| 

في تقديمه لكتابه «يافا مشروع تخطيط المدينة» الذي صدر عام 1946، يقول المهندس المصري علي المليجي مسعود، عضو جمعية تخطيط المدن في لندن، ومدير تخطيط المدن والبلديات في وزارة الصحة بالقاهرة، عن مدينة يافا ما يلي: «تعتبر مدينة يافا العاصمة العربيّة القوميّة لفلسطين. فبالرغم من أن القدس هي عاصمة القطر الفلسطيني وبها مركز الحكومة، فانّ عروبة يافا الخالصة تجعلها من هذه الناحية العاصمة الحقيقية لفلسطين العربية. لقد كان مشروع تخطيط يافا في النصف الثاني من أربعينيات القرن العشرين أولّ دراسة تنظيمية من نوعها لإحدى مدن الشرق العربي، حيث وضع هذا المشروع الأسس والخرائط لتطوير يافا لمدة الثلاثين عاما القادمة، ممّا يدلُّ على مستوى المعرفة والإدراك الرّفيع الذي امتاز به رئيس بلدية يافا وأعضاؤها قبل النكبة».
منذ بدايات القرن التاسع عشر، بدأت يافا تخوض عملية تطوّر سريع في شتى مجالات الحياة، وكان المحور الأساسي الذي دفع إلى التغيير والتطوّر هو المحور الاقتصادي الذي اعتمد على ثلاث ركائز هي: الزّراعة والصّناعة والسّياحة. في بداية القرن التاسع عشر، كانت يافا بلدة صغيرة محاطة بالأسوار، وكانت مساحتها تقارب المائة دونم، وعدد سكانها قارب 3000 نسمة. أما في أواخر القرن التاسع عشر، فقد أصبحت يافا مدينة حديثة، تصل مساحتها إلى 1500 دونم، وعدد سكانها 50 ألف نسمة.
حركة التّجارة في ميناء يافا في تلك الفترة سبقت الحركة في ميناء بيروت، وكانت تمر في فترة نمو سريع. منذ النصف الثاني للقرن التاسع عشر، وبخاصّة في فترة الانتداب البريطاني (1917-1948)، أصبحت مدن الساحل في فلسطين، وعلى رأسها يافا، أكثر أهمية وأسرع تطوّرًا من ناحية اقتصاديَّة ديموغرافيّة وثقافيّة من مدن نابلس والخليل والقدس. أمّا مدينة القدس فقد استطاعت أن تحافظ على مكانتها التاريخية كمركز ديني وسياسي.

برتقال يافا Jaffa Orange
المحرك الأقوى الذي دفع بيافا إلى هذا التطور السريع منذ بداية القرن التاسع عشر كان برتقالها، حتى أن كلمة JAFFA أي اسم المدينة باللغة الانجليزية، صارت تعني في دول أوروبا والقارة الأميركية أجود أنواع البرتقال في العالم. كذلك كانت الشارة التجارية المعروفة لبرتقال يافا Jaffa Orange أشهر شارة تجارية في التاريخ الحديث حتى سبعينيات القرن العشرين حين حوّلت اسرائيل سياساتها الاقتصادية إلى دولة صناعية وأهملت الزراعة.
ما ميّز البرتقال اليافي في تلك الفترة كان تطوير نوع جديد من أنواع البرتقال، والذي عرف بالشمّوطي. هذا النوع كان عبارة عن برتقال ذي قشرة سميكة، فحتى ذلك الوقت كانت جميع أنواع البرتقال ذات قشرة رفيعة لا تستطيع أن تتحمّل التصدير لمسافات بعيدة ولوقت طويل. تطوير الشموطي كان الحل لهذه المشكلة، الأمر الذي مكّن أصحاب البيارات في يافا من تصدير برتقالها إلى أرجاء الأرض كلها، لتصبح يافا أهمّ وأشهر مدينة في العالم لتصدير الحمضيات بشكل عام، والبرتُقال بشكل خاص.
لم تعتمد الزراعة وتصدير المنتوجات الزراعية في يافا على البرتقال والحمضيات فحسب، بل أتاحت المساحات المزروعة من الأراضي الخصبة في يافا ومنطقتها، الفرصة لزراعة وتصدير منتوجات مختلفة كالقمح، الشَّعير، الذرة وغيرها. وعلى سبيل المثال، كانت الأراضي في منطقة سيّدنا علي مشهورة بالبطيخ، الذي كان يُصدّر بكميات كبيرة إلى مصر منذ القرن التاسع عشر. ومنذ نهاية القرن التاسع عشر، كانت يافا تصدر سنويًا الملايين من صناديق الحمضيات.

