| 

تتناول هذه المقالة مشهد التصدعات الاجتماعية والإثنية ـ الطائفية والطبقية في المجتمع الإسرائيلي بعد مرور 64 عاما على إقامة إسرائيل، وبيّن أن هذا المجتمع استطاع، من جهة، أن يلجم تداعيات معظم التصدعات الداخلية القديمة التقليدية، ويحولها إلى خلافات يمكن التحكّم بها وترويضها من خلال أدوات سياسية حزبية وصراع تقليدي على تقاسم الموارد والنفوذ. لهذا ما عادت التصدعات القديمة مصدر تهديد للمجتمع. من الناحية الثانية، نجد أن المجتمع الإسرائيلي شهد بروز تصدعات جديدة، أقل عمقا من تلك القديمة وأقل تهديدا لتماسكه ومناعته.
سعت إسرائيل منذ إقامتها للتحول من مجتمع مهاجرين غير متجانس على جميع الصعد، إلى مجتمع تغلب عليه صفات المجتمع «الأصلاني» المتجانس رغم تعدد ثقافاته؛ مجتمع متكافل اجتماعيا، حداثي، لا تشكل فيه الانتماءات الاثنية والدينية العصب الأهم والأبرز في صياغة هويته، مجتمع يسعى إلى التمثّل بالمجتمعات الغربية ويحسب نفسه عليها كي ينأى عن المجتمعات العربية المجاورة، مجتمع يتمتع بدرجة عالية من الاستقرار الاجتماعي والسياسي والاقتصادي. وقد نجت بذلك إلى حد بعيد منذ منتصف تسعينيات القرن المنصرم، حين اتضح انها لن تضطر إلى مواجهة عبء سيل من المقتضيات التي قد تتطلبه منها هجرة جماعية كبيرة أخرى، بعد موجه الهجرة من الاتحاد السوفياتي السابق، وبسبب بدء المفاوضات السياسية مع منظمة التحرير وبعض الدول العربية.
هذه التحولات، بالإضافة إلى استيعاب التصدعات الاثنية والاجتماعية القديمة في الجهاز الحزبي والسياسي الإسرائيلي، ساهما معا في احتواء التصدعات القديمة وعدم تناميها إلى درجة تهدد الاستقرار السياسي والاجتماعي في إسرائيل. بالمقابل، هناك تبلور لتصدعات جديدة أقل صعوبة، منها التصدع بين الإسرائيليين القدامى والمهاجرين الجدد من الاتحاد السوفياتي سابقا، والمهاجرين من اثيوبيا، وانتقال التصدع بين اليهود المتزمتين دينيا (الحريديم) وباقي المجتمع من المضامين الدينية إلى مضامين اقتصادية وتقاسم العبء. ومؤخرا برزت ملامح تصدع طبقي من نوع جديد في إسرائيل، يختلف عن التصدع الطبقي القديم الذي لامست حدوده الهويات الاثنية.

التصدعات التقليدية
١ـ التصدع الاثني ـ الطائفي
اعتبر التصدع الطائفي على امتداد عشرات السنين تصدعا بين اليهود الشرقيين والاشكناز (اليهود المهاجرون من دول الغرب). فمنذ قيام دولة إسرائيل اعتبر هذا التصدع أساسيا في الساحة السياسية الإسرائيلية، وكان مسببًا أساسيًا لفوارق اجتماعية واقتصادية شاسعة لصالح الفئات الاشكنازية، نجم عنها إقصاء اليهود الشرقيين واستغلالهم على امتداد عقود وتركيزهم في القرى والمدن البعيدة عن المركز؛ وهي نتائج ما زالت ملموسة، وإن كان ثمة تغيير جذري في حدّتها في العقدين الأخيرين. كما أسلفنا.
منذ موجة الهجرة من دول الاتحاد السوفياتي سابقا إلى إسرائيل في تسعينيات القرن الماضي، ثم هجرة اليهود من اثيوبيا، نجد أن هاتين الفئتين تشكلان، ولو بتفاوت في حدة الإقصاء، طرفًا في التصدع الطائفي بصيغته الجديدة، في حين يشكل المهاجرون القدامى، على اختلاف انتماءاتهم، طرف التصدع الآخر.
