| 

الخميس بعد يوم عملِ شاق تقودك قدماك تلقائياً من مكان العمل إلى مطلع يافا، حيث برج الساعة أشهر معالمها الذي غدا مؤخرا منبراً للحراك الوطني، ثم طويلاً عبر شارع الحلوة إلى مقهى يافا، حيث يعدّ لك ميشيل راهب وجبة ترضي أحشاءك، فيما تموج بعينيك على مكتبة المقهى وتحارُ بين الأدب والشعر، وبين التاريخ والسياسة... مع أي الكتب ستمضي الساعات المتبقية من نهارك لهذا اليوم؟!
على الرغم من صغر حجم المقهى، إلا أنه غدا عبر السنين معلماً مهماً من معالم الثقافة في يافا. فبحجمه الصغير، ودفئه وتركيبته المميزة يجذب المقهى كثيرين من المثقفين الفلسطينيين عموما، واليافيين خصوصا، حيث يحوي قائمة طويلة من الكتب العربية الحديثة والقديمة التي تختلف ما بين الأدب والتاريخ والسياسة، وللزائر أن يختار ما يشاء ليقرأه مجاناً، كما تتاح له فرصة اقتناء الكتب أيضاً إذا رغب في ذلك.

عبر التاريخ
لقّبت يافا عبر التاريخ بـ«عروس فلسطين» لما احتلته من مكانة ومنزلة راقية على السلم الانساني والثقافي قبل النكبة، فلم يكن هناك من ينازعها على لقب العاصمة الثقافية للمنطقة بأسرها، إذ اعتبرت المنارة الثقافية الأولى لفلسطين، فصدرت فيها الصحف اليومية والمجلات العديدة، كما شكلت حضناً دافئاً للعديد من دور الطبع والنشر ودور السينما والمسارح، واشتهرت بفنون التطريز والرسم على الأثواب، إضافةً إلى انتشار النوادي الرياضية والثقافية فيها، والتي لا يزال بعضها قائما حتى أيامنا هذه، مثل النادي الأرثوذكسي والنادي الإسلامي.
ففي سنة 1910 أُسس أول ناد نسائي، كما نشط التعليم في مطلع العقد الرابع، فتضاعف عدد المدارس من 3 إلى 8 مدارس، وظهرت المطابع الحديثة، وصدر العديد من الكتب الأدبية والعلمية، وانتشرت الصحف اليافية في كافة أرجاء فلسطين، ولوحظ انتشار المكتبات في العديد من حارات المدينة، فمثلاً قبل النكبة كنت تجد في شارع بطرس مكتبة فلسطين العِلمية، وكذلك المكتبة العصرية، وفي حي العجمي كنت تجد مكتبة فلسطين، أما وسط المدينة فكنت تجد مكتبة عبد الرحيم. وفي شارع جمال باشا تجد مكتبة الطاهر، ومكتبة العموري، ومكتبة طلبة.

يافا الإقصاء
قد يبدو الواقع الثقافي ليافا اليوم هزيلاً مقارنةً بصورته في الماضي، جراء ما عانته المدينة خلال النكبة من تهجير لأغلبية سكانها، وما عانته ـ ولا تزال ـ من اقصاء ثقافي وحضاري نتيجةً لسياسة التقسيم والعزل التي تتبعها المؤسسة الصهيونية. ولا بدّ أيضاً من لفت النظر إلى إهمال القوى السياسية الفلسطينية لمثلث اللد الرملة ويافا، ما ساهم كذلك في عزل المدينة ثقافياً وحضاريا. وعلى الرغم من ذلك، فإن الصورة ليست قاتمةً جداً، فهناك بوادر تبعث الأمل بخصوص مستقبل يافا الثقافي، لاسيما مع تسلم الفنان محمد بكري الإدارة الفنية لمسرح السرايا اليافي مؤخراً.

السرايا
يقع مسرح السرايا في قلب يافا القديمة، في مبنىً يعج بالأقواس ويطل على البحر. أُسس منذ 13 عاما بعد أن وافقت بلدية تل أبيب على تحديث مبناه العتيق. ويقول ناشطون إن بلدية تل أبيب اشترطت للموافقة على افتتاح المبنى أن يحوي المسرح عناصر وفقرات عبرية، وهذا ما تم فعلاً. وقد قام المسرح بانتاج العشرات من الأعمال المسرحية لكبار المؤلفين العالميين والمحليين، كما دأب على تبني الطاقات الفنية والابداعية من يافا واللد والرملة والمثلث الشمالي والجنوبي، وصولا الى الساحل والجليل. وينظم مسرح السرايا فاعليات ثقافية عديدة، كان آخرها مهرجان المرأة الذي امتد ثلاثة أيام وتخللته نشاطات ثقافية عديدة كان أولها عرضاً لفرقة الفنون الشعبية في يافا، ثم حفل غنائي للفنانة سناء موسى، أعقبه عرض للمسرحية المحلية «خيوط النور»، بمشاركة نضال بدارنة وحسن طه ووسيم خير، والتي لاقت استحساناً كبيرا لدى الجمهور. كما تم عرض فيلم «دمى» الذي يطرح لأول مرة قضية قتل النساء في فلسطين، وكذلك فيلم «بُدرس» المثير للجدل. واختتم المهرجان بحلقة نقاش مع ناشطات نسويات شارك فيها حشد من الجمهور تحت عنوان «نساء واحتلال».
يعرض المسرح كذلك، وعلى مدار الأسبوع، أعمالا فلسطينية عديدة من أفلامٍ ومسرحيات وأمسيات فنية متنوعة. على قائمة العروض مسرحية الفنان الكبير محمد بكري « المتشائل» للأديب الراحل إميل حبيبي على مسرح السرايا، الذي استضاف مؤخراً الفنان الفلسطيني جوان صفدي، وقدّم عرضاً مثيرا وصاخبا لجمهوره الفلسطيني واليافي.
استطاع مسرح السرايا في السنوات الأخيرة أن يستقطب زوارا عديدين من سكان يافا أو من الطلبة في الجامعات، أو من السياح، أو من الفلسطينيين القادمين من المثلثين الشمالي والجنوبي والساحل الفلسطيني.