السياحة في يافا
إضافة إلى الزراعة، كان ليافا الحديثة نشاط اقتصادي هامّ هو السياحة. فمع افتتاح قناة السويس وتطوير السفن التجارية في القرن التاسع عشر، أصبحت الطريق بين أوروبا والأرض المقدسة أقصر وأكثر أمنًا، مما أتاح الفرصة لعدد كبير من الحجاج المسيحيين لزيارة الأراضي المقدسة. ونظرا لأهميّة يافا الخاصّة في التاريخ المسيحي، حيث كانت بدايات نشر الدعوة للدين المسيحي على يد القديس بطرس من هذه المدينة، زار عدد كبير من الحجاج المدينة، ومنذ أواخر القرن التاسع عشر، وعندما كان عدد سكان يافا 50 ألف نسمة، في حين كان يزورها 80 ألفا من الحجاج المسيحيين سنويًّا.
أدت السياحة الدينية في فلسطين إلى تطور سياحي كبير في يافا الحديثة، حيث تطوّرت شركات سياحة، وشركات لنقل السياح، ومشاريع ذات علاقة، أهمّها بناء أول خط سكة حديد عام 1892 بين يافا من جهة، والقدس والفنادق والمحال التّجارية وكلّ ما يحتاجه هذا الفرع الاقتصادي من خدمات من جهة أخرى.

التجارة والصناعة
النمو الديموغرافي السريع للمدينة، أدّى إلى نهضة عمرانية كبيرة، إذ تمّ بناء وتطوير عدد كبير من أحياء يافا الحديثة خارج أسوار البلدة القديمة كحي العجمي، المنشية، الحريش، النُّزهة وغيرها. لذلك، تمّ تطوير عدد كبير من المصانع لمواد البناء في المدينة على شتى أنواعها، كما كان في يافا عدد كبير من المصانع كمصانع سكب الحديد، ومصانع تنتج مواد وبضائع مختلفة كالزجاج، السجائر، العصائر المختلفة، الثلج وغيرها الكثير. هذه المصانع المختلفة أدّت إلى انخراط طبقة واسعة من العمال والحرفيين في المدينة للعمل في هذا المجال، والذين اعتمدت عليهم فيما بعد الأحزاب العمالية الحديثة في فترة الانتداب البريطاني، وأحزاب فلسطينية أخرى أقامت لها فروعا كبيرة في يافا الانتدابية كحزب الاستقلال.
هذه المحاور الثلاثة لتي بني عليها اقتصاد يافا الحديثة، وهي الزراعة والسياحة والصناعة، دفعت المدينة الى أن تؤدي دوراً كبيراً في مرحلة الحداثة التي مرّ بها المجتمع الفلسطيني المعاصر. وعن هذا التطور، يقول الدكتور يوسف هيكل رئيس بلدية يافا، قبل نكبة 1948، في مذكراته: «إثر احتلال القوات البريطانية لمدينة يافا سنة 1917، قبل انتهاء الحرب العالمية الأولى، عاد سكان يافا من القرى والمدن التي هاجروا إليها إلى مدينتهم، فعادت الحياة إليها ودبّ النشاط في نواحي تلك الحياة المختلفة، وأصبحت مدينة يافا مركزًا ثقافيًّا، رياضيًّا، صحافيًّا، تجاريًّا وسياسيًّا مهمًّا في فلسطين». في تلك الفترة نما عدد سكان يافا إلى 80 ألف نسمة داخل المدينة، وما يقارب 40 ألفا آخرين في عشرات القرى المنتشرة في محيط المدينة. أي أنّ عدد سكان مدينة يافا عشيّة النكبة كان ضعف عدد سكان الكويت أو عدن في الفترة نفسها، علاوة على ان عدداً كبيراً من سكان المدينة أتى إليها من الأقطار العربية المختلفة كمصر، سوريا، المغرب، الجزائر وحتى من أفغانستان. وقبل عام 1948، كانت يافا وفلسطين عامّة توفران عملا لأعداد كبيرة من العمال من كافة أقطار العالم العربي، وبعد النكبة تحوّل أهل يافا وفلسطين إلى عُمّال ولاجئين في البلاد العربية.

