| 

يحار المرء وهو يقرأ كتاب «الزيب كما عرفتها» ويتساءل: أهو حكاية عن قرية الزّيب، وهي من القرى الفلسطينية التي دمرتها إسرائيل عام 1948، أم هو حكاية عمر، أم حكاية شعب؟ «الأمم حكايات أيضاً»، هكذا يقول فوكو. لكن ما يكتبه أحمد سليم عودة إنما هو رحلة العودة إلى الزّيب، وقصة التاريخ الذي يستمر ويجري في الروح وفي الذاكرة. والكاتب يجتاحنا بالتفصيلات التي تصنع الحياة الجميلة وتصنع التاريخ. وهو لا ينسى أحداً: الوجوه والأسماء والمهن والحِرَف والحقول والبساتين والبحر والعادات والتقاليد والأساطير والطرائف والأمثال واللحظات «الحلوة» واللحظات المرة. كلهم كانوا هناك، وهم من لحم ودم وعصب. وكان الزمان يجري منبسطاً بلا غفلة. تفاعلوا مع بعضهم ومع الطبيعة ومع التاريخ وصنعوا حياتهم بحب وإلفة، وأبدعوا صورة المكان الذي يشبههم لتصبح الأيام جميلة. وفجأة انقطعت الحياة وانقض (اللصوص) على القرية وسرقوها ودمروها.
كيف حاول احمد سليم عودة استعادتها هذه الحياة؟
إنه يبني هذه الاستعادة على معرفته الحقيقية للماضي، وسلامة الذاكرة الوفية التي لا تنسى أو تضعف. إن بقاء الذاكرة حيّة ونشطة ومؤثرة في ضمير صاحبها وفي وعيه يجعله يسعى لا إلى نشرها فحسب، بل إلى توريثها لأبنائه وأحفاده كي لا يموت الحق. وهو لا يتردد في الاعلان بعزم وقوة: لا، لم تكن وهماً بل بلاداً، ولم تكن لحظة بل زمناً يجري حتى مستقره. وهكذا لا تخلد الزّيب في الذاكرة وحدها بل في الواقع أيضاً. هذا ملك يعيش وينمو في داخلنا ولن نساوم عليه.
الكتابة هنا تصير علامة من علامات الحضور الإنساني، ومن علامات الزمان المتصلة بهذا الحضور في شهادة إنسانية واضحة وعميقة. وإذا كان لنا ان نعرف ان لقرية الزّيب وجوداً في التاريخ، فإننا هنا نكتشف وجودها الإنساني والاجتماعي والتواصلي والحضاري والحقيقي. وأحمد سليم عودة لا ينقل لوحة في كتابه هذا بل صوراً ومشاهد فقلمه يتحرك في المكان مثل كاميرا سينمائية. يسجل يحمل عينيه ويمر بهما بجميع مطارح الزّيب، ويحتفي بكل شيء فيها، يغنيها فتنهض أمامنا قرية ممتلئة بذاتها وعالماً متكاملاً منسجماً كأنه الفردوس المفقود. يعيد لملمتها ناحية ناحية، وشبراً شبراً، ويجمعها مثل أغنية عمره بأسى شفيف يكتم ولا يفصح. نحن امام مذكرات نتعلم منها كم للأشياء الصغيرة العابرة أهمية، وكم من قوة للغياب في الحضور.
يتغنى أحمد سليم عودة بقريته الزّيب لا ليطرب نفسه بل ليؤكد لنفسه أولاً ولجيله ولأبنائه وأحفاده ان هذا الفردوس المفقود لن يظل معلقاً في فضاء الزمان، ولا بد انه سيعود يوماً. فالحق لا يموت بتقادم الزمن بل يقوى ويشتد.
هل كتب على الفلسطيني ألا يسكن بلاده بل ان تسكنه البلاد؟ وهل ستظل البلاد بلا حياة بكلمات الكاتب: «ألا تحزن الأماكن على فراق ساكنيها؟». أحمد سليم عودة كان الشاهد والراوي والعين، والجزء الذي لا يتجزأ من المكان، روح المكان وأهله. والزّيب ستظل راسخة الحضور بين أهلها وأصحابها، وستظل «أحلى» من الذاكرة وأجمل، ولن تتغير حروف اسمها ما دامت مزروعــة في الـــذاكرة والعين والقلب والإرادة والأمل. وهذا الكتاب دفاع عن الذات والحق والهوية واحتـــلال الأرض. إنه كتاب موصول بالـــذاكرة لأنها عصب التاريخ، وموصول بالإرادة لأنها عصب التغيير، وموصول بالأمل لأنه مبدأ الوجود.