| 

التقيت أحمد ابن رابعة في شارع الملوك بحيفا (صار يسمى بعد احتلال الـ48 شارع الاستقلال). عرفته من النظرة الأولى، فهو لم يتغير، ظل شعره أسود وظل رفيعا وممشوقاً ويرتدي القميص الأزرق الغامق وبنطلون الجينز الكاشح، وهو لم يعرفني او ربما تظاهر بأنه نسيني، واعتقدت ان في هذا التنكر تعبيرا عن استياء ربما لانني أهملته عشرين عاما، وربما أصابه شيء من استعلاء او خجل، وقد يكون اصاب ذاكرته خلل ما، او ان ما تغير في شكلي في عشرين عاما أفقده القدرة على الربط بين الشاب الوسيم النشيط الخفيف الحركة وبين ما أبدو عليه اليوم وكأنني بلغت الثمانين بصلعتي الجرداء والشيب الذي غزا شعري وكرشي الناتئ وظهري المحدودب وحركتي الثقيلة ومشيتي البطيئة.

* * *
قال لي عن حيفا انها مدينة عاهرة وعنصرية ولا تتقن إلا الكذب والنفاق وقد تركها هو عشرين عاما لانه عاف نفاقها وعنجهيتها، ولما عاد إليها وجدها أكثر عهراً، واعتذر مني عن هذا الهجوم الأرعن على مدينة نتغزل بها وكأنها صبية في عنفوانها الشبابي، ولكنها في الحقيقة عجوز شمطاء تنبعث منها رائحة السنين البالية. والصحيح ان احمد ابن رابعة كان دائما يكفر بما يشاع عن هذه المدينة من كلام جميل ويقودنا في الحديث حالا وسريعا إلى وادي الصليب الذي ظل يتآكل بعوامل السنين والاهمال وجرافات البلدية إلى ان اصبح مكانا حقيرا، ثم يأخذنا إلى وادي النسناس الذي يسميه وادي المصائب وفرجة الأجانب لان هنام من يتفنن في تحويل البؤس العربي إلى تحفة فنية، والبلدية تنظم حفلات الرقص في «عيد الأعياد» على أشلاء مدينة كانت احيت حفلة لأم كلثوم واخرى لفريد الأطرش ولم تعرف في ماضيها «طرفشة» الحكي عن طوائف وملل وديانة هنا واخرى هناك إلا في عهد هذا الاحتلال.
قال لي: تعال وسنفتح خمارتنا من جديد، فما جدوى السكوت والهروب والانزواء؟
ترددت في البداية واعتبرت ما يقوله أحمد ابن رابعة ضربا من الهذيان والحنين إلى ماض ذهب ولن يعود، ولكنني عندما أدركت حماسته الشديدة وغضبه وثورته قلت لنفسي وله: يا ولد، ماذا ستأخذ من هذه الدنيا الفانية؟ وماذا ستترك لها؟ لعل في استعادة الماضي ما يفرج كرب هذا الزمن الملعون. وذهبنا. اتفقنا منذ البداية على ان نتعرف من جديد على مدينتنا. ماذا يعني ان نتعرف؟ يعني ان نبدأ من مكان ونعود إليه في نهاية المطاف. ويعني ان نتوقف هنا وهناك وان نبحث عن عمارات كانت قبل عشرين عاما واختفت، وان نبحث عن أناس كنا نلتقيهم كل يوم ورحلوا. سنبحث عن مدينتنا التي فقدناها قبل ستين عاما وعثرنا على أشلائها ثم فقدناها قبل عشرين عاما او هي فقدتنا لأننا كرهنا نفاقها.
قل لي: هل عباس الفران لا يزال حيا؟
سألني أحمد ابن رابعة باهتمام كبير، وقلت له: لا أعرف، فأنا مثلك غبت عشرين عاماً. ما رأيك في ان نبدأ جولتنا من الفرن؟
قال: إذا كان الفرن في قيد الحياة. فأنا مدين لعباس الفران بعشرين رغيفا. لا أعرف كم أصبحت قيمتها اليوم. احمل معي ما يكفي من النقود لأسدد الدين.

* * *
كم هو جميل وطيب صديقنا احمد ابن رابعة. مخلص وصادق إلى حدود السذاجة ولا يعرف البوليتيكا ولا اللف والدوران، ولهذا السبب كرهه المنافقون وأولاد الحرام والشين بيت وأذناب الحكومة.
لم يكن لرغيف الخبز طعم الرغيف الذي كنت أشتريه من عباس الفران قبل عشرين عاما، ولم يكن للجبنة الصفراء الطعم نفسه، فكل شيء تغير في هذه المدينة حتى طعم الخبز. لكنني شعرت بنشوة لم أعرفها من قبل لأنني أجلس في المكان الذي جلس فيه رجل كان في السبعين من عمره عندما غادرت حيفا، وكان هو منبت حبي للناس وللفقراء.
لم أضع أمامي صحيفة ولا كتابا يبرران جلوسي في هذه الساعة وسط هذا الاحتضار المكاني. أكلت بترو. ثم أشعلت سيجارة ولما أدرت وجهي إلى داخل المقهى رأيت الشاب العربي والفتاة الروسية يرقبان حركاتي، فأشرت لها بأن تأتي إلي، ولما تقدمت قلت لها قبل ان تنبس بكلمة: أدعوك للجلوس معي ما دام المقهى يخلو من الزبائن، وإذا شاء زميلك فيستطيع الانضمام إلينا والقهوة على حسابي.
ضحكت الفتاة وأشارت إلى الشاب لينضم إلينا، وصرت احكي لهما قصة عباس الفران.
التقيته أول مرة عندما كنت طالبا في المدرسة. وكان عباس يبيع الخبز العربي، وينظر بصمت إلى المارة ولا يتفوه بكلمة. كان حزينا طول الوقت ويثير الشفقة. وفي احد الأيام رأيت طالبا من زملائي يقترب من الطبق ويخطف رغيفا ويهرب فلحقت به وأعدت الرغيف إلى الطبق، وبعد ان شكرني وأثنى على عملي الطيب سألني: لماذا أعدت رغيف الخبز؟ قلت: هذه سرقة. قال: ربما انه جائع وإلا لما تصرف هكذا. هل تعرفه؟ قلت: انه زميلي ولا أعرف انه يسرق. ربما تكون قد حرمته رغيف الخبز؟ ودخلنا في جدل حول الجوع والفقر. وبدأت أكتشف ان هذا الرجل الذي يمضي يومه على قارعة الطريق رجل حكيم، وأقوى مما كنت أتصور.