يافا بعد الحرب: ثلاث نكبات متتالية
سقطت مدينة يافا بيد العصابات الصهيونية في 14 أيار 1948، بعد العديد من المجازر البشعة، ومقاومة أهلها الشرفاء والأبطال لتلك العصابات. هذه العصابات حين احتلت المدينة كان قد تبقى من سكانها ما يقارب 4 آلاف من أصل 120 ألف نسمة. جمع الصهاينة كل من بقي من العرب بالمدينة وقُراها في حي «العجمي» تحت حكم عسكري، استمر لمدة سنتين تقريبًا. في هذه الفترة تمت إحاطة حي العجمي بالأسلاك الشائكة وبجنود يهود مع كلاب حراسة. وقد أطلق اليهود استنادًا على تجربتهم المريرة في أوروبا المصطلح «غيتو» على حي العجمي، لأنه شابه ما عانوه بأنفسهم في أوروبا الفاشية والنازيّة والعنصرية.
كانت أول نكبة لمن بقي بيافا هي الحرب وويلاتها. فقد خسر كل من صمد بالمدينة، معظم أبناء عائلته وأصدقائه ومعارفه وبيئته الإنسانية التي تربى بها وعرفها. كما تمّ طرده من بيته بالقوة ونقله للسّكن بحي العجمي، وتمّ حرمانه من معظم حقوقه الأساسية كالعمل والتعليم العالي، وحتى التنقل والخروج من حي إلى حي كان يتم فقط بموجب تصريح من الحاكم العسكري. كذلك، تم تعريف الدول العربية كدول معادية، ومنع العائلات من إجراء أي اتصال مع أبناء عائلاتهم وأقاربهم. هكذا عاش الأهل بشعور مثقل بعدم الاستقرار والضياع بكل ما يتعلق بحاضرهم، مستقبلهم، وعدم معرفة ما جرى لأبناء العائلة الواحدة.
كذلك، فقد اليافيون مكانة الأكثرية في وطنهم، وأصبحوا أقلية هامشية تحت احتلال استعماري ينكر حتى أبسط حقوقهم كبشر، ويعاملهم كأعداء. وفي عام 1950 ضمّت بلدية تل أبيب مدينة يافا الى سلطتها، وأصبحت بلدية واحدة تسمى بلدية تل أبيب- يافا، يشكل فيها السكان العرب ما يقارب 2% من السكان. ومنذ اللحظة الأولى، وضعت بلدية تل أبيب- يافا مخطط تهويد المكان، فغيّرت أسماء شوارع المدينة إلى أسماء عبرية لقيادات الحركة الصهيونية، أو أسماء غريبة عن المكان لا تمتّ له ولتاريخه العربي العريق بأي صلة. كما عملت على تغيير الطراز المعماري للمكان من خلال هدم جزء كبير من المباني القديمة، وهدم أحياء وقرى بكاملها. وسيطرت الدولة على مناهج التدريس، وحاولت من خلال تزييف وتشويه تاريخنا ولغتنا، ضرب هويتنا وانتمائنا لشعبنا وأمتنا وتاريخنا، إلا أنها فشلت بذلك فشلاً ذريعاً.

