| 

«مما لا شك فيه ان تطور (العنف) هذا له منطق ذاتي ولكنه منطق ينبع من تجربة وليس من تطور الافكار»
حنا ارندت
ان تراجع المؤسسات السياسية التقليدية في داخل مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، والانقسام الذي تعانيه الجهات السياسية، سمحا بنهوض حركة حماس بالإضافة إلى جماعات اسلامية صغيرة، وتحديدا في مخيم عين الحلوة. وقد شهدت المخيمات تحولاً دينياً وسياسياً كبيرا جنبا الى جنب مع المدن اللبنانية المحيطة وقد نشأ هذا التحول كنوع من مختبر (microcosm) لمجموعة واسعة من الافكار المتعلقة بالاسلام السياسي؛ اولا اعادة احياء الاسلاميين المحافظين لأفكارهم التقليدية تأثر في جزء منه بالاسلام المحافظ المتمدن اللبناني في صيدا وطرابلس حيث الجماعات الاسلامية كالجماعة الاسلامية وبعض الجهات السلفية الفاعلة كانت تتنافس لوضع اسس جديدة للدعم الاجتماعي. هذا التيار الاسلامي المحافظ تمت مساعدته ايضا عبر الفضائيات، خاصة القنوات السعودية الفضائية مثل أقنية اقرأ والمجد والناس... الخ إن هذا التحول الديني أظهر في بعض الاحيان شكلاً من أشكال الخطاب الطائفي ضد حزب الله. اظهرت المقابلات خيبة امل عميقة من هذا الحزب الذي يرفض قادته اتخاذ اي مبادرة لمصلحة حق العمل والتملك للفلسطينيين. ان أجندة المقاومة ليست كافية بعد الان لضمان تحالف اللاجئين الفلسطينيين معه. ثم ان سياسة التمييز المتعمد للسلطات اللبنانية وعدم وجود خطة سياسية متماسكة متعلقة باللاجئين تركت المخيمات في حال من الفقر والقهر القانوني. أخيراً، هناك مرارة متزايدة من التراجع، والمعتبرة هزيمة عند البعض، للمشروع الوطني الفلسطيني، بسبب الصراع بين حماس وفتح في الأراضي المحتلة.
في محاولة للكشف عن الحركات الإسلامية الرئيسة التي قد تؤثر في الشباب الفلسطيني في المخيمات، عرضت دراسة قام بها مركز الاستطلاع اللبناني للمعلومات (International Information) في العام 2010 سؤالاً عن اي حركة اسلامية كان مشروعها موافقاً لتوقعاتهم. وقد أجابت الاغلبية من الشباب (74,7%) بأن لا احد. وبعكس الصورة التي تنقلها وسائل الاعلام فإن الغالبية العظمى من الناس في المخيمات خاصة الشباب لا يعتبرون استخدام العنف ضد المدنيين في العالم (الإشارة هنا إلى11 سبتمبر وأحداث عنف في أماكن أخرى) مبرراً دائماً. ومع ذلك، فإن70,1% يرون أن ما يشار إليه بـ«التفجيرات الانتحارية» في الأراضي الفلسطينية هو عمليات استشهادية ضد العدو وبالتالي فهي مبررة دائما، بينما 20% يعتبرون ان العمليات الاستشهادية مبررة احيانا. استنادا الى النتيجتين الاخيرتين فان من الواضح ان هناك فصلاً واضحاً وتمييزاً بين المقاومة والارهاب.
اظهرت المقابلات مع عصبة الانصار والحركة الإسلامية المجاهدة ديناميكية استثنائية لهذه الجماعات التي لم يتابعها الاعلام والسلطات اللبنانية والدولية تماماً. إن هذه المجموعات تلعب دورا رئيسيا في الحد من العنف وكذلك توليده. ولا يوجد أي دليل على أن هناك علاقة بين المجموعات المقيمة في المخيمات مع تنظيم القاعدة كما يقول كثير من السياسيين اللبنانيين. فبعض المجموعات في داخل المخيمات غير المنتسبة إلى تنظيم القاعدة تستطيع ان تبني خطاب الجهاد العالمي الذي له شكل خطاب تنظيم القاعدة نفسه، وبعضهم ارسل مقاتلين الى العراق لمحاربة قوات التحالف الدولي. مؤخراً أظهر بعض الابحاث الميدانية التي قمت بها في تموز 2009 تغيراً هائلاً داخل الجماعات الاسلامية المتطرفة. فقد تم حل جند الشام والقضاء شبه الكلي على فتح الاسلام وتحولت عصبة الانصار لتصبح تياراًَ اسلامياً عادياً بأجندة اجتماعية محلية أكثر من كونها أجندة سياسية عالمية.
