حقيقة تحويل قطاع غزة بكامل مكوناته إلى مخيم كبير للاجئين.
اهتم جمهور اللاجئين، خاصة قطاع الشباب، بعد هجرة 48، بالتعليم كوسيلة لتعويض حالة الإقصاء التي تعرضوا لها جراء إقامة دولة إسرائيل في إطار مشروعها الكولونيالي التطهيري الذي أدى إلى استبدال الوجود السكاني الفلسطيني بجمهور المهاجرين اليهود كجزء من مشروع استعماري طال الأرض والشعب والهوية الوطنية للفلسطينيين. وكانت إحدى الوسائل التعويضية هي التعليم، ولقد لعب دورا رئيسيا في ذلك الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر الذي شجع تعليم الفلسطينيين في الجامعات المصرية ومساواتهم بنظرائهم المصريين في ما يتعلق بالتسهيلات، والخدمات، إلى جانب التأكيد على مجانية التعليم في ذلك الوقت، حيث تخرج المئات من اللاجئين الشباب في الجامعات المصرية.
فقد أبناء قطاع غزة روابطهم الاقتصادية والثقافية مع مصر بعد عام 67، وأصبحت تلك الحلقات من الروابط تتصل تدريجيا ما بين قطاع غزة والضفة الغربية، بما ساهم في إعادة تكوين الحركة الوطنية الفلسطينية بصورة موحدة في الضفة الغربية وقطاع غزة. وقد عزز ذلك التوجه الوطني الفلسطيني الذي بات يتحدث عن ضرورة تحقيق الدولة الفلسطينية المستقلة في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس العربية كعاصمة لها، الأمر الذي شجع على عملية التواصل وإقامة مؤسسات وطنية شكلت إحدى الآليات الرافعة لبلورة الهوية الوطنية الفلسطينية الواحدة تحت لواء منظمة التحرير الفلسطينية.

البدايات والشباب
إذا كان الشباب الفلسطيني قد عاش مرحلة اللجوء وانعكاس مخاطره على الانتماء للهوية الوطنية، إلا أن قطاع غزة كان قد تميز بالإبقاء على الهوية الوطنية الفلسطينية، وظل أبناء القطاع يمثلون فلسطين في العديد من المحافل العربية والدولية. كما حملت الأحزاب السياسية الفلسطينية التي تشكلت في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي اسم فلسطين في عناوينها الرئيسية مثل «الحزب الشيوعي الفلسطيني» في قطاع غزة، حزب البعث العربي الاشتراكي - فرع فلسطين، حركة القوميين العرب - فرع فلسطين، حركة الإخوان المسلمين - فرع فلسطين ... إلخ.
بعد أن قام الاحتلال الإسرائيلي بتسديد ضربة قوية لفصائل المقاومة المسلحة في نهاية عام 1974 في قطاع غزة، ساد فراغ في الساحة الوطنية، فبدأت فعاليات الحركة السياسية نشاطها بواسطة تشكيل مؤسسات خدماتية ذات طابع اجتماعي وثقافي، وتم تفعيل جمعية الهلال الأحمر برئاسة حيدر عبد الشافي التي كانت قد تأسست في سنة 1969 وأصبحت أكثر فاعلية في منتصف السبعينيات من القرن الماضي، ولعبت دورا ايجابيا في تعزيز مقومات صمود أبناء القطاع على طريق تقديم برامج وأنشطة في مجال الصحة والخدمات والاجتماعية والثقافية، كما التفت مكونات الحركة الوطنية واليسارية حولها كمرتكز لتعزيز ثقافتها السياسية والفكرية بين الشباب الفلسطيني في إطار تعزيز الثقافة الوطنية بقسمات فكرية تنتمي للفكر الاشتراكي والتقدمي بصورة عامة.

