| 

كانوا يجتمعون مع أصدقائهم في الشارع الرملي الضيق أمام بيوتهم، يلتفون حلقةً واحدة ويقررون أن يلعبوا «طاق طاق طاقية عليتين وعلية رن رن يا جرس حوّل واركب عالفرس». واليوم، لما كبروا، لم تمحُ بيوتهم التي نهضت غالبيتها العظمى من تحت ألواح الأسبست، وصارت عمائر مرتفعة، من عقولهم ولا من واقعهم الهش فكرة المخيم، حيث اعتادوا منذ الصغر أن يكونوا أولادها.
من هم؟ إنهم أحمد بركات من مخيم الشابورة برفح، وفلسطين أبو غبن من مخيم الشاطئ بغزة، ووسام أبو ندى من مخيم جباليا بشمال قطاع غزة، وكثيرون لم يتكلموا بعد عن شبابهم المتألق حينًا، والمرهق أحيانًا جراء ثقل ما حمل من مذاقات اللجوء.
يقول بركات (24 عامًا): المخيم هو أهم جزء في حياتي وليس مجرد كلمة أطلقت على أماكن سكن اللاجئين الفلسطينيين. له روح لا يشعر بها إلا أبناء المخيمات. يشعرني بالحنين المتواصل لوطني وبلدتي الأصلية (حمامة) ويزيد في داخلي حب الوطن. ويعتبر بركات، ابن الأسرة المؤلفة من عشرين فردا، أن بيئة «الشابورة» جعلته يكبر قبل أوانه، وهي أثرت كثيرا في شخصيته، حيث صار مثابرًا ومصرًا على العمل من أجل مراعاة مسؤولياته الكبيرة تجاه وطنه وأسرته ونفسه.

محاولة للبحث
اضطر بركات إلى الانتقال قبل أشهر من مدينة رفح، للعيش في بيته المستأجر بالقرب من عمله في غزة، وصار ينظر إلى هجرة الشباب داخلية كانت أم خارجية على أنها محاولة للبحث عن واقع أفضل تتوفر فيه فرص العمل، والخدمات، غيرَ منكرٍ لإقبال كثير من معارفه عليها أملاً في الحصول على جنسيات أجنبية. وبركات الذي عايش بشكل أو بآخر التفرقة بين من هو «مهجّر» ومن هو «مواطن»، تتمثل آخر رواسبها في بعض النقاشات الشبابية المحتدة، لا يشعر بالرضا عن الخدمات التي تقدم للمواطنين في الشابورة، واصفًا الوضع بـ «المزري».
عن حالة فقدان الشعور بالخصوصية نتيجة تلاصق البيوت المفرط، ترى أبو غبن (27 عامًا) أن هناك ازدحاما كبيرا جدًا ما يسبب الضوضاء والفوضى وعدم الراحة، موضحةً أن «كل حركة وكل صوت مرصود، خاصة في ما يتعلق بخروج المرأة ودخولها، وربما مظهرها أحيانًا». وتحكي أبو غبن عن المخيم: لا أستطيع أن أنسى أن هذا المكان هو أساس التصاقي بمعاناة الناس، وحبي للكتابة عنهم بقلم الصحافية الحرة. لقد شجعتني الظروف التي عاشتها عائلتي على إكمال تعليمي الجامعي، وهذا ما أتوافق فيه مع كثيرات من شابات المخيم وشبانه، فالعلم كان وسيلتنا الوحيدة، من أجل تحسين واقعنا، في ظل افتقارنا للأملاك كما عند سكان القطاع «الأصليين».

