| 

إذا أردنا أن نعرف بشكل سريع ومختصر كيف تنظر إسرائيل إلى القضيّة الفلسطينيّة بعد 64 عامًا على قيامها، علينا أن نعرف ما هي الحلول التي تعرضها لحل الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي؟
أما إذا قارنّا كيف نظرت الحركة الصهيونيّة إلى القضيّة الفلسطينيّة، وكيف تنظر إسرائيل إليها الآن، فسنجد أن هناك تغييرات كبيرة قد حدثت، ولكن في الشكل وليس في المضمون، فالمقولة الصهيونيّة الأساسيّة كانت هي «شعب بلا أرض لأرض بلا شعب»، والهدف كان إقامة إسرائيل الصغرى من النهر إلى البحر، قد تغيّرا، فقد اعترفت إسرائيل في أوسلو، ولو من حيث الشكل، بوجود الشعب الفلسطيني، عندما اعترفت بالمنظّمة كممثل شرعي له، لكن من دون الاعتراف بحقوقه، ما أفقد هذا الاعتراف معناه، وعندما أقرت بمبدأ قيام دولة فلسطينيّة، وكسرت بذلك مبدأ قيام إسرائيل على كل فلسطين التاريخيّة، ولكن مع تجريد هذه «الدولة» من مقوماتها، وجعلها محل تفاوض مع إسرائيل، وخاضعة للشروط الإسرائيليّة. فالاعتراف بالشعب والمنظّمة والدولة يدل على أن إسرائيل بدأت تعترف بأنها لا تستطيع تحقيق كل ما تريده، أو لا تستطيع تحقيقه حتى الآن.
إن الأسباب الكامنة وراء هذا التراجع الإسرائيلي الإستراتيجي هي:
أولاً: إن الشعب الفلسطيني من خلاله نضاله وتضحياته وبطولاته والدعم العربي والدولي استطاع أن يُبْقِيَ قضيته حيّة بالرغم من كل الأخطاء والخطايا والتنازلات الصغرى والكبرى التي ارتكبتها القيادة الفلسطينيّة والفصائل المختلفة، التي وصلت إلى الذروة بالانقسام السياسي والجغرافي المدمر. فإسرائيل لم تستطع أن تتجاهل أن منظمة التحرير فرضت نفسها بعد أن حصلت على وحدانيّة تمثيل الشعب الفلسطيني وعلى الشرعيّة العربيّة والدوليّة.
ثانيًا: إن إسرائيل من أجل الحفاظ على كونها دولة يهوديّة، أصبحت تفضل مبدأ «بقاء الشعب» على «وحدة أرض إسرائيل»؛ خشيّة من أن يصبح الفلسطينيون بعد عقود قليلة من الزمن أغلبيّة في إسرائيل، ما سيجعلها دولة أبرتهايد بامتياز، وما سيؤدي عاجلًا أم آجلًا إلى تمكن الأغلبيّة الفلسطينيّة من الانتصار على الأقليّة اليهوديّة، التي ستعزل وستحاصر وتقاطع وتعاقب دوليًّا على غرار ما حصل في جنوب أفريقيا.
أكبر دليل على ما سبق أن أريئيل شارون، ملك التطرف والاستيطان، والذي سبق أن قال إن مستوطنة نتساريم المقامة سابقًا في غزة لها الأهميّة نفسها التي تملكها تل أبيب، اضطر إلى إعادة انتشار القوات المحتلة الإسرائيليّة، بحيث «انسحبت» من غزة وفككت المستوطنات المقامة فيها، واكتفت بمحاصرتها برًا وبحرًا وجوًا، وواصلت العدوان والاقتحامات والاغتيالات كلما أرادت ذلك.
