| 

يذكر يوسف هيكل، وهو آخر رئيس لبلدية يافا قبل سقوطها في سنة 1948، أن أبناء يافا تعلموا السباحة بعد الحرب العالمية الأولى (أنظر: يوسف هيكل، أيام الصبا، عمان: دار الجليل، 1998). وهذا الأمر يثير الغرابة في البداية، لكنه يصبح مفهوم الأسباب إذا علمنا أن أبناء طرابلس الشام أيضاً لا يعرفون السباحة البحرية، فقد ظلوا يسبحون في نهر أبو علي حتى سنة 1955 حين طاف هذا النهر، ما استدعى توسيع المجرى، فانهار بذلك تقليد بأكمله، وبدأ عهد السباحة البحرية (أنظر: خالد زيادة، يوم الجمعة يوم الأحد، بيروت: دار النهار، 1994). والمعروف أن قرى الساحل الفلسطيني لم تنشأ على شاطئ البحر مباشرة، بل بعيدة عنه نسبيا، وهي تبعد عنه بين خمسة وثمانية كيلومترات، وجميعها تدير ظهرها إلى البحر وتواجه الشرق، ما يعني أنها قرى زراعية في الأساس، والصيد فيها يحتل مكانة هامشية. والأمر نفسه يتكرر في الساحل اللبناني؛ فمدينة بيروت الأصلية (داخل السور) تبتعد عدة كيلومترات عن رأس بيروت، وعدة مئات من الأمتار عن الميناء. وطرابلس بدورها تبعد عن الساحل ثلاثة كيلومترات.
غير أن يافا انفردت بين مدن الساحل الشامي بموسم بحري هو موسم النبي روبين، الذي كان يقام على ساحل بحرها الجنوبي، وهو يبدأ في أول تموز ويستمر ثلاثة أسابيع، وكانت يافا تفرغ من سكانها في تلك الفترة، وتذهب عائلاتها إلى الخيام المنصوبة هناك حيث تلتقي عائلات الفلاحين الآتية من اللد والرملة والقرى المجاورة. وموسم النبي روبين هو طقس من طقوس الخصب (زفة النبي روبين) يقام عند المكان الذي تلتقي فيه مياه النهر مياه البحر. وهذا الموسم، مع أنه ديني الشكل (مثل أربعاء أيوب) إلا أنه مناسبة للتخفف من انضباط الحياة اليومية المحافظة. فالسباحة، بمفهوم ثقافي، هي انعتاق الجسد من الملابس أمام الجميع، الأمر الذي يؤدي إلى تحول جذري في مفهوم الحياء. وهو مثل الموالد المصرية التي تُرتكب فيها أنواع شتى من السلوكيات المناوئة للقيم الدينية، ومع ذلك فمشايخ الدين يباركون هذه الموالد بقوة. وكانت المرأة تهدد زوجها بالقول: « يا بتروبني يا بتطلقني».
من غرائب موسم النبي روبين، الذي كانت تجري وقائعه الاحتفالية على مرمى حجر من الأمواج، أن البحر نفسه لا شأن له في هذا الاحتفال الشعبي، فلا مسابقات في السباحة، ولا ألعاب مرتبطة بالبحر على الإطلاق.
ويعتبر عيد أربعاء أيوب، وهو ولي البحر، الرديف الإسلامي لعيد الفصح المسيحي ولطقوس الخصب. ففي هذا العيد كانت النساء العواقر في غزة وبيروت يرتمين على أمواج البحر ويرددن «لقّح لقح يا أيوب». أما الفتاة التي وصلت إلى العشرين، وهي سن العنوسة، فتصيح: يا بحر جيتك زايرة من كتر ما أنا بايرة، كل البنات اتجوزت وأنا على شطك دايرة. ومع الأسف اختفت طقوس أربعاء أيوب في بيروت التي كانت تقام في منطقة حنتوس (الأوزاعي اليوم)، ولم يبق من آثارها إلا أكلة «المفتقة». ومنعت حركة حماس السباحة المختلطة في غزة انسجاماً مع الموقف التقليدي لحركة الإخوان المسلمين الذي رأى في احتفالات أربعاء أيــوب طقوســاً وثنية وإخلالاً بالحياء والسترة عند النساء، وملامسة غير مقبولة لجسد المرأة في مياه البحر. ونجح هؤلاء في إلغاء هـــذه الاحتفالات منذ سنة 1982 فصاعداً (راجع: سليم تماري، الجــبل ضد البحر، رام الله: مؤسسة مواطن، 2005).