| 

عندما جلس مسؤولون إسرائيليون لرسم مسار جدار الفصل العنصري الذي يفصل القدس الشرقية عن محيطها الفلسطيني، فإن المنطقة الأولى التي فكروا في الخلاص منها كانت مخيم شعفاط للاجئين الفلسطينيين، وهو المخيم الوحيد في المدينة. بالنسبة إلى سكان المخيم، فقد مثل هذا القرار انتكاستهم التاريخية الثالثة بعد أن هجروا قسرا من 55 بلدة وقرية فلسطينية تابعة لمناطق القدس واللد ويافا والرملة نتيجة لحرب 1948، ليحلوا في حارة الشرف في بلدة القدس القديمة التي ما لبثوا أن هجروا منها نتيجة لحرب 1967، ولتصبح لاحقا «حارة اليهود»، فيما أصبحوا هم لاجئين في مخيم لا تزيد مساحته عن 203 دونمات. واستنادا إلى السجلات الرسمية لوكالة الغوث (أونروا)، فإن عدد اللاجئين المسجلين في المخيم يصل إلى نحو 11 ألف لاجئ، الأونروا تقر بأن «من المرجح أن يبلغ عدد اللاجئين فيه أكثر من 18 ألفا»، في حين يقول سكان محليون إن العدد أكبر من ذلك بكثير.
لم يصبح المخيم، الذي أُسس في عام 1965، أي بعد أكثر من عقد على تأسيس المخيمات الرسمية الأخرى في الضفة الغربية، موقع جذب لآلاف الفلسطينيين اللاجئين وغير اللاجئين بسبب جماليته أو توفر الخدمات فيه، وإنما لوجوده في داخل حدود ما يسمى بـ«بلدية القدس». ففور الاحتلال الإسرائيلي في العام 1967، تم ضم المخيم، شأنه شأن المناطق الأخرى في القدس الشرقية، إلى إسرائيل، وأصبح جزءا من بلدية القدس الغربية، ولذلك يحمل سكانه بطاقة «الهوية الزرقاء» الصادرة عن وزارة الداخلية الإسرائيلية خلافا لجميع مخيمات اللاجئين الفلسطينيين الأخرى.

«ميزة» تنقلب نقمة
تقول وكالة الغوث: يعد مخيم شعفاط المخيم الوحيد في الضفة الغربية الذي يقع ضمن الحدود البلدية للقدس، ولذلك، فإن اللاجئين فيه يحق لهم الحصول على هويات مدنية تابعة للقدس، الأمر الذي يضمن لهم حقوق الإقامة في القدس، ويجعلهم مؤهلين للحصول على بعض الخدمات الاجتماعية الإسرائيلية، بما في ذلك الرعاية الصحية. وتضيف: حيث إن حرية التنقل غير مقيدة، فإن حاملي هويات القدس لم يتأثروا بالإغلاق الإسرائيلي للضفة الغربية، والعديد من اللاجئين الذين كانوا قد تركوا المخيم في السابق صاروا يعودون إليه في محاولة للاحتفاظ بهوية القدس الخاصة بهم. ولكن ما كان ميزة بالنسبة إلى هذا المخيم الذي يقع على بعد 3 كيلومترات شمال القدس، تحول على مدار السنين إلى نقمة ما زال أبناء المخيم يتوارثونها جيلا بعد جيل.
يقول سكان في المخيم إن الكثيرين من سكان الضفة الغربية انتقلوا إلى العيش في المخيم لقربه من أماكن عملهم في إسرائيل، وفي ضوء صعوبات العثور على سكن في القدس الشرقية، وعلى مدار السنين، انتقل آلاف المواطنين للسكن في المخيم، خاصة بعد بدء وزارة الداخلية الإسرائيلية حملة واسعة لشطب إقامات المقدسيين المقيمين في الضفة الغربية، وهو ما دفع إلى هجرة معاكسة باتجاه المدينة. وقد مثل المخيم الملجأ الآمن لمقدسيين شبان غير قادرين على دفع إيجارات المساكن المرتفعة في القدس الشرقية، التي يعاني سكانها شح المساكن بعد مصادرة سلطات الاحتلال مساحات واسعة من أراضيهم لإقامة المستوطنات أو لتحويلها إلى مناطق خضراء يمنع البناء عليها، وأيضا لشح تراخيص البناء في المناطق السكنية في المدينة. وعلى الرغم من وجود المخيم في داخل ما يسمى ببلدية القدس الغربية، إلا أنه لا يخضع لقوانينها الصارمة المتعلقة بالبناء، ما جعله على مدار السنين «شوكة» سعت البلدية لاقتلاعها، بدءا من رئيس البلدية الأسبق تيدي كوليك ومرورا بإيهود اولمرت اللذين لم يخفيا رغبتهما في الخلاص من المخيم عبر طرح مخططات لإزالته بادعاء «إقامة مساكن ملائمة للسكان»، ولا سيما الشبان، وصولا إلى رئيس البلدية الحالي نير بركات الذي وجد ضالته في الجدار الذي عزله كليا عن القدس. وتنشر في الصحف المحلية بين الفينة والأخرى إعلانات عن شقق للبيع في المخيم يصل ثمن الواحدة منها إلى نحو 60 ألف دولار مقارنة مع 250 ألف دولار حداً أدنى في المناطق الأخرى في القدس الشرقية.