التيار الإسلامي
في المقابل، نشطت العناصر المحسوبة على تيار الإخوان المسلمين لاستقطاب الشباب للهوية الإسلامية، وصاحب ذلك تأسيس الجامعة الإسلامية في نهاية السبعينيات من القرن الماضي، الأمر الذي أبرز اهتمام الحركة الإسلامية بقطاع الشباب من خلال محاولات التأثير فيهم فكريا وتعليميا ومعرفيا، من خلال الجامعة الإسلامية والمجمع الإسلامي الذي كانت تقوم فيه بأنشطة نوعية. ثم اندلعت الانتفاضة الأولى التي جرفت بقوة اندفاعها جميع مكونات المجتمع الفلسطيني بأعماره المختلفة وبقواه الاجتماعية والطبقية المختلفة أيضا، ما أثر في مكونات الحركة السياسية، وأدى بالتالي إلى دفع الحركة الإسلامية بزعامة الشيخ أحمد ياسين إلى اتخاذ قرار بالمشاركة في فعاليات الانتفاضة، عبر الإعلان عن تأسيس حركة حماس التي فضلت عدم المشاركة في تركيبة القيادة الوطنية الموحدة المكونة من فصائل منظمة التحرير، الأمر الذي أظهر قيادتين للانتفاضة الشعبية.
أسهم هذا المسار التاريخي في تراجع الحركة الوطنية وصعود التيارات الإسلامية وكان لهذا الحراك أثره في أوساط الشباب في مخيمات اللاجئين الذين يمكن تلخيص أهم عناصر أزمة الهوية لديهم كما يلي:

1) أزمة اللجوء والمواطنة
على الرغم من أن النسبة الكبيرة من أبناء القطاع أصبحت من اللاجئين بعد عام 1948، إلا أن حالة التمييز ظلت قائمة بينهم وبين السكان المقيمين الذين يطلق عليهم مصطلح «المواطنين» من أبناء القطاع، في ظل نظام يقترب من نظام العائلات الكبيرة من سكان قطاع غزة (المواطنين) الذين يملكون الأراضي والعقارات ويحتكرون التجارة في الوقت نفسه. وحتى مع ازدياد نسبة المتعلمين من أبناء اللاجئين من المخيمات الفلسطينية، خاصة في الجامعات المصرية، إلا أن التمايز على مستوى الانتماء بقي في ظل الثقافة التي نقلها الآباء للأبناء من اللاجئين حول الأصول التاريخية والعائلية والاجتماعية لهم، حيث جاؤوا من مدن وقرى أصبحت تعرف بعد ذلك باسم «إسرائيل». الأمر الذي عمق التناقض بين اللجوء والمواطنة بسبب صعوبة الاندماج في التركيبة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الجديدة المتولدة عن الهجرة إلى قطاع غزة، الذي كانت تتحكم به اقتصاديا، سواءً على المستوى الزراعي أو التجاري، العائلات التقليدية من السكان المقيمين (المواطنين).
وعلى الرغم من مرور سنوات طويلة بعد النكبة تغيرت فيها توازنات القوى الطبقية والاجتماعية، إلا أن «التناقض» بين اللاجئين والمواطنين بقي إلى هذه اللحظة، حيث بقي ينظر الشاب اللاجئ إلى الشاب من «المقيمين» نظرة تفيد بأنه حرم من الفرص التي توفرت للأخير، ما عمق عملية الفرز والتمييز الاجتماعي والثقافي، كما اتسمت نظرة المواطن «المقيم» للشاب من اللاجئين بطابعها الدوني.