* * *
قال لي عباس الفران في لقائنا الثاني انه لا يذكر نفسه الا في الفرن الذي بناه والده. كان هنا في هذا المكان، أكبر فرن في المدينة. كنا نوزع الخبز على جميع المطاعم. أعتقد انني ولدت فيه، فلا أذكر نفسي إلا في الفرن. «وفي واحد وعشرين نيسان سنة الثماني وأربعين، دخل علينا جنود انكليز وقالوا لنا أتركوا كل شيء وأهربوا لأن اليهود راح يذبحوكم ويرموكم في النار. هربنا إلى الميناء، حملونا على اللانشات، وكبونا في صيدا. كنا أنا وأمي وابوي وزوجتي وأولادي الثلاثة، الكبير كان عمره عشر سنين، حاولت إقناعهم بأن نرجع، كلهم رفضوا وخافوا يرجعوا في الليل. أخذت ابني الكبير، وقطعنا الحدود عند سعسع وكان معنا ثلاث زلام. اليهود كانوا رابطين لنا. بعد كم متر صاروا يقوسوا علينا. كلهم انقتلوا. كمان ابني، وأنا الوحيد اللي نجيت. هربت لما شفت دورية عم تقرب. ابني والثلاثة ظلوا ملقحين، كلهم ماتوا. أنا رحت أركض في الجبال ووصلت على بلد اسمها حرفيش. احتميت في بيت، وبعد يومين ثلاثة وصلت لحيفا. الفرن كان مشموع والبيت مسكر. مفتاح البيت كان معي. دقيت عالباب ما حدا فتح. فتحت الباب في المفتاح ودخلت. كان كل شيء على ما هو، ما راح شي من البيت. كان أشيا جديدة مكومة على الأرض، ثياب وشنطات وكتب وصرامي كبار وصغار. رميت حالي على التخت وما غمضت عيني إلا سمعت صراخ وصياح. فتحت عيني كانوا خمسة واقفين قدامي. زلمة ومرة وثلاث أولاد شباب. خفت يذبحوني، وصاروا يحكوا معي بلغة ما عرفت شوهي، أنا بعرف عبراني، كان عندنا زباين يهود بيجوا من الكرمل، باعرف عبراني لبلب. بعد شوي وصل شرطي وثلاث جنود. سألوني مين انت؟ قلت لهم قصتي، قالوا لي هاي الدار مش إلك لأنك تركتها وهربت. إطلع برا. ورموني في الشارع. رحت على وادي النسناس دوّر على اصحاب ظلوا في البلد. كل حيفا كانت تعرفنا أبا عن جد. كنا من أغنيا البلد والناس تضرب فينا المثل. صفيت لحالي لا بيت ولا فرن ولا أهل ولا مرة وما عرفت وين ابني مدفون وما عرفت شو صار في أهلي... أنا هون بعدني عباس الفران مثل ما كنت، بعدني من ستين سنة بانتظر أهلي يرجعوا وزوجتي واولادي. أهلي ماتوا وعيلتي في برج البراجنة. أنا هون من ستين سنة شايف شو عم بيصير كل يوم على الدار، أنا حارسها وحارس الفرن وشايف كل شي بيصير فيها، يوم دكانة ويوم مطعم ويوم فرمشية، تقلبت عليها ايدين وتغيرت اشكال لا الها أول ولا آخر. كل واحد بييجي هون باحكي له قصتي. في ناس عندهم ضمير. مرة عيلة أصلها من العراق استأجرت من الحكومة الدار والفرن، فتحوا في الفرن دكانة قماش وعملوا الدار مكاتب. يوم طلعت عندهم بعد ما نفقت الخبزات وحكيت لهم حكايتي. صاروا يبكوا. والله العظيم صاروا يبكوا. وبعد شهر ودعوني وقالوا احنا مهاجرين على لندن، هاي البلاد ما بتنسكن.. أنا هون بانتظر يرجعوا اولادي، ونسكن في الدار ونعمر الفرن».
وأنا سأظل انتظر.
ساعة كاملة جلست الفتاة الروسية والشاب العربي يصغيان إلى قصة عباس الفران. لم يدخل أي زبون إلى المطعم. رن جرس الهاتف عدة مرات لكنهما لم يحركا ساكنا. دمعت عيونهما. قلت: لا بد ان عباس الفران قد مات. قال لي أكثر من مرة انه لن يغادر هذا المكان إلا للقبر. هل رأيتما هذا الرجل هنا في يوم من الأيام؟
في ذلك اليوم شعرت بأن عباس الفران ينتظرني في مكانه الذي اعتاد الجلوس فيه.
ذهبت إليه فلم أجده.
جلست أنا أنتظره، فما جاء.