النكبة الثانية: أكبر عملية سطو في القرن العشرين
بعد احتلال يافا وتهجير أهلها الى مخيمات اللجوء، ووضع من تبقى منهم تحت حكم عسكري صارم داخل حي العجمي. ابتكرت حكومات دولة إسرائيل عام 1949 قانون «أملاك الغائبين» الذي سيطرت من خلاله الدولة على كل أملاك الشعب الفلسطيني الذي طردته من أرضه، ووضعت هذه الأملاك تحت سيطرتها وتصرفها. وبموجب هذا القانون الجائر نصبت دولة إسرائيل موظفيها لإقصاء وتسجيل كل العقارات والمباني والمصانع والأراضي التي احتلتها وسرقتها من أصحابها الفلسطينيين، فكل من كان بعيداً عن أملاكه خسرها لصالح دولة إسرائيل. هكذا سيطرت الدولة أيضا على أملاك اليافيين الذين وضعتهم تحت الحكم العسكري بحي العجمي، وعندما أحصت أملاكهم لم يكونوا متواجدين فيها، فسُرقت دون أي اعتبار لأصحابها الأصليين.
أجرى كاتب هذه السطور عشرات المقابلات مع اليافيين الذين عاصروا هذه الفترة، وسمع مآسي الناس اليومية، الذين كانوا على بُعد عدة أمتار من أملاكهم لكنهم حُرموا منها، ووقفوا عاجزين أمام سلبها. البعض تحدث عن محاولته العودة إلى بيته ليطلب من المهاجر اليهودي الجديد الذي استولى على البيت جزءا من فراش البيت أو بعض الصور والأشياء الرمزية أو عقد البيت، لكن صاحب البيت اعتبر عندها متسللا ومعتديا، وكان الرد على مطلبه أما بشكوى ضده للحاكم العسكري، أو بإرجاع جزء يسير من ممتلكاته له. أما بعض سكان حي «المنشية» الأثرياء، فتحدثوا عن معاناتهم اليومية حين يمرون بجانب أملاكهم عاجزين عن استرجاعها، ومن ثمّ وقوفهم شهودا أمام هدم الحي بالكامل. ومن أصعب الروايات كانت روايات الفلاحين الذين سُلبت منهم أراضيهم، ومن ثمّ تم إرجاعهم إليها للعمل فيها كعمال لدى المهاجر اليهودي الجديد الذي استولى على أرضهم، وها هو الآن يستغل خبراتهم بالعمل بالأرض لمصالحه الاقتصادية الشخصية.
بعد سرقة أراضي أهل يافا وأملاكهم أصبحوا بأغلبية ساحقة عمالا مأجورين لدى أصحاب محال يهود، يراقبونهم يوميا، ويربطون رزقهم بولائهم السياسي، هذا طبعا بعد أن حالفهم الحظ ليحصلوا على عمل يعيلون به أولادهم، وهكذا تبدّل الحال وانقلبت الأوضاع بأهالي يافا العرب من أصحاب أهم مركز اقتصادي بفلسطين ، ليعيشوا كالأيتام على موائد اللئام.

العيش المشترك، عملية اغتصاب يومي!
بعد قيام دولة إسرائيل على خراب الشعب العربي الفلسطيني، قامت الدولة باستيعاب مئات آلاف المهاجرين اليهود الجدد، والذين لم تكن قد استعدت لاستيعابهم بشكل منظم. فقد قامت الدولة بتوزيع أملاك وأراضي وبيوت اللاجئين الفلسطينيين على المهاجرين، وبعد أن انتهت من هذه العملية بيافا، ولم تعد المباني تتسع لأعداد المهاجرين المتزايدة، أصبحت الشركات الحكومية الإسرائيلية تقسم كل بيت عربي بيافا لعدة شقق سكنية لتستوعب أكبر عدد ممكن من المهاجرين. بهذه الطريقة، أجبرت الدولة سكان حي العجمي العرب، الذين صادرت أملاكهم وقامت بتهجير عائلاتهم، على العيش المشترك في البيت نفسه مع عائلات المهاجرين اليهود من بلغاريا والمغرب ودول أخرى. كل بيت كان فيه ثلاث أو أربع غرف، كان يُقسم بين ثلاث أو أربع عائلات، بحيث تسكن العائلة كلها في غرفة واحدة، أما المطبخ والمراحيض فتكون مشتركة مع العائلات الأخرى.
هذه العملية كانت باعتقادي أصعب مأساة للعرب الذين بقوا في يافا بعد النكبة، حيث فُرض عليهم العيش المشترك مع من يعتبرونه العدو في نفس البيت، لاسيما أن جزءا كبيرا من هؤلاء اليهود كانوا مجندين لخدمة الجيش الإسرائيلي، فاضطر العرب اليافيون على العيش مع من هجّر أهلهم، وما زال يحارب شعبهم.
ويلات الحرب المباشرة، ومن ثم مرارة الاضطهاد والتمييز أدت إلى خلق شعور متزايد بالألم والعجز عند معظم رجال يافا العرب بعد النكبة. فقد عانوا من حرقة العجز وعدم المقدرة على الدفاع عن وطنهم الفلسطيني وحماية بلدهم الحبيب يافا، وحماية أملاكهم وبيوتهم بل واضطرارهم لقبول مشاركة أعدائهم بالعيش فيها. وهذا الشعور بالعجز أدى إلى حالة من الاكتئاب الشديد الذي أوقع العديد من سكان يافا في شباك الإدمان على الكحول أو المخدرات كوسيلة للهروب من عبء تحملهم معاناتهم اليومية، وشعورهم القاسي بالعجز أمام استرجاع أملاكهم. بهذه النكبات الثلاث المتتالية، تحولت يافا عروس فلسطين إلى أحد أبرز أحياء الفقر والجريمة في تل أبيب.

