كنا أوضحنا للجنة الأميركية بأن رغائب ومصالح قضاء يافا لا تمتزج مع حكومة غير الحكومة البريطانية نظراً إلى حركة صادراتنا مدة ثمانين سنة مع بريطانيا العظمى وخصوصا مصر وذلك للجوار الموجود بين بلادنا وبينها. وعليه فمهما قيل لكم إن الأهلين لهم ميول ورغائب لا توافق على وجودكم في البلاد كوجود أحزاب ينتمون إلى حكومة غير الحكومة البريطانية فهو عار عن الصحة لا يستحق التفاتكم.
كنا أقنعنا الأهالي بأن حكومة بريطانيا العظمى هي أفضل حكومة تنظر في عمران بلادنا وترقيها وأبنّا لهم وجوب حمايتها للبلاد فطلب منا بل أكد علينا ببذل جهدنا لدى الحكومة لتوقيف مهاجرة الصهيونيين إلى فلسطين ومنعها. ولما كنا قد وعدناهم بالدفاع عن حقوق وطننا نعرض الآن ما يأتي:
أخذ الصهيونيون ممن لا تعرف هويتهم وأميالهم يهاجرون إلى فلسطين من جميع أقطار العالم زرافات زرافات لا يلوون على شيء إلا الوصول إلى فلسطين مع أننا نرى في أكثر الجرائد الكبيرة ما ينشره الدكتور وايزمن وغيره من زعماء الصهيونيين على أن إسكان مليون مهاجر الآن في فلسطين أمر صعب لأن البلاد فقيرة لا يمكنها أن تقوم بمعايشهم اقتصاديا، ونراهم يخطبون على منابر أميركا وبريطانيا وفرنسا ويقيمون الأدلة على أنهم حصلوا على عطف الحلفاء ومصادقتهم ثم ننظر اليوم في بلادنا فنراهم حاصلين على تسهيلات ومساعدات كلية نأسف ونبكي لحرماننا منها.
نحن قوم طائعون محبون لمن تولى أمرنا والدليل على ذلك قبولنا دفع جميع الرسوم التي طلبت منا رغم بلايانا الدامية المفجعة. كنا موقنين بأن حكومة بريطانيا العظمى ستعرض علينا أضعاف أضعاف ما تأخذه منا. طلبنا بإلحاح ورجاء فتح بنك عقاري للتسليف كما يفعل الآن البنك الصهيوني مع ذويه الذين بواسطة المال طبعا سيضعون أيديهم على مرافق البلاد وربما نحتاج إليهم لبيع أراضينا لا عن قصور منا بل لقلة ما بأيدينا بعد حرب خمس سنوات واحتمال مصائبها الهائلة العديدة، ولا سيما أن في إمكان أوروبا إسكان اليهود في أرض الله الواسعة إذا كانت تشفق عليهم وليس في بلادنا التي ارتوت تربتها بدماء أجدادنا وامتزجت بعظام آبائنا.
وأعجب من هذا أن فلسطين المسكينة التعسة المنكودة الحظ صارت ألعوبة بيد السياسيين تتناولها كما شاءت أهواؤهم فإنهم لم يكتفوا بتصريحاتهم بوجوب إعطاء فلسطين لليهود بل جعلوا يقترحون اقتراحات تبرهن لنا على أن الشعب العربي الموجود في فلسطين اليوم لا يأتي عليه نصف قرن وهو في عالم الوجود. إذ يقترحون فصل فلسطين عن سوريا وجعلها وحدة سياسية منفصلة ـ ولعمري لا ندري ما هي الوحدة المنفصلة ـ تحت إشراف إنكلترا فيكونون باقتراحاتهم هذه:
أولاً: قد أعطوا فلسطين لليهود.
ثانياً: جزأوها وسلخوها عن سوريا، وبانسلاخها قل عددنا وكثر عدد اليهود وأصبحت لهم الأكثرية في كل شيء ونحن لسنا بقادرين عليهم مع كثرتنا وقلتهم الآن فكيف بنا إذا صارت لهم الأكثرية وهم أكثر منا مالاً وأرقى علماً.
ثالثاً: يكونون قد وضعوا البلاد العربية تحت إشرافين أجنبيين بحيث تكون فرنسا الدولة المبغضة لليهود والمعاكسة للفكرة الصهيونية في سوريا، وإنكلترا المتساهلة معهم أكثر من كل دولة في فلسطين. فيا لهول هذه الاقتراحات التي تقضي علينا وعلى بلادنا القضاء المبرم. وليت تلك الاقتراحات اقترحها ناس ليس لهم مركز في العالم السياسي بل هي اقتراحات لجريدة التايمز التي تعبر عن أرقى أفكار الساسة البريطانيين تقول إنها أتتها من رجل أقام في الشرق بضع سنوات وليس له غرض شخصي ولا سياسي. فتأمل.
واقتراحات المستر هربرت صموئيل من وزراء بريطانيا العظمى السابقين القائل إن اقتراحه الآتي يدعه أن يعتقد بارتياح أن العرب واليهود يعيشون معاً بوئام في فلسطين إذا طبق. وما علم أن ذلك يؤدي إلى أوخم العواقب إذ قام يقترح وضع قرار يظهر لمؤتمر الصلح ضرورة تنفيذ وعد بريطانيا للصهيونيين بمقتضى عقد دولي رسمي في أقرب آن.
ثم إن وضع خليط من المهاجرين لا وطن لهم بل معظمهم من الروس والألمان (وكل صهيونيي العالم يتكلمون الألمانية وهي لغتهم في اجتماعاتهم) سيكون بالطبع نقمة أبدية على هذه البلاد. وبسبب التحاسد والغيظ من الهند إلى بغداد فمصر فمراكش وكل امتياز يعطى للصهيونيين يحرك غيرة وحقد المصري والبغدادي والسوري.
وفي النهاية نود أن نعرف ماذا يقصد الصهيونيون في بلاد متألمة كفلسطين وهم فئة من خمسة عشر مليونا منتشرين في خمسة أقطار المعمورة لهم تجارة رابحة وثروة طائلة ومواهب معتبرة. فإن كان قصدهم الاستيلاء على فلسطين وأخذها من أهلها وفصلها عن مجاوريها وعن بريطانيا العظمى وكان ذلك بإغضاء بريطانيا الحكيمة وصاحبة الرأي السديد في السياسة فإنا نرفع صوتنا إلى الإنسانية محتجين على تحقيق هذا القصد وصوتنا لا ينقطع حتى يخرسه الموت. وحينئذ سينضم إلى أصوات أبطال بريطانيا الذين أريقت دماؤهم في ثلاث حروب تاريخية وقعت في فلسطين ويمتزج دمنا بدمهم ويصرخان سوياً: العدل. العدل. العدل.

المصدر: ملف وثائق فلسطين، القاهرة: وزارة الإرشاد القومي، 1969.