اكتظاظ ومساكن بائسة
تلك الأوضاع حولت المخيم إلى مأساة بكل ما تحمله الكلمة من معنى. فمن خلال جولة في أزقة المخيم، يمكن مشاهدة الأبنية المرتفعة المتلاصقة، إلى حد دفع أحد أبناء المخيم إلى القول: إذا ما تحدث الزوج مع زوجته في غرفة النوم، فسيكون بإمكان جاره الاستماع إليه.
في هذا الميدان تقول «الأونروا»: ترتبط كل المساكن بالبنية التحتية لشبكة المياه العامة والكهرباء؛ وذلك على الرغم من أنها ليست جميعها متصلة بنظام الصرف الصحي العام. ويعد الاكتظاظ مشكلة رئيسة. وقد تم تجاهل الأنظمة الفنية وأنظمة السلامة الخاصة بالمباني؛ ويقوم عدد متزايد من اللاجئين بإنشاء مساكن من ثلاث أو أربع طبقات فوق أساسات وضعت في الأصل لتحمل مباني من طبقة واحدة أو طبقتين.
وتنتشر في أزقة المخيم محال البقالة والخضار على شكل أكشاك في مداخل بعض المنازل، ولكن مع الازدياد الكبير في أعداد السكان أقيمت محال تجارية كبيرة على طول الشارع الرئيسي في المخيم المؤدي إلى بلدة عناتا الملاصقة، والتي يصعب تمييزها عن المخيم. ويخلو المخيم من أي أشجار، وتسود فيه الكتل الإسمنتية الرمادية.

مخيم «شيكاغو»
يقول مسؤولون فلسطينيون إن المخيم يعتبر من المناطق ذات الكثافة العالية جدا في القدس الشرقية، وهو ما انعكس بدوره في شكل آفات اجتماعية عدة.
فعلى مدى عدة سنوات قبل الانتفاضة الفلسطينية الأولى، اشتهر المخيم باسم «مخيم شيكاغو» بسبب انتشار المخدرات بشكل كبير في أزقته وبين الشبان فيه. ومع ذلك، يقول سكان المخيم انه تحول في سنوات الانتفاضة إلى واحدة من أكثر المناطق سخونة في القدس الشرقية في المواجهات مع قوات الاحتلال، ما قلص إلى حد كبير آفة المخدرات بين شبانه وإن كانت لم تختف تماما، حيث يشير مختصون فلسطينيون إلى أن أجهزة المخابرات الإسرائيلية تتعمد تشجيع رواج المخدرات في القدس الشرقية كإحدى الأدوات لإشغال الشبان عن التفكير بالهوية الوطنية وإنهاء الاحتلال.
تنتشر أيضاً ظاهرة الزواج المبكر في المخيم، تقول نهيل بزبزت، من جمعية الشابات المسيحية، إن «هناك إحصائية تشير إلى أن الزواج المبكر يشمل 36% من الذكور والإناث، وهذا يؤدي إلى تدني المستوى التعليمي». وإذا كانت المؤسسة الإسرائيلية الرسمية ما زالت تعترف بسكان المخيم على أنهم مقيمون في القدس الشرقية، إلا أن البنية التحتية في المخيم تعتبر الأسوأ على الإطلاق مقارنة مع الأحياء الأخرى في القدس الشرقية، فالبلدية التي تتلقى الضرائب من السكان لا توفر الخدمات لهم.
ويقع المخيم، شأنه شأن مخيمات اللاجئين الأخرى، تحت مسؤولية وكالة الغوث، التي تشير إلى وجود أربع مدارس، منها اثنتان خاصتان، ومركز صحي واحد، ووحدة علاج طبيعي واحدة، ومركز إعادة تأهيل مجتمعي واحد، ومركز برامج نسائية واحد في المخيم. وتقول «الأونروا» إن الإشكاليات الأساسية التي يعاني منها المخيم هي شبكة المجاري غير الكافية والبنية التحتية المنهكة، والاكتظاظ السكاني.