إلاّ أنّنا شعب يحب الحياة: 1951-1979
كانت معاناة الجيل الأول الذي عاصر النكبة وما بعدها شديدة جدا. كانت معظم تطلعات ذلك الجيل هي البقاء، وبالرغم من كل ما حصل إلا أنهم لم يفقدوا الأمل بحياة أفضل، وبإمكانية عودة الحياة إلى ما كانت عليه قبل النكبة، خاصة مع تطور المدّ الناصري في العالم العربي. أما الجيل الثاني الذي ولد في الخمسينيات والستينيات، فقد نشأ في واقع شديد الاختلاف عمّا ولد فيه جيل الآباء، ولأننا شعب نحب الحياة، فقد بدأ هذا الجيل بإعادة بناء نفسه من جديد من خلال الانخراط في سوق العمل بوظائف أفضل، والعمل في مجالات لم يرغب اليهود بتحمل أعبائها كالبناء وإدارة المطاعم وكراجات السيارات، إضافة إلى أن العديد من الشباب انخرطوا في مجال العمل السياسي في إطار الحزب الشيوعي، وحركة الأرض الناصرية وتيارات أخرى.
كانت سنوات السبعينيات من القرن العشرين سنوات حراك سياسي واجتماعي كبير نسبيا، والنتيجة كانت إقامة الرابطة لرعاية شؤون العرب في يافا عام 1979، حيث بدأت هذه المؤسسة بمبادرة بعض المثقفين والوطنيين الفعالين في يافا بتأسيس جمعية وطنية تعمل على الحفاظ على هوية البلد العربية الفلسطينية، كما تكافح التمييز العنصري المستمر ضد عرب يافا، وتناضل من أجل القضايا الهامة، وعلى رأسها قضية السكن والتربية والتعليم. ودون شك كان أول جيل من الاتحاديين العرب اليافيين بعد النكبة، قد شكل علامة فارقة في تاريخ يافا الحديث من خلال إنشاء مؤسسة وطنية تجمع هؤلاء المثقفين من أجل متابعة القضايا المهمة لسكان المدينة العرب ورعاية شؤونهم.

