| 

أوضح انضمام حزب كديما، برئاسة شاؤول موفاز، إلى حكومة بنيامين نتنياهو، وتأليف حكومة وحدة واسعة مدعومة من 94 نائبا في الكنيست، حقيقة اصطفاف الأحزاب الإسرائيلية ضمن معسكري اليمين والوسط - يسار الصهيونيين. وأدت هذه الخطوة إلى إعادة الانتخابات العامة الإسرائيلية إلى موعدها الرسمي في نهاية العام المقبل، لكنها سلطت الضوء، في الوقت نفسه، على وجود توترات حتى داخل معسكر اليمين عندما بدت الحكومة مستقرة. فالصراع بين العلمانيين والحريديم (أي اليهود المتزمتين دينيا) ما زال مستعرا، والمهاجرون الروس، الذين جاؤوا إلى إسرائيل قبل 22 عاما، ما زالوا يطالبون بحقوق تتعلق بالأحوال الشخصية، والأهم من ذلك أن اليمين المتطرف الاستيطاني يزيد من سيطرته على أحزاب اليمين وخاصة حزب الليكود الذي يتزعمه نتنياهو. وفي المقابل، برز أن معسكر الوسط ـ يسار، المؤلف من حزبي العمل وميرتس، هو معسكر صغير جدا، لا يتجاوز عدد نوابه في الكنيست 11 نائبا، وإلى جانبه 11 نائبا من الأحزاب العربية التي لا يوجد لها دور مؤثر في السياسة العامة. وهناك 4 نواب من كتلة «الوحدة القومية» اليمينية المتطرفة، التي رغم وجودها في المعارضة إلا أنها تدعم الحكومة بكل ما يتعلق بالاستيطان والقوانين العنصرية والمعادية للديموقراطية.
تؤكد هذه الصورة للخريطة السياسية أن المؤسسة السياسية في إسرائيل تتجه نحو اتساع معسكر اليمين، أكثر مما كان الوضع عليه عشية الانتخابات العامة الأخيرة، التي جرت في شباط العام 2009. ويشير هذا الوضع إلى عدم صحة مقولة السياسيين والمحللين، خصوصا من معسكر الوسط – يسار، بأن التصعيد الأمني المتمثل باندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية أدى إلى نزوح الإسرائيليين نحو اليمين. فمنذ بدء ولاية نتنياهو، قبل ثلاث سنوات ونيّف، لم يحدث تصعيد أمني، لا من جانب الفلسطينيين ولا غيرهم. بل إن حكومة نتنياهو صعّدت بشكل كبير جدا من تهديداتها بإشعال حرب في المنطقة تكون شرارتها الأولى شن هجوم عسكري منفرد ضد المنشآت النووية الإيرانية. ويبدو أن نتنياهو نجح في إقناع الإسرائيليين بإرجاء كافة الملفات السياسية، وبشكل خاص الملف الفلسطيني، متذرعا بالملف النووي الإيراني. ونقلت صحيفة «يديعوت أحرونوت» عن نتنياهو قوله خلال اجتماع مع مسؤولين أمنيين واقتصاديين إسرائيليين، يوم الجمعة 25 أيار الفائت، إنه «ينبغي التركيز حاليا على حل الموضوع الإيراني وفقط بعد ذلك يمكن الالتفات إلى حل النزاع» مع الفلسطينيين. ويسعى نتنياهو من خلال تصريحه هذا، وعبر إرجاء الملف الفلسطيني، ليس فقط للتعبير عن موقفه الشخصي الرافض للتوصل إلى اتفاق مع الفلسطينيين، بل هو يسعى لإرضاء اليمين، في تحالفه الحكومي، واليمين المتطرف داخل حزبه الليكود أيضا. فهؤلاء يرفضون بشكل قاطع إجراء مفاوضات مع الفلسطينيين، خاصة أن ملامح الحل الذي يمكن أن تصل إليه مفاوضات بين الجانبين واضحة تقريبا. كذلك واجه نتنياهو معارضة داخلية له خلال مؤتمر حزب الليكود، في 6 أيار الفائت، عندما سعى الجناح اليميني المتطرف في هذا الحزب إلى منع انتخاب نتنياهو رئيسا للمؤتمر. وأكد مقربون من نتنياهو وقياديون في الليكود لوسائل إعلام إسرائيلية أن هذا المشهد دفع نتنياهو، الذي تحدث في خطابه أمام المؤتمر عن تقديم موعد الانتخابات العامة إلى 4 أيلول المقبل، إلى العمل على التوصل إلى اتفاق مع رئيس حزب كديما موفاز على تشكيل حكومة وحدة. ومن جانبه، وافق موفاز على ذلك بعد أن شاهد استطلاعات الرأي التي تنبأت بانهيار كديما في الانتخابات المقبلة.
