| 

منذ تأسيس السلطة الفلسطينية عام 1994، شهدت الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، تنامياً ملحوظاً لمظاهر العنف الاجتماعي والسياسي، خاصة في الفترة التي تلت تفجر انتفاضة الأقصى عام 2000، ففي المظهر الجنائي للعنف، تشير إحدى إحصاءات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، التي ترصد أعداد الجرائم المُبلغ عنها في عقد من الزمن، إلى ارتفاعها من 11578 عام 1996، إلى 20706 عام 2005، بزيادة تصل إلى (80%). وبالتفصيل، فإن حوادث الخطف قد ارتفعت من 21 إلى 202، والجرائم المتعلقة بالمخدرات من 194 إلى 881، والسرقة من 2353 إلى 5075، والاحتيال والتزوير من 854 إلى 2991.
ربما يكون من الطبيعي أن ترتفع معدلات الجريمة، وتبرز مظاهر العنف في مجتمع كالمجتمع الفلسطيني في الضفة والقطاع، الذي يعاني تفاقم مشاكل الفقر والبطالة والاكتظاظ السكاني وغيرها من المشاكل الاجتماعية، إلا أن تزايد تلك المعدلات بهذا الشكل الحاد خلال عقد من الزمن أمر يستحق التأمل والدراسة. وإن كانت الإحصاءات الرسمية قد رصدت بالأرقام تصاعد العنف ذي الطابع الجنائي، فهناك شكل آخر للعنف، قد تنامى بشكل متزامن في المجتمع الفلسطيني خلال الفترة عينها، لا ترصده أي إحصاءات؛ وهو العنف السياسي الذي كان إما عنفاً سياسياً رسمياً يظهر في السياسات الممنهجة التي اتبعتها السلطة الفلسطينية منذ نشأتها، وحافظت السلطة، تحت حكم حماس، في غزة عليها أيضاً، كالقمع والاعتقال على خلفية سياسية، وتقييد حرية الرأي، وحرية التظاهر وغيرها من الحريات السياسية، أو العنف السياسي المنفلت الذي يعكس حالة الاحتقان الحادة داخل المجتمع، وظهر على شكل صدامات وحوادث متكررة بين أنصار الفصائل الفلسطينية وحتى بين أعضاء الفصيل الواحد، وخطاب التخوين والتحقير فيما بين الأفرقاء المختلفين. ووصل العنف السياسي إلى ذروته بجولات الاقتتال الداخلي بين فتح وحماس، التي انتهت بسيطرة حماس على غزة في حزيران 2007.
من المفيد الإشارة إلى أن العنف السياسي هو غير العنف الثوري، الذي يأتي في سياق حركة الشعوب للتحرر الوطني أو الاجتماعي. إنه عنف لا يخدم أي غاية وطنية، أعمى البصيرة، يملأ فراغات خلَفها غياب الحوار السياسي داخل المجتمع، وانتفاء القواسم المشتركة والثوابت الوطنية التي يجتمع الكل الوطني حولها على اختلافهم السياسي والأيديولوجي، وغياب المؤسسة الوطنية التي تحظى بشرعية التمثيل الحقيقي للشعب، بحيث يصبح نفي الآخر هو الوسيلة الوحيدة لتحقيق الذات و«الانتصار» على «الخصم» الداخلي.

أوسلو: مفترق الطرق
شكل مشروع أوسلو مفترق طرق للقضية الفلسطينية، نتج عنه انقسام حاد في الحركة الوطنية لم تعهده من قبل،-وهو الانقسام الحقيقي والأخطر، لأنه انقسام سياسي/برنامجي، أما ذاك الذي تلا اقتتال فتح وحماس منتصف عام 2007، فجاء تحت مظلة انقسام أوسلو، وفي إطار صراع القوتين للسيطرة على مؤسسة سلطة الحكم الذاتي المحدود-، فحتى في أحلك الظروف، وفي أدق المراحل التي مرت بها في السابق؛ لم يحدث أن طال الخلاف بين القوى الفلسطينية، ثوابت القضية نفسها. وبالتالي لم تعد هناك أرضية مشتركة تجتمع عليها قوى الشعب الفلسطيني، وأصبحت إمكانية تحقيق الوحدة الوطنية – وهي قضية مصيرية بالنسبة لشعب في طور التحرر الوطني - غير واقعية، رغم كل المحاولات والدعوات للحوار الوطني، والاتفاقات الوطنية التي سرعان ما كانت تتحول إلى حبر على ورق. وفي ظل هذا الانقسام أصبحت شرعية منظمة التحرير، المؤسسة الجامعة، والوطن المعنوي، والممثل الوحيد، ناقصة ومحل شك. وبعد هذا العري السياسي، تكشف المجتمع الفلسطيني، وانتشرت فيه العصبيات على أنواعها، سواء للفصيل السياسي أو للعشيرة أو للمنطقة، وباتت هويته الوطنية مهددة في ظل الواقع الموضوعي الذي فرضه الاحتلال، حيث لا يوجد تواصل ديموغرافي بين أجزاء الشعب الفلسطيني، ولمن يعيب على الثورات العربية، غياب فلسطين عن شعاراتها، وأعلام فلسطين عن تظاهراتها؛ أدعوه للبحث في التظاهرات والاعتصامات التي تنظم داخل المدن الفلسطينية اليوم، عله يجد علماً واحداً أو اثنين تائهين بين غابة الأعلام الصفراء أو الخضراء أو الحمراء.
إن البيئة السياسية المأزومة التي أنتجها اتفاق أوسلو، وانتهاء حالة الاشتباك المباشر بين جماهير الشعب الفلسطيني في الضفة والقطاع ودولة الاحتلال، بفعل انسحاب قوات الاحتلال من داخل المدن، وخطيئة التنسيق الأمني التي حولت بعض المقاومين إلى حماة لدولة الاحتلال؛ كل تلك العوامل حولت، موضوعياً، وجهة الصراع، من صراع تحرري مع العدو الإسرائيلي إلى صراع فيما بين الفلسطينيين، بعد أن كانوا كتفاً بكتف في مواجهة الاحتلال. وفوق كل ذلك، جاءت السياسات الاقتصادية «النيوليبرالية» التي اتبعتها السلطة الفلسطينية، والتي أدت – إلى جانب سياسات الاحتلال الاقتصادية والأمنية - إلى المزيد من الإفقار للشعب، وخلقت تفاوتاً طبقياً حاداً لم يعهده المجتمع الفلسطيني من قبل؛ كل ذلك جعل الشعب الفلسطيني في الضفة والقطاع، مثله مثل أي شعب يعيش ذات الظروف، عُرضة لانتشار الجريمة بأنواعها، وهذا ما حصل بالفعل.