لقد برر شارون تراجعه عن مواقفه بأن ما يُرَى من طاولة رئيس الوزراء لا يُرَى من فوق طاولة المعارضة. وليس من قبيل الصدفة أن يصرح أيهود باراك – وزير جيش الاحتلال - مؤخرًا، أنه تجب دراسة عمليّة الانسحاب أحادي الجانب من الضفة في حال فشل المفاوضات (وكأن المفاوضات قائمة وقابلة للنجاح)، وبالرغم من موجة الانتقادات الإسرائيليّة التي شارك فيها وزراء زملاء لباراك، إلا أن نتنياهو التزم الصمت، ما فسرته صحيفة «هآرتس» بأنه دليل على أن ما قاله باراك جرى تنسيقه سلفًا معه، خصوصًا في ظل التوافق الكبير بين الرجلين حول مختلف القضايا الإستراتيجيّة.
طالب باراك بضرورة إطلاق مبادرة إسرائيليّة «لأن استمرار الوضع الحالي من حيث أن المفاوضات مجمدة، وأن المستوطنين يوسعون الاستيطان؛ يخلق وضعًا متفجرًا في كل لحظة، وهذا ليس وضعًا مثاليًّا كما يرى البعض، لأننا إذا واصلنا الجلوس هكذا مكتوفي الأيدي؛ ستصطدم رؤوسنا بالحائط، وسندفع ثمنًا باهظًا، وأنا أقول هذا الكلام في إطار الإنذار والتحذير»، بحسب قوله.
ولتفسير تصريحات باراك لا بد أن نورد ما قاله يورام كوهين، رئيس جهاز الاستخبارات العامة الإسرائيليّة (الشاباك)، الذي اعتبر «أن الفترة الحاليّة في الشرق الأوسط يمكن وصفها بفترة عدم اليقين بشيء، والبركان المتفجر الذي يهدد بمواصلة الانفجار في المستقبل، حيث تتسم المنطقة بانعدام الأمن والحكم المركزي وتعاظم الأصوليّة الإسلاميّة، وتهريب الوسائل القتاليّة، وكل هذه أنماط جديدة للإرهاب».

القوة والقلق
ما سبق يوضح أن إسرائيل بالرغم من تفوقها العسكري والاقتصادي والسياسي والإستراتيجي بصورة عامة، وما تملكه من قوة ودعم أميركي مطلق، تشعر بالقلق بسبب تراجع الدور الإسرائيلي والأميركي في المنطقة والعالم بعد صعود إيران وتركيا، وبعد الهزائم في العراق وأفغانستان، والأزمة الاقتصاديّة العالميّة، والثورات والمتغيرات العربيّة، وبعد وقف المفاوضات، وبحث الفلسطينيين عن بدائل أخرى.
إن هذا القلق لا يؤدي إلى فزع، وإنما إلى استعدادات إسرائيلية لكل الخيارات، وعمل حثيث لاستيعاب المتغيرات والثورات والسعي إلى احتوائها، والسيطرة عليها، والاستعداد للتعامل مع الأخطار والتهديدات المتولدة عنها عن طريق الاحتفاظ بقوة الردع وزيادتها، ولو اقتضى الأمر إلى الحرب مثلما يظهر بالتهديدات الإسرائيليّة والتحريض الإسرائيلي لضرب إيران؛ لمنعها من الحصول على القنبلة النوويّة.
إن إسرائيل تضع عدة خيارات مفضلة لديها للتعامل مع القضيّة الفلسطينيّة، تشمل إسرائيل الكبرى، والتهجير، والوطن البديل، والخيار الأردني والوصاية المصرية، والخطوات أحاديّة الجانب، والدولة ذات الحدود المؤقتة. لكن الخيار الأكثر تفضيلًا هو بقاء الوضع الراهن، لأنه يجعل الاحتلال الإسرائيلي مربحًا «احتلال خمس نجوم»، والانتقادات الدوليّة له محدودة يمكن العيش معها، كما يمكن إسرائيل من استخدام ما يسمى «عمليّة السلام»، واستعدادها لاستئناف المفاوضات كغطاء للاستمرار في تنفيذ مخططاتها التوسعيّة والاستيطانيّة والعنصريّة والعدوانيّة، التي تهدف إلى استكمال خلق أمر واقع، خصوصًا في القدس، يجعل الحلول الإسرائيليّة هي الحلول الوحيدة المعروضة والقابلة للتنفيذ.