بطالة وضيق مسكن
أبو غبن التي سمعت كثيرًا عن بلدتها الأصلية «صرفند العمار»، تتفهم هجرة الشبان إلى الخارج، لأسباب كثيرة، على رأسها البحث عن فرص عمل في ظل انتشار البطالة، والانقسام الذي ولد المحسوبية والواسطة المفرطة، مؤكدةً أنها لا تنوي وزوجها إلا العودة إلى حيث كان أجدادها، وهذه هي «الهجرة الأجدر» بكل أبناء المخيمات، حسب رأيها. وفي الوقت الذي يرى فيه بركات أن المرأة في المخيم تحظى بمكانة رفيعة أساسها مشاركتها الرجل جميع تفصيلات الحياة بحلوها ومرها، فإن أبو غبن ومن واقع تطوعها في إحدى المؤسسات النسوية، تؤكد أن المخيمات والقرى الغزية هي أكثر الأماكن التي تتعرض فيها المرأة للعنف، نتيجةً للفقر والبطالة وزيادة عدد أفراد الأسرة وضيق المسكن.
أما عن الخدمات المقدمة لأهالي مخيم الشاطئ، فتصر أبو غبن على غياب دور المؤسسات الأهلية، واقتصار دور وكالة غوث وتشغيل اللاجئين «الأونروا» على تقديم «الكوبونات»، وبعض الخدمات التعليمية والصحية، في حين تصف الخدمات الحكومية بـ«السيئة جدًا»، خاصة في ما يتعلق بالمياه المالحة غير الصالحة للشرب وفتحات المجاري والشوارع المليئة بالقاذورات. وتتحدث أبو غبن بحزنٍ وإشفاق عن بعض شبان المخيم الذين تعرفهم وكانت التفرقة بين «المواطن» و«اللاجئ» أساسًا لحرمانهم ممن رغبوا في الزواج منهن، اعتقادًا من أهلهن بأنهم طامعون في ما قد يرثنه من أراض وأموال.

مواهبهم وإبداعاتهم وقدراتهم
أبو ندى أيضًا (25 عامًا) يشارك فلسطين استياءها، قائلاً: ولدت وعشت في مخيم جباليا منذ كان بيتنا قرميداً يكاد لا يحمينا من برد الشتاء وحر الصيف، وبقيت فيه حين بنينا سقف الباطون، وفي كلا الزمنين عايشت التماسك والتحاب بين الناس، فلماذا نشوه حياتنا بالانقسام، بدلاً من أن نشغل أنفسنا بالبحث عن سبل عيش كريمة؟! ويعتقد أبو ندى بأن خدمات «الأونروا» والحكومة يجب أن تُحسن بحيث ترتقي إلى مستوى البؤس الذي يعيشه المواطنون في قطاع غزة، أكثر المناطق ازدحامًا بالسكان في العالم. أما المؤسسات الأهلية، فيدعوها إلى تنفيذ مشاريع تنموية تستهدف شباب المخيمات وطلائعها، وترتقي بمواهبهم وقدراتهم وإبداعاتهم المهمشة؛ «فليس كل شيء تعليم وشهادات». وهو يظن أن «الهجرة ليست عيبًا إن كانت خروجًا من قبضة معاناة لا بصيص أمل في التخلص منها»، لكنه يحذر من أنها «تحولت إلى طموح، لدى شبان المخيمات فقط».
أبو ندى ابن قرية «دمرة»، الواقعة بين عسقلان إلى الجنوب وبيت حانون (إيريز)، تزوج حديثًا في بيت قريب من بيت أهله، ويعمل موظفًا حكوميًا محسوبًا على السلطة الفلسطينية، وهو لا ينكر أن الحياة الاجتماعية القائمة على العائلية والعشائرية في معظم المخيمات تفقده شيئا من إحساسه بالاستقلالية التامة، متمنيًا على الإعلام المحلي أن يسلط الضوء على قضايا الشباب عامة، بحيث يحقق وعيا اجتماعيا أفضل باحتياجاتهم التي لا يملكون جرأة التحدث عنها أمام من يكبرونهم سنًا، ويفوقونهم خبرة.