ان بيانات البحث الميداني فككت صورة نمطية خاطئة عن مخيم عين الحلوة بأنه معقل لتنظيم القاعدة، وأن هناك تحولاً كبيراً في هوية سكان المخيم وانتقالها من الهوية الوطنية نحو الهوية الإسلامية. أصبحت منظمة التحرير الفلسطينية وحركة حماس والجماعات السياسية الأخرى واعية لهذا الخطر، ونظمت على سبيل المتابعة، لجنة امنية مؤلفة من جميع الأطراف بما فيها عصبة الانصار وحركة الجهاد الاسلامي.
إن حالة مخيم عين الحلوة مختلفة عن باقي المخيمات الفلسطينية، كما هي الحال في مخيم نهر البارد، حيث أن وجود فتح الاسلام لا ينطوي على التحول السياسي والإيديولوجي للمخيم. في الواقع، كانت جماعة فتح الاسلام في المقام الأول ظاهرة في المخيم، وليس من المخيم، اي ان مقاتلي فتح الاسلام استخدموا المخيم كموقع استراتيجي لحرب العصابات. فوجود فتح الاسلام في مخيم نهر البارد كان حالة استثنائية بدلا من ان تكون حالة نموذجية.
والاسلاميون في مخيم عين الحلوة ليست لديهم أي أجندة عسكرية في لبنان، كما كان واضحا في تصريحات المشاركين في مجموعة التركيز (Focus groups) التي جرى تأليفها في تموز 2009 حيث أعلنوا أنهم يحافظون على استعدادهم للتنفيذ، في انتظار اليوم للقتال من أجل فلسطين. وأعلن أحد قيادات حركة الجهاد الاسلامي في عين الحلوة: «نعم نحن مدعومون من ايران ولكن لدينا موقف مستقل. جدول أعمالنا هو حصرياً فلسطين. نحن لا نرغب حتى في العمل من لبنان. نحن هنا لدعم اخواننا في فلسطين، فليس لدينا إلا أسلحة فردية خفيفة».
على الرغم من تشظي الساحة الإسلامية في مخيم عين الحلوة، فهناك شخصية لها تأثير واحترام لدى سكان عين الحلوة والفصائل السياسية هي: الشيخ جمال خطاب، مؤسس الحركة المجاهدة الإسلامية وإمام مسجد النور في المخيم. لال المقابلة، فقد تغيرت لهجة الشيخ خطاب فجأة، لتصبح أكثر جرأة بينما كان يتحدث عن الأمن في المخيم: «إننا لا نستطيع أن نهدد أمن المخيم أو المقيمين فيه من أجل حماية بضعة أفراد. إن سلامة المخيم أهم اعتبار». وأشار إلى أن بعض أطراف السلطة اللبنانية يريد استخدام مخيم عين الحلوة كقاعدة ضد حزب الله، وشدد على العلاقة الجيدة مع هذا الحزب «لدينا العديد من الاجتماعات مع حزب الله ونحن ندعمهم فلقد رحبنا بالجنوبيين النازحين في مخيم عين الحلوة. الناس هنا اعطوهم بطانيات ومواد غذائية. حتى اننا أرسلنا البطانيات إلى صيدا ونحن لم نشارك مع حزب الله في الحرب، لأن هذه الحرب هي حرب صواريخ وليست حرب مقاتلين بشريين. ليس لدينا إلا الأسلحة الفردية التي لا يمكن أن تساعدهم. لدينا علاقة جيدة جدا مع بعض الجماعات الإسلامية اللبنانية «.
لدى الشيخ الخطاب ايضا أجندة اسلامية اجتماعية معتدلة. ردا على سؤالي عن حركة حماس ومحاولتها فرض الحجاب على المحامين والقضاة الذين يعملون في المحكمة أجاب: «نحن ضد فرض الحجاب، ولكن هناك كثيرا من الناس المقتنعين بالحجاب من دون ان يكون الزاميا، وقد ازداد عدد النساء ليس المحجبات فقط بل المنقبات. لقد زرت متجرا للكتب تديره مجموعة الشيخ خطاب في المخيمات عام 2009، ولاحظت أن هنالك كثيراً من الكتب المتعلقة بالفقه ولبعض الكتاب السلفيين، ولكن هناك أيضا بعض الدعاة الجدد (يوسف القرضاوي، عمرو خالد، طارق سويدان.. الخ)، وبعض الكتب تتحدث عن تاريخ لبنان وفلسطين، واثنان عن الجهاد باعتباره ظاهرة عالمية.