فرقة يافا للفنون الشعبية
إحدى الظواهر الثقافية المهمة في يافا التي تثير الكثير من الجدل على المستوى القطري، فرقة الفنون الشعبية اليافية، أو ما يسمى بكلمات أخرى بـ«فرقة الدبكة»، التي عادت مؤخرا من سخنين، حيث قدمت هناك عرضا تطوعيا تحيّة للانتصار الأخير الذي قدمه الأسرى للشعب الفلسطيني في معركة الأمعاء الخاوية في سجون الإحتلال. تأسست الفرقة في ربيع العام 2011 في إطارل مشروع خاص نفذته حركة الشبيبة اليافية، وهدفت من خلاله إلى إحياء الثقافة عن طريق الفن ورفع الوعي وسط الجمهور اليافي بخصوص الجذور الفلسطينية لليافيين وتعزيز الهوية الوطنبية ليافا عموماً.
«انطلق المشروع كدورة صغيرة للدبكة، وسريعاً ما تحوّل إلى مشروع لفرقة دبكة محلية ثم قطرية ثم إلى مشروع ثقافي فلسطيني شامل يجعل الثقافة جزءاً من الحياة اليومية ويعيد للتراث الفلسطيني مكانته المنشودة»، هكذا تصف أمل سالم إحدى الناشطات القائمات على المشروع، وتضيف أن «المشروع قام أساسا بأيدي أشخاص عاديين، وقد تفاجأنا بالاقبال الكثيف على هذا المشروع، وهذا يدل على التعطش للثقافة في يافا والرغبة الجامحة لدى اليافيين للتمسك بجذورهم».
أكثر ما تعانيه فرقة يافا للفنون الشعبية هي مشكلة التمويل، حيث تعتمد ميزانيتها بالأساس على مشاركات الأعضاء، وتأتي هذه المشكلة نتاج للعزل الذي تعيشه المدينة على المستويين الفلسطيني والعربي عموماً، وغض الطرف عن الواقع المكرس من قبل المؤسسات العربية في الخارج عن الداخل الفلسطيني عموماً، وعن يافا بالتحديد. تتشكل الفرقة من مجموعتين من الصغار والكبار، وقد أحيت العديد من الحفلات خلال السنة الأخيرة في معظمها تطوعيّة، ويشرف على تدريب الفرقة الأستاذ جمال حبيب الله، وتشمل العروض فقراتٍ عدة، منها إلقاء الشعر ولوحات فنية مختلفة كثيرا ما توصف من قبل الحضور في الحفلات بأنها «مبكية».

صمود النادي الأرثوذكسي
من المعالم الثقافية الصامدة في المشهد اليافي، النادي الأرثوذكسي الدؤوب من خلال جهده طوال نحو 90 عاماً، في إحياء الجذور والنشاط الثقافي في يافا. أنشئ النادي في العام 1924 وسرعان ما تحول إلى عشّ دافئ للمثقفين في ذلك الوقت، ولاسيما قبل سنة 1948. ولا يكف جورج حناينة أحد القائمين على المشروع عن تكرار العام 1948 كعام مفصلي غيَّر وجه الخريطة الثقافية والجغرافية ليافا كما لفلسطين، حيث شكلت النكبة طعنة كبيرة في جسد النادي الذي توقفت معظم فاعلياته في إثرها.
ضم النادي قبل العام 1948 مكتبات عدة، وداراً للسينما، وفرقاً رياضيّة، ولم يكن النادي حكراً على أبناء الطائفة الأرثوذكسية بل كان متنفساً لأبناء جميع الطوائف في يافا، ومزارا لمثقفين وموسيقيين كثر. ومع النكبة وتهجير معظم اليافيين وسيطرة العصابات الإسرائيلية على المدينة، غاب التمويل عن النادي وكاد يفقد رونقه المعهود، إلا أنه سرعان ما بدأ ينتعش. وفي العام 1961 أعيد إحياء فرق الكشاف، إذ تشمل اليوم 370 مشتركاً وتحمل رسالة التواصل مع كافة بقاع الأرض الفلسطينية، والعلم كوسيلة لنهضة الشعوب والارتقاء بالمجتمع، كما يعمل الكشاف على إحياء الأعياد والاحتفال بمناسبات الطائفة التي يشارك بها معظم اليافيين وتشيع جوا من الإيجابية في يافا.
لا تزال يافا الثقافة رابضةً تحت الاحتلال، وعلى الرغم من ذلك فهي تحاول النهوض من تحت الركام صاعدة سلم الإنسان والثقافة والحرية. لا يمكن، كما لا تصح، المقارنة بين يافا الثقافة قبل العام 1948 ويافا الثقافة اليوم. وفي الوقت ذاته، فإن الإدعاء بأن خيوط الأمل مفقودة قد يكون ظالماً، فمن الشباب اليافي من يهتم ويعمل جاهداً للنهوض بهذه المدينة والارتقاء بها مجددا على السلم الإنساني والثقافي.

كاتب فلسطيني من سكان مدينة يافا.