في هذه الاثناء ليس ثمة ما يشير إلى إمكانية ارتفاع شعبية حزب كديما بقيادة موفاز. فقد اعتبر اتفاقه المفاجئ مع نتنياهو حول حكومة وحدة، بينما كانت البلاد متجهة إلى انتخابات مبكرة، على أنه «خدعة نتنة». وبالتأكيد لن تسهم هذه الخطوة في زيادة شعبية كديما. وإلى جانب ذلك فإن هناك تقديرات تفيد بأن هذا الاتفاق ينبئ بنهاية كديما. فغالبية نوابه الـ28 في الكنيست لن يعودوا إلى البرلمان بعد الانتخابات المقبلة، بعدما توقعت استطلاعات الرأي أن هذا الحزب لن يحصل على أكثر من 10 نواب. وهذا يعني أن أولئك الذي انشقوا عن الليكود في العام 2005 لينضموا لرئيس الحكومة في حينه، أرييل شارون، لدى تأسيسه كديما، سوف يعودون إلى بيتهم الحزبي، خاصة أن أفكارهم ومواقفهم ليست بعيدة عن الليكود. وهذا يعني أيضا، أن وصف حزب كديما على أنه ينتمي لمعسكر الوسط ـ يسار كان وصفا مزيفا، وأن مكان كديما، في واقع الحال، في معسكر اليمين.
وتبين استطلاعات الرأي، على مدار السنوات الثلاث الماضية، أن نتنياهو هو الشخصية الأكثر شعبية في إسرائيل لقيادة الدولة. كذلك تبين أنه لن تكون هناك تغييرات في قوة أحزاب اليمين، مثل «إسرائيل بيتنا» بقيادة وزير الخارجية، أفيغدور ليبرمان، وحزب شاس وكتلة «يهدوت هتوراة»، التي تمثل جمهور الحريديم الأشكناز.
حزب جديد
وهناك حزب جديد ظهر في الساحة الإسرائيلية، هو حزب «يوجد مستقبل»، الذي أسسه الإعلامي الإسرائيلي، يائير لَبيد. ويحصل هذا الحزب في استطلاعات الرأي، التي تم نشرها منذ أن أعلن لبيد عن دخوله إلى الحياة السياسية، في بداية العام الحالي، وحتى قبل الإعلان عن تأسيس الحزب الجديد أو حتى الإعلان عن اسمه، على عدد مقاعد في الكنيست تزيد على العشرة وتتراوح ما بين 11 و20 مقعدا. وليس واضحا بعد هل ان هذا الحزب سيصبح حزبا متوسط الحجم عندما تجري الانتخابات. لكن الأمر الواضح بالنسبة للمحللين هو أن لبيد سيرشح نتنياهو بتكليف الحكومة بعد الانتخابات المقبلة.

انهيار اليسار
معسكر اليسار الصهيوني، الذي استبدل اسمه قبل سنوات بمعسكر الوسط ـ يسار، منهار ولا يشكل بديلا لحكم اليمين بأي حال من الأحوال. وهذا المعسكر مؤلف من حزبي العمل الوسطي وميرتس اليساري. وهناك عدة روايات وتكهنات لأسباب انهيار هذا المعسكر، ويبدو أنها تشكل مجتمعة الأسباب الحقيقية لهذا الانهيار. السبب الأول هو إحضار مليون مهاجر يهودي روسي إلى إسرائيل، في بداية سنوات التسعين. وتنافس الحزبان الكبيران في حينه، الليكود والعمل، على كسب أصوات هؤلاء المهاجرين. وأشار الصحفي والمدون الإسرائيلي الروسي الأصل، ألكس تنتسر، إلى أن المهاجرين الروس تسببوا مرتين في صعود حزب العمل إلى الحكم في إسرائيل، في انتخابات العام 1992 عندما أصبح إسحاق رابين رئيسا للحكومة وفي العام 1999 عندما اصبح ايهود باراك رئيسا للحكومة. لكنهم شعروا في نهاية هاتين الولايتين بخيبة أمل وأنهم مخدوعون بسبب عدم حل قضاياهم.
سبب آخر لانهيار معسكر الوسط ـ يسار، يتعلق بانتهاء دولة الرفاه في إسرائيل وتبني إسرائيل سياسة اقتصادية نيو ـ ليبرالية. وقبل ذلك كان حزب العمل، وحزب مبام الذي أصبح جزءا من ميرتس، رمزا لدولة الرفاه.
وسبب ثالث يتعلق بباراك نفسه وبولايته في رئاسة الحكومة كزعيم لحزب العمل بين السنوات 1999 و2001. وكان يفترض أن حزب العمل هو قائد معسكر السلام في إسرائيل، لكن باراك طرح، في أعقاب قمة كامب ديفيد الإسرائيلية - الفلسطينية في العام 2000، شعار «عدم وجود شريك فلسطيني» في محادثات السلام. وسبب رابع لانهيار هذا المعسكر هو أنه لا يطرح نفسه كبديل لليمين، بمعنى أنه لا يضع أفكارا لحل قضايا تواجه إسرائيل، وعلى رأسها قضية السلام، في مقابل اليمين. وصرحت مؤخرا رئيسة حزب العمل الحالية، شيلي يحيموفيتش، أنه ينبغي حل قضايا اجتماعية داخلية قبل التفرغ لحل الصراع الإسرائيلي ـ الفلسطيني. وبرغم أن استطلاعات الرأي الأخيرة تنبأت بحصول حزب العمل على 18 مقعدا في الكنيست في الانتخابات المقبلة، وحزب ميرتس على 5 مقاعد، إلا أن هذا المعسكر سيبقى ضعيفا أمام معسكر اليمين.