يقترب عدد المهاجرين من دول الاتحاد السوفياتي سابقا، من نحو 1,2 مليون نسمة، يشكلون قرابة 17% من سكان إسرائيل. على الرغم من اعتبار هؤلاء المهاجرين ذوي مؤهلات مهنية وعلمية عالية وانتمائهم إلى فئة «الاشكناز ـ الغربيين»، إلا أن اندماجهم في الاقتصاد والمجتمع الإسرائيلي واجه بعض الصعوبات. وما يزيد من صعوبة الاندماج الاجتماعي هو اختلاف المهاجرين من حيث كونهم «علمانيين» في سلوكهم اليومي، وبعضهم ليس يهوديا أصلا، وصلوا من مجتمعات المدن، ولم يهاجروا إلى إسرائيل لأسباب أيديولوجية ـ سياسية، بل لأنها صُورت لهم مكانا سهلا للعيش فيه، ليس كما هو الحال بالنسبة لدول أوروبا والولايات المتحدة. أضف إلى ذلك أن المهاجرين واصلوا استخدام اللغة الروسية في حياتهم اليومية كلغة التواصل الأساسية بينهم، وأقاموا شبكات اجتماعية واسعة للحفاظ على استمرار العلاقات بينهم في أماكن تواجدهم المختلفة، إضافة إلى دعمهم لحركات وأحزاب سياسية أسسها مهاجرون منهم، مثل حزب «يسرائيل بيتينو» (إسرائيل بيتنا) وقبله يسرائيل بعلياه (إسرائيل في تصاعد)، ولديهم أيضا وسائل إعلام تتحدث بالروسية.
مجموعة أخرى من المهاجرين اليهود الجدد نسبيا الذين يشكلون هدفا للعداء وحتى الاحتقار هم اليهود الأثيوبيون، الذين واجهوا منذ وصولهم صعوبات جمّة ولاقوا تعاملا مذلا من المجتمع والدولة في إسرائيل، على حد سواء. وصل عدد اليهود الأثيوبيين في سنة 2010 إلى 116 ألف نسمة (1,5% من السكان)، 30% منهم ولدوا في إسرائيل. ويعتبر المهاجرون الأثيوبيون ذوي مؤهلات متدنية وقدرات ضعيفة لا تلائم سوق العمل الإسرائيلية، مما يعرقل فرص تطور وتقدم هذه الفئة الفقيرة.
والسبب الأساسي في رفضهم في المجتمع الإسرائيلي هو، إلى حد بعيد، لون بشرتهم الذي عجزت التعددية الإسرائيلية عن استيعابه وبعض سماتهم الثقافية وعاداتهم، إضافة إلى اعتبار بعضهم مصدر مخاطر صحية. كما لم يعترف زعماء التيارات الدينية المتزمتة بانتمائهم للدين اليهودي حسب المعايير الأرثوذكسية، على الرغم من صدور فتاوى دينية من مراجع فقهية تعترف بيهوديتهم. وعلى أرض الواقع، ما زال الأثيوبيون مطالبين ببعض الطقوس الدينية التي تهدف إلى تذكيرهم بدونيتهم، وتضمن دوام خضوعهم للمراجع الدينية المتشددة بكل ما يتعلق بقضايا الأحوال الشخصية.
خلافا للمهاجرين الروس، يسعى الأثيوبيون إلى الاندماج في المجتمع الإسرائيلي ولكنهم يقصون بعيدا للأسباب المذكورة، إضافة إلى ضعفهم من حيث القدرات والمؤهلات التي لا تمكنهم حتى من تشكيل مجموعة ضغط سياسية، الأمر الذي لم يتغير إلى حد بعيد، رغم انقضاء نحو عقدين على هجرتهم.
