| 

يعاني الشاعر الفلسطيني الكبير سميح القاسم في هذه الأيام ضروباً من الألم والشجاعة معاً، فقد غزا السرطان كبده، ويكاد يسقط القلم من بين أصابع هذا الشاعر العربي الذي طالما كان مهتماً في بإعلاء صوت العروبة في شعره أكثر من اهتمامه بقوام القصيدة ولغتها. فالعروبة لديه كانت هويته في مواجهة المحو والتغييب والسحق.
كانت قصيدته هي جواز سفره، وكان موقفه السياسي بطاقة إقامته. ومن منزله في أعلى جبل حيدر في قرية الرامة الجليلية، ما برح سميح القاسم ينثر أزاهيره الفلسطينية في بلاده، ويقاوم طاردي شعبه بالإصرار على البقاء في الأرض التي أينعت شعراء كبارا أمثال صديقه ورفيقه محمود درويش، وعلى الوقوف بقوة خلف أبنائه الذين رفضوا الامتثال لقوانين التجنيد الإلزامي واختاروا السجن بشجاعة.
في سنة 1994 جاء سميح القاسم إلى عمان بعد غياب طال أكثر من خمسين عاماً، مع انه مولود في مدينة الزرقاء. وفي الأمسية الشعرية التي نظمتها مؤسسة عبد الحميد شومان خاطب الجميع قائلاً: «لقد تركتمونا يتامى طوال خمسين عاماً». وفي سنة 1999 بينما كان يتسلم جائزة ثقافية في احتفال بجامعة بيت لحم بحضور ياسر عرفات قال سميح: «والله يا أبو عمار، لو وجدنا فيك اعوجاجاً لقومناه بأقلامنا». فما كان من ياسر عرفات إلا ان نادى حارسه وقال له: «هات مسدسك». ثم تناول المسدس، وسار نحو سميح القاسم، وقدمه له قائلاً: مش بالقلم بس، بالمسدس كمان. خذه. خذ هذا المسدس واقتلني إذا وجدت فيّ اعوجاجاً». وأمام دهشة الحاضرين، وذهول سميح القاسم عانقه ياسر عرفات وقبله مراراً على عادته.

******
أمام رهبة الموت تتلجلج الكلمات في الألسنة. أما كلمات سميح القاسم فلعلها قادرة، وحدها، في هذا الموقف، على ان تحمل حبنا إليه في أعلى جبل حيدر في الجليل الأعلى. تقول كلماته:
«أنا لا أحبك يا موتْ
لكني لا أخافك.
واعلم اني تضيق عليَّ ضفافك
واعلم ان سريري جسمي
وروحي لحافك
أنا لا أحبك يا موتْ
لكني لا أخافك».