جدار وتمييز عنصري
تقول عضو المجلس التشريعي جهاد أبو زنيد، وهي أصلا من مخيم شعفاط: المخيم يعاني أوضاعاً معيشية صعبة، جراء سياسة التمييز العنصري التي تمارسها سلطات الاحتلال بحق المنطقة، إضافة إلى مساعي عزل المخيم عن مدينة القدس، وما ينتج من ذلك من زيادة معاناة السكان فوق معاناتهم.
وعلى مدى سنين طويلة، اعتمد المخيم إلى حد كبير على المرافق التعليمية والصحية والتجارية والخدماتية في القدس الشرقية، ولكن ما كان عبارة عن حاجز صغير على مخرج المخيم باتجاه القدس تحول الآن إلى حاجز ضخم دائم. مع الجدار الإسمنتي الذي يحيط بالمخيم ويعزله تماما عن مدينة القدس، فإن الحاجز يذكر سكان المخيم يوميا بفيض من تصريحات المسؤولين الإسرائيليين الذين أكدوا استعدادهم لسلخ المخيم عن القدس وتحويله إلى مسؤولية السلطة الفلسطينية. وآخر هذه التصريحات صدرت عن رئيس بلدية القدس الغربية نير بركات، الذي قال: يجب علينا التخلي عن المناطق البلدية الواقعة خلف الجدار. وأضاف: أوصي بالتخلي عن أجزاء من البلدية الموجودة على الجزء الآخر من الجدار، وضم المناطق المحصورة في الجانب الإسرائيلي التي ليست تحت مسؤولية البلدية، مشيراً إلى مخيم شعفاط كإحدى هذه المناطق، إضافة إلى كفر عقب وغيرها. وعمليا، فإن المخيم أكثر ارتباطا بالضفة الغربية الآن أكثر مما هو مرتبط بالقدس، التي يفصل بينهما الحاجز العسكري الإسرائيلي الضخم.
تقول منظمة «بتسيلم» الإسرائيلية: مع أنّ مخيم شعفاط يقع ضمن الحدود البلدية للقدس وسكانه هم مقيمون دائمون في إسرائيل، إلا أنّ الجدار الفاصل من جهته الغربية يعزله عن المدينة نفسها. ولا يمكن سكان شعفاط الدخول إلى المدينة إلا عبر الحاجز المضروب عند مدخل المخيم الرئيسيّ. وأضافت: في كانون الأول 2011، جرى تبديل الحاجز بمبنى دائم وكبير (ترمينال)، يشبه الحواجز التي تفصل بين الضفة الغربية وإسرائيل. ومنذ إقامة الجدار، تتنصل بلدية القدس وشرطة إسرائيل من مسؤوليتهما عمّا يحدث في داخل المخيم، الذي يتحول إثر ذلك إلى مركز للجريمة والسّموم ، التي تنتشر في صفوف أبنائه من الفئة العمرية الشابة، وإلى مكان ينتشر فيه البناء من دون خرائط رسمية على نطاق واسع، ومن دون محاولة لترتيب البناء بالشكل الذي يعكس احتياجات السكان.
إن كان الجدار والحاجز العسكري يعزلان المخيم عن القدس، فإن الجدار يربط مستوطنات «راموت» و«ريخس شعفاط» من الغرب، و«بسغات زئيف» من الشمال، و«راموت اشكول» من الجنوب. ومع افتتاح الحاجز العسكري الإسرائيلي على مدخل مخيم شعفاط، لجأ السكان إلى الاحتجاج عليه قبل أن يبدأوا التعايش معه، ومع فكرة أن المخيم قد يتحول في أي لحظة إلى مسؤولية السلطة الفلسطينية لتصبح القدس بلا مخيم.

(*)صحافي فلسطيني يقيم في مدينة القدس.