اعتمادا على ما ذكرناه، لا يمكن اعتبار عين الحلوة مكانا استثنائيا، فهو لايخفي مقاتلي القاعدة، وليس لتنظيم القاعدة تأثير في العقيدة الدينية لسكان المخيم. إن نفوذ القاعدة في السكان ضئيل. وقد كشفت الدراسة المسحية لمركز للمعلومات الدولية في المخيمات الأربعة التي شملتها الدراسة (البارد، البداوي، عين الحلوة وبرج الشمالي) عن الموقف من الأشخاص الذين يرتكبون أفعالا إجرامية بقصد قتل المدنيين من أجل تصحيح المظالم مع حكومتهم، فقال ٧٣.٣ في المئة من المستطلعين الشباب بأن مثل هذه التحركات «لا يمكن تبريرها»، بينما قال ١٥.٢ في المئة انها «مبررة دائما». وهذه النتائج تحدت التصور السلبي الكاسح والمشترك بين اللبنانيين، على أن مخيمات اللاجئين الفلسطينيين هي جزر أمنية. لا يحمل العنف في روتين الحياة اليومية آثارا لإيديولوجية العنف، بل هو تعبير عن التجربة الفلسطينية في سياق التمييز القانوني، والفصل بين المناطق الحضرية والعنف الذي تمارسه الدولة. فالعنف السياسي والعنف في الحياة اليومية داخل المخيمات على حد سواء كما في داخل لبنان، لهما سمات محددة، إلا أنه ليس شديداً بشكل خاص.
الأمر الذي اتفق عليه كثير من المشاركين في المجموعات التركزية هو أن الإسلام السياسي قد ظهر في العقد الأخير، خيرا أو شرا، كقوة ضاربة وجديدة في المخيمات. بالنسبة إلى البعض، فهو جلب أفضل ما لدى الناس، لدفعهم إلى التصرف بحكمة وبالطريقة الاسلامية، وحسر العنف والانحراف، والانحلال الأخلاقي، بينما شجع في الوقت نفسه زيادة التعاون بين الجوار، وحسن أنظمة الصحة بما في ذلك الوقائية، وحسن الخدمات الاجتماعية. من جهة أخرى، جلبت الفصائل الاسلامية معها مشكلات جديدة، وقبل كل شيء، كان في مقدمتها عدم القدرة على الاندماج في الأشكال الحالية او التاريخية من إدارة المخيمات، وبالتالي ولدت نزاعات.
قسمت هذه البيئة المجتمع الفلسطيني بين قطبين: خيبة الأمل لدى الأغلبية وخاصة الشباب، والتشدد لدى اقلية قليلة، ولكن من دون أن تسقط هذه الأقلية في فخ الجهادية المتعددة الجنسيات.
أما التطرف فهو نتيجة لمزيج معقد من العوامل الأساسية والطارئة التي لا يفسرها الفقر والقهر الاجتماعي وحدهما. ولا تشكل المجموعات المتطرفة سوى نسبة ضئيلة في مخيم عين الحلوة، وهي أقل في مخيمات أخرى. حتى في نهر البارد لم تكن ظاهرة فتح الاسلام جزءا من المجتمع. بدلا من ذلك كان المخيم موقعا استراتيجيا للجهات الفاعلة المحلية والإقليمية، والتي نظرت إلى هذا «الفضاء الاستثنائي» كوسيلة ملائمة لتوسيع نفوذها.
ان تاريخ الوطنيين الفلسطينيين في السبعينات والثمانينات والفصائل اليسارية والاسلامية، هو تاريخ من تفعيل التحالفات السياسية وتفكيكها مع الأطراف التي لديها أسس ايديولوجية أو توجهات مختلفة. ان الوضع الحالي مشابه لهذا التاريخ. والعديد من الذين تمت مقابلتهم من أعضاء عصبة الانصار مستعدون للتخلي عن وضعهم الميليشياوي والعودة الى الحياة المدنية (demobilisation). ان المسؤولين اعترفوا بأخطاء الماضي، وارادوا فتح صفحات جديدة مع السلطات اللبنانية. إلا أن هذه السلطات تنظر إلى هذه الجماعات باعتبارها جماعات ارهابية، ومع ذلك، لا تبدو انها تريد أن تتبع الطرق المعهودة لدفع هؤلاء الى الحياة المدنية. وما تزال السلطات اللبنانية تسعى للحد من حركة اللاجئين داخل المخيمات وخارجها، وانكار شرعية الإدارة الفلسطينية للمخيمات وشرعية المؤسسات الأمنية.

أستاذ علم الاجتماع السياسي في الجامعة الأميركية في بيروت.