٢ـ التصدع الديني
ما زال التصدع الديني أحد التصدعات الأساسية في المجتمع الإسرائيلي. وخلافا لما يظن عن مسببات هذا التصدع من حيث ارتباطها على نحو وثيق بمسائل الدين والدولة وبأحكام الشريعة اليهودية، فإن لهذا التصدع أوجه اجتماعية اقتصادية تدخل في خانة مستحقات المواطنة حسب مفهومها عند اليهود المتزمتين، وعند سائر الفئات في المجتمع الإسرائيلي التي تعتبر سلوك المتدينين «الحريديم» لا يتوافق مع ملامح الدولة الحديثة من الطراز الغربي الديموقراطي الليبرالي العلماني، من منظورهم.
فعلى سبيل المثال، نجد أن أبرز أوجه التصدع والتوتر في العلاقات بين اليهود المتزمتين والفئات الأخرى في المجتمع الإسرائيلي يأتي في سياق المشاركة في سوق العمل، والخدمة العسكرية في الجيش، وتلقي «الحريديم» معونات اجتماعية واقتصادية من الدولة. من جهة أخرى، يثير سلوك المتدينين المتزمتين، الذي لا يخلو من الاستقواء، في الحياة السياسية العامة، واحتقارهم لأحد أبرز ثوابت الاجماع الاسرائيلي ـ المحكمة العليا، غضب فئات عديدة من الإسرائيليين.
٣ـ التصدع الطبقي
لم يشكل التصدع الطبقي في المجتمع الإسرائيلي عاملا سياسيا مركزيا منذ إقامة إسرائيل، كون الفجوات الطبقية كانت لها دائما هوية اثنية أو دينية أو قومية، وكانت لهذه الهويات أبعاد وتأثيرات سياسية وحزبية أقوى من البعد الطبقي. فقد احتلت الفئات الشرقية مكانة دونية (سياسية ومدنية واقتصادية) في المجتمع الإسرائيلي في العقود الأولى لقيام دولة إسرائيل. ومنذ منتصف التسعينيات كانت فئة المهاجرين الجدد هي الأضعف والأكثر فقرا. لكن منذ بداية القرن الحالي أصبحت الفئات الأكثر فقرا تتألف من فئة اليهود المتزمتين دينيا (الحريديم) وقسم صغير من المهاجرين الجدد. الفقر لدى فئة المتزمتين دينيا (الحريديم) نابع من عدم مشاركة أبنائها في أسواق العمل بشكل واسع بسبب نمط حياتها. في المقابل، ولأسباب تتعلق بدور أحزاب اليهود المتزمتين دينيًا في الائتلافات الحاكمة في إسرائيل منذ قيامها، يكافئ هؤلاء من قبل الدولة بواسطة معونات اقتصادية ودعم وتمويل. ولم يحدث أن حوّل هؤلاء أوضاعهم الاقتصادية إلى قضية سياسية اجتماعية، بل طالبوا باستمرار الوضع القائم مع رفع قيمة المساعدات والدعم الحكومي دون دفعهم إلى المشاركة في أسواق العمل؛ وهو أمر يثير حفيظة الفئات الأخرى التي تعتبرهم طفيليين يتغذون على حساب غيرهم.
يتضح من مراجعة معطيات رسمية عن الفقر في المجتمع الإسرائيلي 2010 أن نسبة العائلات اليهودية المتدينة ـ الحريديم والعائلات العربية، تشكلان معا 50% من العائلات الفقيرة (نسبة الفقر في العائلات العربية بلغت 55% في العام 2010، و50% لدى العائلات الحريدية)، كما أن نسبة الفقر لدى العائلات اليهودية غير المتدينة لا تتعدى 10%، وهي نسبة مقبولة إسرائيليا وعالميا. لذلك، لا تشكل الفروق بين الفقراء (الحريديم والعرب) والأغنياء في المجتمع الإسرائيلي تصدعًا قد يهدد استقراره. لكننا نرى أن الفروق الاقتصادية بين الطبقات الوسطى والضعيفة والطبقة الغنية هي التي باتت تشكل محركا لتصدع اقتصادي من نوع جديد في إسرائيل، في السنوات الأخيرة.
