| 

من المنطقي القول ان المشروع الصهيوني بعد 115 عاماً على انطلاقه، وبعد 64 عاماً على تجسده في الدولة العبرية، يعاني أزمات ويواجه تغيرات وتحديات تستدعي التوقف للتساؤل عن مستقبله، وعن احتمالات استمراره كما هو، أو تغيره إلى شكل آخر، أو انهياره تماماً. فأي اتجاه هذه الاتجاهات هو الأكثر احتمالاً؟
تستدعي الإجابة عن هذا السؤال استعادة الشروط الموضوعية والظروف التاريخية التي أنتجت المشروع وأتاحت بناء الدولة، ومن ثمّ مراقبة التغيرات التي طرأت على هذه الشروط والظروف. ويمكن تقسيم هذه إلى ثلاث بيئات: البيئة الدولية، البيئة اليهودية والبيئة العربية. وهذه البيئات الثلاث غير منفصلة عن بعضها البعض من حيث التأثير والتأثر، ولكنها تحمل في داخلها مزايا وخصائص تميزها عن بعضها البعض، فالبيئة الدولية كانت تشهد حراكاً كبيراً يتعلق بالمسألة اليهودية في أوروبا وروسيا، وصعوداً في قوة الدول الاستعمارية الأوروبية، بريطانيا وفرنسا وإيطاليا، المناهضة للعثمانيين حكام الشرق العربي وأسياده، وقد توافقت هذه الدول على أن يكون حلّ المسألة اليهودية مرتبطاً بتسوية تركة الدولة العثمانية بعد القضاء عليها، أي أن يكون الحل على حساب الشعب العربي الفلسطيني، وكان لهذا التوافق نتائج ذات تأثير كبير على اليهود وعلى العرب على حدٍ سواء.
لن نذهب بعيداً في الحديث عن التطورات والأبعاد التاريخية للمسألة، ولكن الأهم هو تحديد المضامين الفكرية التي دفعت نحو هذا التوجه بين الدول الاستعمارية ورصد التغير الذي أصاب هذه المضامين. ويمكن أن نحدد أهم هذه المضامين بالتالية:
أولاً: هناك قضية رفض شعوب أوروبا لتعايش والتسامح مع الوجود اليهودي بينها، وكان هذا سائداً في كل دول المعسكرين الأوروبيين، ومعهما روسيا القيصرية، المتصارعين على النفوذ الاستعماري في العالم، ولم يكن هذا الرفض مقتصراً على ألمانيا. ولقد كان لهذا الرفض تأثير حاسم على نشوء وتنامي الحركة الصهيونية، وعلى نجاح مشروعها، لأنه كان الدافع وراء تزويدها بالقوة البشرية اللاّزمة لها، وفي إقناع الجاليات اليهودية عبر أوروبا بأنّ المشروع الصهيوني هو الحل لأزمتها مع أوروبا المسيحية. لم تعد هذه الفكرة قائمة اليوم، فشعوب الدول الغربية لا ترفض اليوم الوجود اليهودي بينها، والحقيقة التي لا شك فيها أن الجاليات اليهودية في الغرب تعيش حياةً أفضل من حياة يهود إسرائيل نفسها.
إنّ مشكلة الدولة العبرية اليوم تتجسد في أنّ هجرة ما تبقى من يهود الغرب إليها تعني زوال قواعد نفوذها وتأثيرها داخل الغرب ومؤسساته السياسية والثقافية والاقتصادية والإعلامية والتعليمية، وفي الإطار الإستراتيجي فإن هذا الزوال يعني ضعف الدولة العبرية وانهيار التغطية الغربية لوجودها وتوسعها. يضاف لهذا أن الوجود العربي ـ الإسلامي في الغرب يتنامى ويتصاعد، وسيكون لانكماش النفوذ اليهودي دور في زيادة قوة العرب والمسلمين، مما سيؤدي إلى تغيّر في سياسات الغرب تجاه الصراع العربي الإسرائيلي. إسرائيل إذاً أمام خيارات يستحيل التوفيق بينها، فإمّا المزيد من الهجرة والاستيطان وتهويد فلسطين، وبالتالي ضعف التأثير على الساحة الدولية - الغربية وخسران الغطاء الغربي الإستراتيجي لها، وإما الاستسلام لحقيقة تنامي الفجوة الديموغرافية بينها وبين العرب والفلسطينيين، مما سيعني بعد عقد واحد أو أقل أن يهود إسرائيل سيصبحون قطرة في بحر عربي، ولن يستطيعوا الحفاظ على تفوقهم في ميزان القوة بينهم وبين العرب.