العمل السياسي والنضالي
«عوامل كثيرة جعلت التكوين النفسي والاجتماعي للشباب في المخيمات، مختلفاً بعض الشيء عن نظرائهم من سكان المناطق الأخرى. فالخصائص السكنية والاقتصادية التي تتميز بها المخيمات، بالإضافة الى العلاقات الاجتماعية التي تفرضها تلك الخصائص، ساهمت بقوة في تجسيد تلك الاختلافات في وجوه عدة». بهذه الكلمات استهل الدكتور في علم الاجتماع السياسي حسام أبو ستة حديثه عن شباب المخيمات، شارحًا: على الصعيد التعليمي والثقافي، يظهر الاختلاف في ارتفاع التحصيل الدراسي لدى الشباب، وضعف نسبة التسرب المدرسي، والرغبة الأكبر في الاستمرار بالتعليم في المستويات العلمية العليا، واختيار التخصص العلمي المؤهل للعمل في وكالة الغوث. وعلى الصعيد الاجتماعي، خاصة في ما يتعلق بالزواج، يبين أبو ستة أن الشباب الفلسطيني في المخيمات يميل إلى التأخر في سن الزواج، بسبب الرغبة في الدراسة، وضيق الوضع الاقتصادي لدى الأسرة، وارتفاع تكلفة الزواج. كذلك، يرى أن طبيعة العلاقات بين الشباب تمتاز بترابطها إلى حد يمكن معه اعتبار الصداقة في ما بينهم تعادل أو تزيد عن العلاقات القبلية التي تشكل الرابط الأكبر في العلاقات بالمناطق الأخرى. ويلفت أبو ستة إلى نظرة شباب المخيم المستقبلية «فهم عادة يطمحون الى الهجرة، سواء الداخلية مثل الانتقال للسكن في المدن المركزية، أو الهجرة الخارجية»، مشيرًا إلى «تميزهم في العمل السياسي والنضالي، الظاهر من ارتفاع نسبة انخراطهم في المنظمات الفلسطينية، والنشاط المميز ضمن صفوفها، كنتيجة طبيعية لإيمان كبير بالقضية الفلسطينية أنجبته حياة اللاجئ المشتت المقتلع من أرضه والمحروم من خيرات أملاكه التي أحيلت للغير من دون أي وجه حق». ويستطرد: ربما في فترة سابقة على قيام السلطة الفلسطينية، كان من الممكن الحديث عن فروق في الإقبال على الهجرة بين الشباب الفلسطيني، لكن اليوم لا أجد تمييزا واضحا بين الشباب، أكان ذلك في المخيمات أو في المناطق الأخرى؛ فكلهم مقبلون عليها وبقوة. وفي السياق ذاته، ينوه أبو ستة بعدم وجود معلومات دقيقة عن معدل العنف بحسب مكان السكن. فحتى التقرير الأخير الصادر عن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني المعني بمسح العنف لدى المجتمع الفلسطيني، لم يتطرق إلى هذا الأمر، معتبرًا أن «الظروف الاقتصادية والاجتماعية الصعبة تساهم إلى حد كبير في رفع معدل العنف الجسدي والنفسي، وبالذات ذلك الممارس ضد المرأة والأطفال».

جدول أعمال «الأونروا»
يشير أبو ستة أيضًا إلى أن «طول الفترة الزمنية التي أمضاها بعض الفلسطينيين في داخل المخيمات، واستمرارها حتى اليوم، وعدم معرفة إلى متى ستستمر، هي المحدد الرئيسي في تقوم الخدمات المقدمة للاجئين؛ فالأونروا مثلاً ساهمت إلى حد كبير في مد اللاجئ الفلسطيني بالإعانات الإغاثية وفق برامج متعددة انحسرت مع مرور الزمن، وباتت تشهد تراجعًا ملحوظًا في الآونة الأخيرة، ما انعكس على المستوى المعيشي للاجئين».
ويلفت أبو ستة إلى غياب الجانب التنموي الشامل عن جدول أعمال وكالة الغوث، الأمر الذي صار غير مبرر في ظل استمرار معاناة اللاجئين طيلة عقود مضت، مصرًا على ضعف الاهتمام بفئة الشباب في المخيمات، على الرغم من وجود بعض النشاطات التي تنفذها مراكز اجتماعية أنشأتها الوكالة.
ويعلق أبو ستة على افتقاد فلسطين لدور فعال للمؤسسات الأهلية يتكامل مع دور الجهات المعنية الأخرى، قائلا: شكل المجتمع المدني، خاصة المنظمات الأهلية، رافعة للواقع المعاش في المخيمات الفلسطينية، حيث ساهمت إلى حد مقبول في التخفيف من معاناة الأسر الفلسطينية في المخيمات، وقدمت كثيراً من فرص العمل للشباب، إلا إنه لا يمكن التعويل عليه منفردا في تحقيق المستوى المرغوب به من أجل تحقيق ظروف حياتية مناسبة للاجئين الفلسطينيين.
جباليا، الشاطئ، البريج، النصيرات، المغازي، دير البلح، خان يونس... إنها مخيمات قطاع غزة التي تكتظ اليوم بلاجئين كثر، وشباب لا يملكون سوى الحلم بواقع أفضل لا يترنح بين خيبات أمل شخصية، وانتكاسات سياسية تتوالى فتعم بلا اكتراث ولا رأفة.

* صحافية فلسطينية تقيم في قطاع غزة.