تنامي الفجوات الاقتصادية داخل مركبات المجتمع الإسرائيلي وتآكل القدرة الشرائية للطبقات الوسطى والضعيفة وارتفاع أسعار المعيشة، خاصة أسعار المنازل والشقق، وانتهاج سياسة اقتصادية ودية لرأس المال وتراجع الدولة عن تحمّل مسؤولية وظائف اجتماعية اقتصادية كانت تؤديها في السابق محولة إياها الى القطاع الخاص؛ كل هذه التطورات معًا شكّلت أسبابًا مباشرة لنمو تصدع اقتصادي من نوع جديد في المجتمع الإسرائيلي، بين الطبقة الوسطى والضعيفة وبين الأغنياء والدولة وأدّت إلى اندلاع موجة الاحتجاج الاقتصادي الاجتماعي في صيف العام الماضي.
جاءت حركة الاحتجاج مفاجئة بعض الشيء في المشهد الإسرائيلي الحالي. فمن جهة، لم تشكل الأوضاع الاقتصادية عامة، ولا الفروق الاقتصادية خاصة، ولا التغيّرات في السياسات الاقتصادية، ولا سياسات الضرائب، سببا لحراك سياسي أو اجتماعي في العقود الثلاثة الأخيرة. ومن جهة أخرى، فإن هوية وجغرافية الاحتجاج كانت غير تقليدية، فقد جاء من طرف الطبقات الوسطى، ذات الأصول الغربية ـ الاشكنازية، ومن المركز الاقتصادي الإسرائيلي. وقد اقتصرت مطالب حركة الاحتجاج على إدخال تعديلات على النظام الاقتصادي الإسرائيلي، وإعادة بعض الوظائف الاجتماعية التي تنازلت عنها الدولة وأوكلتها للقطاع الخاص. وبكلمات أخرى، سعت حركة الاحتجاج إلى دفع النظام الاقتصادي الاجتماعي إلى نقطة توازن جديدة بين اقتصاد السوق والاقتصاد الاجتماعي تتناسب واحتياجات المجتمع الإسرائيلي والدولة، بل والمشروع الصهيوني.

خاتمة
على الرغم من تراجع حدة ومكانة التصدعات القديمة التقليدية في المجتمع الإسرائيلي، واحتوائها في الجهاز الحزبي والسياسي، نلاحظ أن المجتمع الإسرائيلي لا يزال يواجه تبعات كونه مجتمع مهاجرين، ولم يصل إلى درجة من التجانس الذي يضمن الهدوء الداخلي المستديم. فعلى صعيد التضامن الداخلي بين الفئات والشرائح التي تشكل نسيج المجتمع الإسرائيلي، ما زالت تُفرز تصدعات جديدة تجمع ما بين فئات التصدع القديم وفئات اجتماعية طائفية جديدة، مثل المهاجرين الجدد من الاتحاد السوفياتي سابقا واليهود من اثيوبيا.
أما في جانب التصدع الطبقي، وعلى الرغم أن هذا المحور لم يشكل على مدار 64 عاما تهديدا جديا للاستقرار داخل المجتمع الإسرائيلي بسبب الهوية الاثنية للطبقات الاقتصادية، وبسبب طغيان الخطاب الأمني على الثقافة السياسية، نجد أن الفروق الاقتصادية بين الطبقة الوسطى والطبقة الغنية وانتهاج سياسية اقتصــادية نــيو ـ ليبرالية صهيونية، سبـــب حركة احتجاج قد تؤثر في المدى المتوسط على المشهـــد السياسي الإسرائيلي، وعلى السياسات الاقتــصادية الاجتماعية، دون أن تشكل تهديدا للاستقرار الســـياسي أو الاجتماعي فيها. ولعل موجة الاحتجاج الاجتماعي فــي الصــيف الماضي، والتي تهدد بالاندلاع مجدد في هذه الأيام، هي الدليل على هذا التغيّر في أنماط التصدعات في المجتمع الإسرائيلي.

* امطانس شحادة: باحث في مركز مدى الكرمل، المركز العربي للدراسات الاجتماعية التطبيقية في حيفا.
* نبيل الصالح: مدرّس علم الاجتماع في مار الياس ـ عبلين، وباحث في مدار ـ المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية، رام الله.٠