2) أزمة الهوية الوطنية والإسلامية
برزت أزمة الهوية حينما سادت قيادتان للانتفاضة الشعبية الكبرى، واحدة تتبع منظمة التحرير وتعتبر ذراعاً لها وتسمى «قاوم»، والثانية تتبع حركة الإخوان المسلمين وتسمى حركة «حماس»، التي تشكلت في المرحلة الأولى من الانتفاضة، في ظل انجراف قطاعات شعبية واسعة نحو أعمال الكفاح الشعبي والجماهيري في مواجهة الاحتلال. ومع أن كثيراً من العناصر الشبابية من أبناء القطاع، خاصة من أبناء المخيمات، انخرطوا في فعاليات الانتفاضة، غير أن ذلك لم يؤد إلى انصهار الجميع في مكونات الهوية الوطنية كثقافة جمعية. فعلى الرغم من الوحدة في مواجهة الاحتلال إلا أن برنامج «قاوم» كان يستند إلى ضرورة تحقيق حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني وبناء الدولة المستقلة على حدود الرابع من حزيران 1967، وتطبيق حق عودة اللاجئين بالاستناد إلى قرار الأمم المتحدة 194، والذي تم التعبير عنه بصورة واضحة من خلال وثيقة إعلان الاستقلال التي أُعلن عنها في دورة المجلس الوطني بالجزائر عام 1988. وفي المقابل فإن برنامج حركة حماس كان مختلفا من حيث رفض الحل المرحلي، والتمسك بأن أرض فلسطين التاريخية هي أرض وقف إسلامي، مع إمكانيات لحلول ذات طبيعة مؤقتة مثل الهدنة طويلة الأمد التي أطلق فكرتها الشيخ أحمد ياسين في نهاية الانتفاضة.
أصبح الشباب الفلسطيني في المخيمات أمام هويتين: الأولى تنتمي إلى ثقافة منظمة التحرير، والثانية إلى برنامج «حماس» والإسلام السياسي، وقد تكرس الفرز الثقافي بعد الانقسام الذي حصل في قطاع غزة في منتصف حزيران 2007، حيث تعمقت أزمة النظام السياسي والحركة الوطنية، وأثر ذلك في هوية الشباب الثقافية والمعرفية في الوقت ذاته.

3) أزمة الانتماء والاغتراب
بدأت مظاهر الاغتراب بصورة أكثر وضوحا لدى قطاع الشباب بعد قيام السلطة الوطنية عام 1994 على خلفية توقيع اتفاق أوسلو، حيث سادت الثقافة الزبائنية المبنية على الواسطة والمحسوبية والعلاقات الفردية، وقد كرس ذلك آلية إدارة الحكم في السلطة الفلسطينية التي أفرزت سوءا في الأداء المالي والإداري عرف باسم الفساد. وقد أصبح الشباب أمام حالة من المقارنة بين التضحيات التي قدمتها الأجيال السابقة، والأداء الفوضوي والمبنى على الواسطة والمحسوبية واعتماد أهل الثقة بدلا من أهل الكفاءة في التعيينات الوظيفية، وغياب آليات المساءلة والمحاسبة.
إن سيادة الفئوية السياسية وعدم الالتفات للمصلحة الاجتماعية لقطاع الشباب، وتغليب مصالح الفصيل السياسي الذي أصبح العضو فيه مجرد واسطة مع السلطة من أجل التوظيف، وفي ظل مأسسة العمل الأهلي الذي أصبح يميل إلى النخبوية ويبتعد عن تمثيل مصالح الفقراء والمهمشين، وتراجع الدور الاجتماعي للأحزاب السياسية، لا سيما تلك التي ترفع شعارات الديموقراطية والعدالة الاجتماعية، أدى ذلك كله إلى ترسيخ حالة الإحباط واليأس بين قطاع الشباب، وجلهم من اللاجئين في القطاع.
إن غياب الانتماء إلى مشروع وطني جمعي، وسوء الأداء الإداري لدى حكومتي الضفة والقطاع، والقمع الذي جوبه به الشباب لدى انطلاق حراكهم في 15 آذار2011، عندما انتفضوا في الشارع تحت عنوان «الشعب يريد إنهاء الانقسام» متأثرين بموجات التحركات الشعبية العربية، إلى جانب غياب فرص المشاركة في الحياة السياسية، أدى كل ذلك إلى تعميق حالة الاغتراب والإحباط وتعزيزها بين أوساط الشباب ودفع أعداد متزايدة منهم إلى التفكير الجاد بالهجرة. وتبين استطلاعات الرأي العام الصادرة عن مراكز الأبحاث أن نسبة الشباب الراغبين في الهجرة إذا توفرت لهم الظروف تتجاوز 40%، الأمر الذي يعكس أزمة جدية في شأن الهوية والانتماء.

* ناشط سياسي، ومنسق شبكة المنظمات الأهلية الفلسطينية في قطاع غزة.