| 

انعكست الثورتان التونسية والمصرية على الشباب الفلسطيني بشكل كبير، فكان التفاعل معهما ضمن الواقع الافتراضي والفعلي، عظيم الأثر في تجديد الأمل لدى الشباب الفلسطيني، للنضال من أجل إحداث تغيير يعيد الاعتبار إلى الأولويات، ويشق مساراً جديداً في اتجاه تحقيق المشروع الوطني، وإعادة توجيه البوصلة نحو الاحتلال، وكذلك إعادة الاعتبار إلى الجماهير التي تعاني جراء الاحتلال والحصار والانقسام الداخلي، وإلى دور الشباب الذين جرى تهميشهم أعواماً طويلة، واستبعادهم من مواقع صنع القرار.
فعلى صعيد الواقع الافتراضي، انخرط الشباب الفلسطيني في نقاشات جادة ومسؤولة تسعى لإيجاد حلول للمسألة الداخلية، بعد عزوف ملحوظ ومستهجَن عن التفاعل مع القضايا الوطنية، والنزوع إلى الذاتي وإلى قضايا أخرى. وفي كانون الثاني/ يناير 2011 ظهرت عشرات المجموعات الشبابية والصفحات على شبكات التواصل الاجتماعي (الفايس بوك)، التي تعكس اهتماماً بجوانب القضية الوطنية، كالتمثيل الوطني، وإنهاء الانقسام، ومحاربة الفساد، وحق العودة، والأسرى، واستجد إقبال شبابي ملحوظ عليها.

انطلاق التحركات الشبابية
سرعان ما انتقل هذا التفاعل في العالم الافتراضي إلى أرض الواقع، وبدأ التحرك الشبابي في نهاية كانون الثاني/ يناير متأثراً بالمشاركة الشبابية والشعبية العارمة في الثورتين التونسية والمصرية، وبالتضحيات التي يقدّمها الشباب من أجل الانعتاق من الظلم والاستبداد، والقوة الهائلة التي تملكها الإرادة الشعبية لإحداث التغيير، وتوظيف ذلك كله فلسطينياً في سبيل التخلص من اليأس والاستسلام للانقسام وتقدم مشاريع الاحتلال على الأرض، الأمر الذي عكس صحوة لدى الشباب الفلسطيني، وثقة بالقدرة على التغيير، على الرغم من الواقع المأساوي.
وكان من أبرز تجليات انتقال الحراك إلى أرض الواقع في قطاع غزة، كما هو الحال في الضفة الغربية، انطلاق نوعين من المجموعات الشبابية دوافعهما مختلفة: الأول، مجموعات فئوية موجهة ضد أحد طرفي الانقسام، وهذه فشلت في تحريك الشارع، الثاني، مجموعات الحراك الشعبي التي أطلقت فاعلياتها في ظل جدل عميق في إطار الواقع الافتراضي، وعلى الأرض في آن واحد، بشأن الأولويات في المرحلة الراهنة، الأمر الذي عكس تبايناً في الرؤية والشعارات المتعلقة بأولوية القضايا المطلبية كالفقر والبطالة وسوء الأوضاع الاقتصادية. أو القضايا السياسية المتمثلة في إنهاء الانقسام، أو قضية التحرر من الاحتلال.
ولم تلق الدعوة إلى إعطاء الأولوية لمطلب إنهاء الانقسام استجابة واسعة من الناس في بداية التحرك، غير أن إصرار الشباب على أولويتها كمهمة مباشرة لإنهاء الاحتلال وترتيب الوضع الداخلي، شكل بداية لتكوين مجموعات متعددة.

التشكيل الأولي
كان التشكيل الأولي للمجموعات الشبابية في قطاع غزة سريعاً، ولا يخلو من الحماسة والارتجال، لكنه عبّر عن رغبة قوية في النزول السريع إلى الشارع. وقد اتسمت هذه المرحلة بانطلاق مجموعات عدة بشكل متواز في كل من الضفة الغربية وقطاع غزة، من دون تنسيق في البداية، وإنما على قاعدة تجاوز الهوية الحزبية إلى الفضاء الوطني العام، وتأكيد تجاوز الفئوية وصدق الأهداف والنيات، وضرورة ضمّ جميع ألوان الطيف السياسي إلى هذه المجموعات، ولا سيما في قطاع غزة.
بعد اغتيال المتضامن الدولي فيتوريو أريغوني في غزة، ركزت المجموعات الشبابية جهودها على التظاهر والاحتجاج ضد هذه الجريمة، الأمر الذي شتت التركيز على الهدف الأساسي المتعلق بإنهاء الانقسام. كما برزت مظاهر أساءت إلى التحركات الشبابية كالاستعراض والالتفات إلى النجومية الإعلامية والمظاهر الاحتفالية وبروز بعض مصادر التمويل لبعض المجموعات بهدف تغطية الفاعليات الاحتجاجية ضد جريمة اغتيال أريغوني.
وبتوقيع اتفاق المصالحة، والاحتفاء بإعلانه في القاهرة في 4 أيار/ مايو 2011، طغت المظاهر الاحتفالية في مناطق قطاع غزة كلها، ونظم الحراك الشبابي بعضها في محافظات الجنوب والوسط وغزة. وشكل توقيع هذا الاتفاق نقطة تحول نوعي في دور الحراك الشبابي، فتحول من مُطالب بإنهاء الانقسام إلى حامٍ لاتفاق المصالحة، وضامن أساسي لتنفيذه على أرض الواقع من دون مماطلة.
وعلى الرغم من حالة التراجع، فإنه لا بد من البناء على المؤشرات الإيجابية إلى التجربة الماضية، وفي مقدمها ظهور دور طليعي للشباب ساهم في التأثير في مواقع صنع القرار، بما في ذلك توقيع اتفاق المصالحة، وإكسابهم خبرات لم تتح لهم جراء تهميشهم المستمر بحجة افتقارهم إلى الخبرة. وقد عُقدت اجتماعات عدة بهدف توحيد مجموعات الحراك الشبابي في جسم واحد، على الرغم من استمرار معارضة بعض المجموعات للوحدة، بل حتى التنسيق على قاعدة برنامج مشترك ارتباطاً بالعامل الفئوي.

* ناشط سياسي شبابي، غزة.