أولوية مزعومة للصراعات الداخلية
يميل حكم اليمين في إسرائيل إلى منح أولوية لحل صراعات داخلية. وهذه الأولوية المزعومة ترمي بالأساس إلى صد ضغوط خارجية تطالب بحل الصراع مع الفلسطينيين. وعلى رأس الصراعات الداخلية الصراع بين العلمانيين والحريديم، الذي فجرته المحكمة العليا مؤخرا من خلال قرارها بوقف سريان مفعول «قانون طال»، الذي ينظم خدمة الشبان «الحريديم» في الجيش ويمنحهم امتيازات وإعفاءات واسعة، وذلك بدءا من مطلع شهر آب المقبل. وتشير التوقعات إلى أنه ستكون هناك صعوبة بالغة في التوصل إلى اتفاق حول قانون جديد بدلا من «قانون طال» يرضي العلمانيين و«الحريديم». وفي هذه الاثناء هناك حركة شعبية علمانية تطالب بتقاسم عادل للأعباء، المتعلقة بالخدمة العسكرية وبالعمل. فالشبان «الحريديم» لا يشاركون في الخدمة العسكرية مثل العلمانيين ولا يشاركون في سوق العمل إلا بنسب متدنية، ويخصصون وقتهم في دراسة العلوم الدينية.
وصراع آخر يدور حاليا حول إخلاء بؤر استيطانية عشوائية أقامها مستوطنون في الضفة الغربية على أراض بملكية خاصة ومن دون تصريح من الحكومة، لكن رغم ذلك تحصل هذه البؤر على دعم مالي من الحكومة التي تزودهم أيضا ببنى تحتية، مثل شق شوارع وربطهم بشبكتي الكهرباء والماء. ويأتي هذا الصراع بعدما أصدرت المحكمة العليا الإسرائيلية عددا من القرارات تقضي بإخلاء المستوطنين من هذه البؤر وهدمها. وفي المقابل، فإن المستوطنين، الذين أصبحوا جمهورا كبيرا يزيد عن 300 ألف، في الضفة وحدها وبدون القدس الشرقية، يرفضون قرارات المحكمة ويمارسون ضغوطا على الحكومة لسن قوانين تلتف على قرارات المحكمة.
إلى جانب ذلك، هناك قضية أخرى يتعين على الحكومة الإسرائيلية الالتفات إليها لدى طرحها الموازنة العامة المقبلة للدولة. هذه القضية هي الاحتجاجات الاجتماعية التي انتشرت في المدن والبلدات الإسرائيلية في صيف السنة الماضية. ويتوقع أن تعود هذه الاحتجاجات في الصيف الحالي، وأنها ستتضمن طابعا سياسيا أيضا، برغم أنه لن يؤثر على حكم اليمين. كما تتعالى أصوات في إسرائيل تطالب بتغيير طريقة الحكم، بحيث تمنح الطريقة الجديدة القيادة الإسرائيلية القدرة على الحكم. فنتنياهو يتذرع دائما بأنه إذا فاوض الفلسطينيين فإن تحالفه سينهار. كما أن رئيس الحكومة في إسرائيل لا يمكنه حل قضايا مثل تجنيد «الحريديم» من دون اتفاق مع قيادة هذا الجمهور وممثليه في الكنيست. وإلى جانب هذا، فإن رئيس الحكومة قد يختار، مثلما حدث فعلا عدة مرات، تقديم موعد الانتخابات العامة للتهرب من مواجهة قضايا هامة. ويبدو أن مطلب تغيير طريقة الحكم أصبح مطروحا بقوة إلى درجة أنه أحد الخطوط العريضة لحكومة الوحدة الحالية. لكن لا يتوقع طرح مشروع قانون لتغيير طريقة الحكم قبل الانتخابات العامة المقبلة.
هذه الصراعات الداخلية، باستثناء الاستيطان، قائمة في إسرائيل منذ تأسيسها قبل 64 عاما. ولم تسع المؤسسة السياسية إلى حلها بل إلى التوصل إلى تفاهمات حولها. ولا يتوقع حدوث تغير فيها في السنوات المقبلة، خصوصا في ظل حكم اليمين، الذي يستخدم الصراعات الداخلية لمنع حلول سياسية خارجية. ويعني هذا التصور أن الانفراج السياسي ليس قريبا. وفي الوقت نفسه سيستمر اليمين في العمل على ترسيخ حكمه لسنوات طويلة مقبلة.