ثانياً: هناك قضية علاقة بين العرب والمسلمين بالغرب وما حكمها وسيطر عليها من أفكار ورؤى، فلا شكّ أنّ الغرب نظر نظرة دونية للعرب واعتبرهم صغاراً يحتاجون لمن يرعاهم ويقودهم (فكرة الانتداب)، وقرر أنهم ليسوا أهلاً لإدارة ثروات بلادهم، ولا يستحقون التمتع بها بحرية، فألحقهم اقتصادياً بمؤسساته وشركاته وبنوكه، وعزّز عبر السنين من علاقة التبعية بينه وبينهم، وهي تبعية قادت إلى إجهاض كل محاولات النهضة العربية، وكل محاولات استعادة فلسطين، أو حتى لجم السياسة التوسعية العدوانية لإسرائيل. وقد واكب سياسة الغرب هذه استبطان النخب العربية الحاكمة، بالمجمل، لهذه المعادلة، وقناعة هذه النخب، منذ الثورة العربية الكبرى ضد الأتراك، ومروراً بمفاوضات الاستقلال، إلى رسوخ نظام القطرية العربية ورفض الوحدة والاندماج بين دول العالم العربي، بأن الغرب هو المرجعية وهو صاحب القرار ولا بدّ من أجل البقاء في مركز القيادة من التوافق مع سياساته ونظمه ومواقفه، ولا بدّ من التسليم بالوجود الإسرائيلي على أرض فلسطين، والتصالح والتطبيع معه (كامب ديفيد ومسيرة التسوية السلمية بالرعاية الأميركية - الغربية).
اليوم، وبعد تحرك الشعوب العربية من أجل التغيير، يمكن القول إن هذه المعادلة تخضع لعملية تفكيك حقيقية. لم يعد الوعي العربي مسكوناً بمرجعية الغرب، كما لم يعد مقبولاً عند قطاع واسع ومؤثر من النخب العربية، وبالأخص أصحاب الفكر والرأي منها، بقاء الشعوب العربية رهينة لحالة التبعية للغرب اقتصادياً وسياسياً، ومن المؤكد أن نهوضاً عربياً قادماً، وسيكون من أهم نتائجه تحطيم الهيمنة الغربية على الاقتصاد والسياسة العربية، وحينها لن تجد إسرائيل نفسها أمام حزب الله واحد، بل ستجد نفسها أمام تهديد أعظم لوجودها كدولة خارجة عن السياق، وناشزة عن النغم الموسيقي العربي.
ثالثاً: واكبت نشوء الصهيونية وقيام إسرائيل فكرة عزل اليهود عن المحيط العربي الذي سيتم زرعهم فيه، ورغم أن الوجود اليهودي في العالم العربي والإسلامي وجود قديم ولم يواجه بالرفض والعداء، كما كان الحال في الغرب، ولم يشكل بالتالي أية مشكلة تستدعي عزلهم أو طردهم أو إبادتهم، إلاّ أنّ الحركة الصهيونية اختارت الفلسفة العنصرية، وتبنتها في خطابها الثقافي والإعلامي، وعبّر قادتها السياسيون ومنظروها الفكريون وأدباؤها وزعماؤها عن احتقارهم للعرب، وإنكارهم لإنسانيتهم وحقوقهم التاريخية والطبيعية في فلسطين، ورفض التعايش معهم. وبعد قيام الدولة، لم تعد روح العداء للعرب هذه تقتصر على اليهود الأوروبيين الذين جاؤوا مهاجرين لفلسطين، ولم يكن لهم سابق حياة مع العرب، بل أصبحت سياسة الدولة في التنشئة الثقافية للأجيال اليهودية الجديدة، سواء أكانت من أصول شرقية أم غربية، وبما يشمل التعليم والإعلام والثقافة الشعبية العامة، فكافأت الدولة العسكريين والجنود الذين يقتلون العدد الأكبر من العرب، والأدباء الذين يشوهون صورتهم في الثقافة الإسرائيلية، ومنع أي حديث عن العرب بصورة إيجابية، وتمّ إخماد أصوات اليهود العرب الذين حاولوا الحفاظ على هويتهم العربية، فمنعوا من الكتابة والنشر بها، وزجّ بعدد منهم في السجون، بل تمت مقابل ذلك إعادة كتابة تاريخ الجوالي اليهودية في العالم العربي، وإبراز حالات الاضطهاد الشاذة لتنسجم الرواية مع بث روح العداء للعرب والتنافر مع ثقافتهم وحضارتهم. كما تمَّت كتابة تاريخ فلسطين القديم برواية تجعل العرب غزاة للأرض غرباء عنها وسبباً في خرابها وتقهقر الأحوال الحياتية فيها. ونتيجة لكل هذا، فقد قاد إسرائيل، وما زال يقودها، السياسيون العنصريون المعتمدون على منطق القوة والإرهاب مع العرب، ورفض تقديم أية تنازلات لهم، أو الاعتراف بأية حقوق لهم في فلسطين التاريخية. ولا يختلف في هذا السياق أفيغدور ليبرمان عن شمعون بيريز، أو أي زعيم صهيوني آخر.