عودة الروح: 1979-2000
مع ازدياد عدد السكان العرب في مدينة يافا، وهجرة آلاف العرب من الجليل والمثلث إليها، اختلف، بشكل كبير واقع هذه المدينة من النواحي الاقتصادية والاجتماعية والديموغرافية، كما ترعرع جيل جديد هو الثاني بعد النكبة، وكان حظّه من التعليم الأكاديمي أفضل بكثير من الجيل الذي سبقه. وقد استفاد هذا الجيل مما بناه مَن سبقه اقتصاديا، وبدأ يعيد بناء ذاته من خلال استقلاله الاقتصادي نسبيا عن طريق إدارة مصالح مختلفة، خاصة في مجال إدارة المطاعم وإقامة شركات مقاولات بناء، وكراجات لإصلاح السيارات. كما استطاع البعض إكمال دراساته الأكاديمية فيما يخص المهن الحرة كالمحاماة، الطب، الهندسة، تدقيق الحسابات وغيرها..
إن ازدياد عدد السكان وتحسين وضعهم الاقتصادي أعادوا الآلاف من اليافيين إلى الانتشار مجددا في العديد من أحياء المدينة خارج حي العجمي، وذلك بسبب الضائقة السكنية بالحي، وهدم آلاف وحدات السكن داخله، وهجرة اليهود من يافا إلى المدن المجاورة بسبب إهمال بلدية تل أبيب ليافا على مدى عشرات السنين.
منذ الثمانينيات بدأت يافا تشهد تقدما ملحوظا بجميع مجالات الحياة، وبدأ ذلك يظهر بوضوح مع استعادة أبناء المدينة العديد من المحال التجارية، وترميم المساجد والكنائس والمباني العامة، بالإضافة إلى رفع نسبة خريجي الجامعات والمعاهد العليا سنويا، ومساهمتهم في إعادة بناء مجتمعهم مع الحفاظ على هويتهم الوطنية وانتمائهم وحبهم الكبير للمدينة. ومع أن محاولات تهويد المكان استمرت، إلا أن سكان المدينة أصبحوا عاملا فاعلا ومؤثرا في مدينتهم وكل ما يتعلق بحياتهم. وعلى الرغم من كونهم أقلية ضعيفة في مركز دولة إسرائيل، وهو مدينة تل أبيب، إلا أنهم يحاولون التحدي والصمود والتأثير على مستقبل المدينة، وكذلك مستقبل أبنائهم.
وقد توّجت هذه التغيرات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، موقف أهل يافا المشرف مع بداية الانتفاضة الثانية عام 2000 حين نزل المئات منهم للشوارع، ونظموا الاعتصامات والمظاهرات ضد ما يجري لأبناء شعبهم في الأراضي المحتلة منذ عام 1967، ليلتحم من جديد أبناء الشعب والجسد الواحد الذي مزقته الحركة الصهيونية إلى أشلاء متناثرة.

2000-2012 ماذا بعد؟
في ندوة عن آفاق المشهد الفلسطيني في جامعة بيرزيت في الذكرى الخمسين للنكبة، ألقى المؤرخ مارك ليفين محاضرة عن مدينة يافا وكيف تغيّرت من مركز فلسطين إلى ما هي عليه اليوم، وكانت ردّة فعل كثيرين من المحاضرين والطلبة متوقعة، حيث بدأوا بالبكاء على أطلال يافا. استمرت ردات الفعل والتعليقات على الوتيرة نفسها حتى أتى ابن يافا البار المرحوم إبراهيم أبو لغُد. وأذكر جيدا تعليقه على المحاضرة، إذ قال ما معناه: لماذا الاستمرار بهذا البكاء؟ ماذا ينفعنا؟ هل سيُعيد لنا يافا؟ إنّ ما يجب فعله من اجل يافا هو دعم مقومات الصمود لأهلها ماديًّا ومعنويًّا. لقد بنى أجداد هؤلاء السكان يافا بالماضي، وهم يستطيعون إعادة بنائها من جديد في حال توفر لديهم ما يساعدهم على ذلك من مكونات مادية ومعنوية.
أهم وأول مشروع عملي يجب بناؤه والعمل على إنجاحه هو مشروع التواصل؛ تواصل كل من يحمل جواز سفر أجنبياً يمكنه زيارة المدينة بالقدوم إليها مع أبناء عائلته من أجل التعرف على المدينة اليوم، وبناء علاقة معها ومع سكانها العرب. وكذلك، تواصل جميع اليافيين مع بعضهم البعض من خلال إقامة مهرجان دولي في أي مكان يجمعهم سويا في كافة بقاع الأرض. وتواصل عبر الانترنت بين جميع اليافيين، وتعرفهم على أحوال المدينة ومكانها بشكل منظم ومستمر.
لن نستطيع إرجاع عجلة الزمان إلى الوراء، لكننا نستطيع أن نسعى لبناء مستقبل أفضل لمدينة يافا ولليافيين في كل أنحاء العالم، والذين يُقدّر عددهم اليوم بما يقارب 700 ألف نسمة. ومشوار الألف ميل يبدأ بخطوة واحدة.

باحث في تاريخ يافا، وعضو المجلس البلدي لمدينة تل أبيب – يافا.