| 

بعد قراءتي خماسية جمال سليم نويهض «أم خلدون» تمنيت لو أنها تفرغت لكتابة الرواية لكنا كسبنا راوية لعموم فلسطين، وكاتبة موثقة لسيرة الشعب الفلسطيني وحكاياته ووقائع حياته وأحواله. وكان المفكر الفرنسي فوكو يقول «الأمم هي حكايات أيضاً». وهذه الخماسية الروائية محاولة من «أم خلدون» لتثبيت المكان في اللغة، وهي مؤلفة من الروايات التالية: «مواكب الشهداء ـ الحمامة البيضاء ـ من أجل أمي ـ غربة في الوطن ـ الفدائي» والتي وضعت في إطار أدبي عن معاناة الشعب الفلسطيني. أما الكاتبة فهي، بحسب ابنتها جنان نويهض سليم في كتابها «ورد على سياجي» (2009) «كتلة من الإحساس والشفافية الروحية والشاعرية، ذات قلب كبير اتسع لكل من عرفته... سكبت الكثير مما في قلبها ووجدانها من مشاعر أرق من النسيم في الشعر. ونسجت من خيال قصصي جامح لم يعرف حدوداً لأسفاره. روايات عديدة كانت تكتبها كلما سنحت الفرصة للكتابة بين مشاغل حياتها الكثيرة».
يشتبك الذاتي والموضوعي والخاص والعام في نص جمال سليم نويهض حتى أنني لم أشك لحظة في ان هذه القصص قد قاربها الخيال الا لضرورات النص. بل يمكن القول إن النص، بسبب شفافيتها يتشكل بقيمته المعرفية والتوثيقية وغالباً محمولاً مع جمالياته، فإذا أنت والأدب في أصالته وفي جذوره وينابيعه الحقيقية.
انها حكايات مأخوذة من عمر حقيقي. من عصب ولحم ودم. من حوادث وقعت وكانت غنية بإشاراتها ودلالاتها. حتى أن تقسيم الروايات من الداخل يشي كأن القصص القصيرة قد ضمّت إلى بعضها لتصبح رواية. قطع من حياة، وفقرات من تاريخ فلسطين الاجتماعي والسياسي والثقافي. وهذا الاشتباك يأتي ليعبر عن المعنى ويدعونا إلى التفكير فيه ومعه. فمن المعاناة الذاتية والموضوعية ينبع الفكر ويحضر التاريخ. وهذا شعور تولد عندي من القراءة مضمونه ان جمال سليم نويهض تريد للتاريخ الفلسطيني ان يستمر ويحيا ولا يقف او يتجمّد. ولذلك ربما اختارت ان تلعب لعبتها في الأمل والمصير والواقع والحرية. او كأن الكتابة هنا تحضر باعتبارها علامات الوجود الإنساني على الزمان والمكان المتصلين بهذا الحضور وباعتبارها أدباً إنسانياً خالصاً.

ما الرواية؟
أن تكون روائياً او روائية هو ان تعرف كيف تروي. والكاتبة تعرف كيف تروي الحكاية وتقنعنا بها. وكل الحكايات هي في النهاية حيل لأن تقول المعنى. تتغير الاسماء والعناوين لكن الجوهر واحد. يتغير البيان أو الشكل ويبقى المعنى.
يقول الروائي الارجنتيني ساباتو: «إن المرء حين يكتب رواية، فلأنه يريد أن يقول للعالم من هو وماذا ننتظر من الحياة؟». واحسب ان «أم خلدون» قالت كلمتها في هذا العالم وانتظرت النصر والعودة والغياب والذين كبروا تحت الشمس والذين صبروا. وانتظرت البيت والحديقة الصامتة والبركة والازهار والقصائد والأغاني. وانتظرت الأمل وانتظرت البطل. وهي ضد البطل الأسير ومع البطل الحر، وتسأل: «أيموت الفدائي في غيبوبة العقل؟»، ولعله يحيا في صيرورة الفداء.