اليوم، وبعد الفشل الذريع الذي مني به معسكر الواقعية الاستسلامية العربية أمام هذا التوجه الفلسفي الصهيوني بالوصول إلى تسوية تاريخية مع الصهيونية، وبالتالي منح الاستقرار للدولة العبرية والاعتراف بشرعيتها، يتحسس العرب والكثير من اليهود رؤوسهم باحثين عن خيارات أخرى. وحول هذه الخيارات ينبغي ملاحظة أن الدول بصورة عامة لم تعد قادرة اليوم في ظل التطورات الهائلة في وسائل الاتصالات والمواصلات والإعلام والتثقيف على السيطرة على عقول شعوبها، وبالتالي فإن الأيديولوجيا الرسمية للدولة تتآكل، وبدلاً من هيمنتها على وعي الجماهير فإنّ وعياً عالمياً وإنسانياً آخذٌ في التمدد عير شعوب العالم بلا استثناء، وهناك اليوم في إسرائيل ارتفاع لأصوات سياسية وأكاديمية ودينية وأدبية تدين الاحتلال واضطهاد الفلسطينيين وتنادي بتجاوز الأطروحات الصهيونية والبحث عن علاقة شراكة وتعايش مع العرب قبل أن تحل الكارثة على رؤوس الشعب اليهودي. وصحيح أنّ هذه الأصوات ما زالت غير ذات تأثير كبير في السياسة والمجتمع الإسرائيليين، ولكن اللافت للنظر تناميها، والمتوقع أنّه بتقدم عملية تآكل آيديولوجيا الدول، وتنامي الوعي الإنساني العالمي، وازدياد تأثير التغيرات العربية والعالمية على الواقع الإسرائيلي، فإنّ هذه الأصوات ستصبح هي السائدة، وستصاب الفكرة الصهيونية بانهيار داخلي.
في المقابل، ساد الخطاب السياسي والإعلامي العربي بعد حرب الخليج الثانية والحضور العسكري الأميركي ـ الغربي للمنطقة اتجاه التوافق والتعايش مع الصهيونية والاستسلام للقدر الأميركي الداعم لدولة إسرائيل. بيد أنّ سقوط وهم السلام عنى بشكل أساسي لكل العرب أن لا مجال للتعايش مع الصهيونية حتّى لو قدّمت لها النخب الحاكمة المتغربة والمتأمركة كل التنازلات. فما هو البديل إذاً أمام العرب؟
ثمة خياران لا ثالث لهما: الأول القضاء على الدولة العبرية عسكرياً وباستخدام أقصى درجات القوة والعنف، مع ما يتبع ذلك من تدخل عسكري أميركي وغربي للدفاع عن إسرائيل، واستخدام أكيد من قبل إسرائيل للسلاح النووي وأسلحة الدمار الشامل الأخرى، ولا يستطيع أحد أن يقدر بدقة حجم الدمار الذي سيجلبه هذا الحل على الطرفين؛ والثاني العمل على تفكيك الدولة العبرية - الصهيونية، والتعامل مع أن الحل للمشكلة اليهودية، التي هي أصلاً أوروبية المنشأ وصُدِّرت للعرب، لا يكمن في قبول الصهيونية وأيديولوجيتها، بل في إحباطها وتحطيم هيمنتها على الشأن اليهودي، وخلق الوعي لدى اليهود بأن مستقبلهم يكمن في الطلاق مع الصهيونية العنصرية وتوجهاتها العنفية والإرهابية، والسعي بدلاً من الاستسلام لمنطق حروبها، للتعايش والاندماج مع العرب على أسس إنسانية وتكاملية.
قد يرى كثيرون أن هذا أمر مثالي صعب التحقيق، ولكن التجربة الحضارية العربية - الإسلامية بتعدديتها وقبولها للآخر تدعم هذا الخيار، كما أن الأمور في النهاية تحسم في ساحة الوعي والعقل، فحين يصبح العرب قوة اقتصادية وسياسية وعلمية كبيرة على الساحة الدولية، سيجد اليهود أنفسهم أمام حقائق جديدة تستدعي فكراً مختلفاً عن توجهات الاستعلاء والاستكبار. ولا أبلغ من القول إن قوة العرب الحضارية والمادية والفكرية هي الحل لمشكلتهم مع الغرب وإسرائيل.

* محاضر في جامعة بير زيت.