العنف السياسي بين الشباب
كما هو معلوم، فإن الشباب هم الفئة الاجتماعية الأكثر تأثراً بالتغيرات السياسية والاجتماعية والثقافية، كونهم في مرحلة بناء الذات وتكوين الرأي والقناعات. فالشاب الذي يكبر ويجد أبواب الأمل موصدة في وجهه، ودواعي الإحباط تحيط به من كل جانب، ولا يجد قضيّة يكرس نفسه لها؛ سرعان ما يغرق في بحر اليأس، ويملأ صدره غضب أسود، يطلقه في جميع الاتجاهات، ويصبح فريسة سهلة للضياع والجريمة. لقد كان لالتحاق الشباب الفلسطيني بالحركة الوطنية، وانخراطه بالنضال الوطني ضد الاحتلال، أثر كبير على ابتعاده عن الجريمة بأشكالها، خاصة أن النضال الوطني بما فيه من تكاتف وتآزر شعبي وتضحية، هو بذاته عملية تربوية. أما اليوم، وفي ظل التشرذم الوطني، فمن الطبيعي أن ترتفع معدلات الجريمة بين الشباب الفلسطيني بعد أن فقد ما يميزه عن غيره من الشباب الذي يعيش ظروفاً مشابهة في مجتمعات أخرى.
كان الشباب بشكل عام، وطلاب الجامعات على وجه الخصوص عبر الحركة الطالبية، عنصراً فاعلاً ومؤثراً في الثورة الفلسطينية، في جميع مراحلها، فمن بين صفوفهم خرجت قيادات الثورة الفلسطينية المعاصرة، ياسر عرفات وجورج حبش وأبو جهاد وغيرهم، كما أن الجامعات الفلسطينية، شكلت خلال انتفاضة عام 1987، بؤراً ثورية تؤرق الاحتلال، وتُنظّم منها التظاهرات، وحيزاً عاماً يتعرف فيه الشباب الفلسطيني على قضيته ويلتحق عبره بالعمل الوطني العام، ومن بين جنباتها برز عدد من القادة الطلابيين الذين سرعان ما أصبحوا قادة وطنيـــين كبــــاراً، كأحـــمد ســـعدات ومروان البرغوثي وإسماعيل هنية (هل يستطيع أحـــد أن يذكر اسم قائد فلسطيني شاب واعد برز خلال العقدين المنصرمين؟). أما اليوم فقد أضحت ساحة للصراع بين الكتل الطلابية التابعة للفصائل السياسية، فلا يمر عام دراسي، من دون أن تعلن فيه جامعة فلسطينية واحدة على الأقل إغلاق أبوابها، وتعليق الدراسة فيها، لا بسبب اقتحام قوات الاحتلال لحرمها، كما كان يحدث في فترة الانتفاضة، بل بسبب أعمال العنف السياسي المنفلت بين أنصار الفصائل الفلسطينية داخلها.
إن تراجع الوطني لمصلحة الفصائلي على أرض الواقع، شوه المجتمع، وضرب قيمه، وانحدرت حتى السمات الشخصية لشبابه، التي كانت في يوم من الأيام على مستوى نبل قضيتهم وسمو أهدافها، أما عندما توجهت البوصلة نحو صراع سياسي داخلي على الفتات الذي تركته إسرائيل من فلسطين، انحطت سماتهم الشخصية إلى المستوى الهابط لهذا الصراع المُخزي.

* كاتب فلسطيني مقيم في غزة.