| 

أفرزت الثورة المصرية بمكنوناتها العظيمة كنزاً من المصطلحات تحاكي فيها وصفا دقيقا للواقع ومطابقاً للحالة الموصوفة، وتصلح كي تضاف إلى معاجم لغة الثورات العالمية السابقة واللاحقة.
وجسدت هذه الثورة التي لقبها البعض بـ«الثورة الضاحكة» لاستخدام الشعب المصري المعروف بخفة دمه النكات والمصطلحات الطريفة الساخرة في شعاراته ومطالبه الثورية، وفي تعبيره عن حال البلد والثورة، حالة نادرة من نوعها تجعل الجمهور يرتبط ارتباطاً عاطفياً بمطالب الثورة وصدق نياتها.
وكان بين أكثر المصطلحات إثارة للانتباه «حزب الكنبة» الذي يطلقه ثوار مصر على أفراد الشعب الذين يلتزمون منازلهم في أثناء الأحداث والاعتصامات في الميادين، جالسين على كنباتهم يشاهدون صناعة الحرية عبر التلفاز، ويكتفون بإطلاق الشعارات الرنانة، وغالبا ما يتميزون بكثرة الانتقادات والمزايدة على من هم في الشارع يعملون على الأرض لتغيير الواقع.
ويبدو أن هذا «الحزب» يتمتع بشعبية كبيرة في فلسطين، بل يعد حالياً، من أكبر الأحزاب وجوداً وتأثيراً، مع التشديد على خصوصية الحالة الفلسطينية ومراحل النضال والصمود المشرفة لأبناء الشعب الفلسطيني على مر الزمن. غير أن مسألة التشبيه بين الحالتين المصرية والفلسطينية ليست بالضرورة علاقة تطابقية مجردة بقدر ما هي علاقة توافقية مرحلية مرت بها مصر، وتمر بها فلسطين اليوم.
إذا كانت الانتفاضة الأولى اندلعت تعبيراً عن الأمل بحل وطني قريب، فإن الانتفاضة الثانية جاءت تعبيراً عن اليأس من إمكان تحقيق هذا الحل والتشكيك في إمكان تحويل سلطة الحكم الذاتي إلى دولة بعد فشل مفاوضات كامب ديفيد في سنة 2000. وفي اقل تقدير هناك في القيادة من اعتقد ان هذه الانتفاضة ربما تعكس الحاجة إلى جرعة إضافية من المواجهة الميدانية للضغط من جديد في سبيل فتح مسار العملية السياسية نحو التحول إلى دولة. وعلى الرغم مما سمي ظاهرة عسكرة هذه الانتفاضة، فإنها تميزت أيضا بمشاركة شبابية وشعبية واسعة سرعان ما تراجعت ربما لتحمل بذور ظهور «حزب الكنبة».
ان حالة «حزب الكنبة» هي ظاهرة عابرة في المجتمع الفلسطيني ولا تعكس ثقافة ثابتة ومستقرة، وانها ظاهرة تفشت في المجتمع وستتلاشى بانتهاء العوامل المسببة لها. ويمكن اعتبارها نوعاً من أنواع التماهي مع المتسلط كحالة نفسية دفاعية يتنكر فيها الفرد المقهور لذاته، ويسعى من خلالها لحل مأزقه الوجودي والشعور بالخواء وانعدام الأمن عبر التشبه بالمتسلط والذوبان في قيمه وتعظيمها على حساب ذاته وهويته الفردية، وأيضاً على حساب جماعته وشعبه، وهذه تعد من المعوقات الحقيقية في طريق انتصار أي مشروع وطني تحرري.
ويمكن تلخيص أبرز أسباب تفشي هذه الظاهرة بما يلي:
1) فشل القيادة في تحقيق إنجازات حقيقية للشعب الفلسطيني تنسجم ووعودها بالتحرير وتخليص الشعب من الاحتلال.
2) انتشار ثقافة الخلاص الفردي على حساب المصلحة العامة. وهذه الثقافة تركزت في أوساط «المحاربين القدامى» ممن يرون ان إحدى ثمار نضالاتهم هي ان يحظوا هم وعائلاتهم بعيشة كريمة حتى لو كانت على حساب الشعب.
تجدر الإشارة إلى أهمية دور أعضاء «حزب الكنبة» الفلسطيني، وخصوصاً الشباب منهم، الذين يملكون من الوعي والعلم والثقافة ما يجعلهم يدركون أن المرحلة الحالية هي مرحلة التغيير، وأنهم بحاجة إلى النزول إلى الشارع لا للمزايدة وتوجيه اللوم والانتقادات اللاذعة إلى من يخوضون التجارب الناجحة والفاشلة على حد سواء، وإنما كي يتعلموا منها معنى التضحية والمثابرة، ومعنى الربح والخسارة، وقبل ذلك معنى الحرية والعدالة والكرامة.
* ناشطان شبابيان سياسيان في الضفة الغربية. أنظر: مجلة الدراسات الفلسطينية، العدد 90، ربيع 2012.