قدّمت جمال نويهض سليم في خماسيتها شخصيات كثيرة: السمسار، الصامد، المناضل، الطماع. ولكنها عندما تكتب عن المقاوم تفيض وتتجلى وتحتفي، وكأنه بطلها المستحيل. أما النص فيقوم على صراع ورسالة من دون ان يفقد خط التشويق. صراع بين الحب والواجب، بين ما هو كائن وما يجب ان يكون. أما الرسالة فسعي لا يتوقف لإظهار القيم الوطنية والإنسانية والاجتماعية والحضارية التي تقوم عليها حياتنا. كان سارتر يردد دائماً أن مهمة الكاتب «استكشاف القيم الخالدة في المأساة الاجتماعية والسياسية لزمانه ومكانه». وجمال نويهض كتبت موقفها، وقيمها، ولغتها وشهادتها في الرواية. كتبت من داخل الموقف، في لحظة الحقيقة، من عالم تعرفه وتألفه.
لا ليس عالم الرواية هو عالم الأماني والأحلام والأوهام والواقع القائم، بل النزوع إلى تحقيق نقيض ما يحيط بنا، بل هو بناء ايمان جديد وإنسان جديد ورؤية جديدة.
ويبقى السؤال الآخر كيف تنسج النص؟ كيف يبزغ الرمز؟ منذ زمن لم أقرأ خماسية قادرة على استقطاب او بناء عالم متكامل من التفصيلات وقدرة على الإتيان بلغة نضرة معبرة هي المعادل الموضوعي لوضوح الرؤية والتفكير. من الوقفة الجادة امام النص، ومن نسيج قماشته قدت من مشاعر وأحاسيس. من قوة الانتماء، من الإيمان القوي بأن الخطأ سيظل كذلك ولن يتحوّل إلى صواب مع الزمن. من تفكيك الخطاب الاستعماري لفلسطين، من احتجاج المظلوم على الظالم. من فقدان المكان وأهله واستعادة كل ذلك بالكلمات وخطوط الروح. من إعطاء المشاعر قيمة برهانية وقيمة وجودية من الإصرار على أن رمز كل كتابة هو سيدة الأرض فلسطين.
قرأت مرة هذه الكلمة لبروست: «العمل الفني هو حب بائس». ولكن عندما قرأت الخماسية كان العمل الفني نضراً منساباً بسلاسته مشعشعاً بالنور. او لعله حب أخضر مثل يدها او قلبها او كل تلك الآمال التي عاشتها رغم الخيبات. تريد جمال سليم نويهض أن تقول غير الحقيقة وصورة الواقع وبدون أي حجاب. الأبيض أبيض والأسود أسود. لا تحولات، على الرغم من خفوت إيقاع السرد أحياناً وتبعثر الصورة.
حاولت جمال سليم نويهض في خماسيتها ان تستعيد المكان فاستعادت الامل واستنهضت المقاومة، وكان حنينها هو صلب تفكيرها. عاشت في الرواية سيرتها الذاتية، التجربة العميقة التي تجعلنا نكتشف أنفسنا ونعيش التجربة ونشاهدها وننتصر. جمعت هذه الحكايات كمن يجمع النواة على النواة لتكتمل الثمرة. كان محمود درويش يسأل: «هل يزور المرء نفسه؟». في كتابة «أم خلدون» زيارات متكررة للنفس ولمكان هو في مكانة الروح ومقام التاريخ ومجرى الحياة.
كتبت جمال سليم نويهض خماسيتها بروح نهضوية تنويرية قيامية. كتبت عن فلسطين في قتال موجع حزين دفاعاً عن الإنسانية، وفي مواجهة النكبة المريعة التي ألمت بنا. لم تهدأ حتى رأت شعلة المقاومة تنتقل من جيل إلى جيل. لم يهنأ لها بال إلا بعد أن كتبت «ما دامت هناك مقاومة، هناك أمل». وما دامت الذاكرة موجودة ففلسطين لن تموت. وما دامت الحياة تنبض فينا فسيظل الصراع قائماً حتى تنتصر الحرية وتزهر شجرة الحق.