ونظرًا إلى أن أوساطًا إسرائيليّة متزايدةً تعرف أن هذا الوضع الراهن لا يمكن أن يستمر إلى الأبد، بل يمكن أن يؤدي إلى ثورات أو انتفاضات فلسطينيّة جديدة، تستدعي تدخلًا عربيًّا ودوليًّا قد يفرض مبادرات لا تناسب إسرائيل، خصوصًا في ظل هذه الفترة من عدم اليقين والبركان المتفجر الذي تعيشه المنطقة.
في هذا السياق، تأتي تصريحات باراك عن التسوية أحاديّة الجانب كمحاولة للقضاء على الجمود الذي تعيشه المفاوضات، ولجعل الخطة الإسرائيليّة، في حال إقرارها، اللعبة الوحيدة في المدينة التي سيتنافس الأوروبيون والأميركيون وغيرهم على الإشادة بها بدلًا من أن يضغطوا على إسرائيل لقبول المبادرة العربيّة أو أي مبادرة أخرى لا تلائم إسرائيل، مع أنها محاولة لبيع البضاعة القديمة (الحكم الذاتي) بثوب جديد (الدولة المؤقتة).
باراك يحاول أن يواصل ما بدأه شارون في غزة، حيث استطاع من خلال خطة الفصل التي نفذها هناك، والتي مثّلت خطوة إلى الوراء في غزة من أجل التقدم عشر خطوات في الضفة وبث الفتنة بين الفلسطينيين من خلال عدم التنسيق مع السلطة، ما أدى إلى المساهمة في صعود «حماس» وصولًا إلى الاقتتال والانقسام؛ حتى يمكن استعادة زمام المبادرة وقطع الطريق على الخيارات والمبادرات الأخرى.
زملاء باراك الوزراء الذين انتقدوا تصريحاته لا يدركون مزايا المبادرة والخطوات أحاديّة الجانب، فحججهم تستند إلى الفشل الذريع لخطة الفصل في قطاع غزة (جدعون ساعر)، أو أن النزاع لن ينتهي إلى حل لما حصل عام 1967، وأن علينا أن نتحدث عن طريق المفاوضات، وليس عن حل (موشيه يعلون)، أو أن حالة باراك ميئوس منها، لأنه لا يرى ولا يفهم ما يجري هنا منذ الانسحاب الإجرامي من قطاع غزة (داني ديان رئيس مجلس المستوطنات).
إن الخطوة الأحاديّة قد تكون مجدية ما دامت التسوية النهائيّة متعذرة، مع أنها سلاح ذو حدين كما يقول الصحافي الإسرائيلي دان مرغليت، وعلينا كما أرى أن نستعد لاحتمال أن تصبح مطروحة في العام القادم، خصوصًا إذا فاز باراك أوباما بفترة رئاسيّة ثانية.
ما يعزز هذا الاحتمال طلب أوباما من الرئيس «أبو مازن» ألا يتخذ أي خطوات أحاديّة، مثل الذهاب إلى الأمم المتحدة، أو إلى مصالحة لا تلبي شروط اللجنة الرباعيّة مقابل وعد أوباميّ جديد يقضي بأن يعطي الأولويّة في فترة رئاسته الثانية لاستئناف المفاوضات والتوصل إلى حل. وإذا صدقت توقعات «هآرتس» بأن تصريحات باراك منسقة مع نتنياهو، فهذا يدل على خطة استباقيّة لإجهاض أي تحرك فلسطيني عربي أو أميركي أو دولي يضع الجميع أمام أمر واقع سيتبارى الجميع على مدحه، بالرغم من أنه لا يلبي ما يطالبون به، لأنه سيكون أفضل من استمرار الوضع الحالي.
الأهم مما سبق، أن إسرائيـــل مـــنذ الهجرة الصهيونيّة الأولى لفلسطين وبعد قيام إسرائيل واحـــتلالها لبقيّة فلسطين والجولان وسيناء في حرب 1967، اعتمــــدت سياسة خلق الحقائق الاحتلاليّة والاستيطانيّة علــى الأرض التي يمكن تسميتها بالخطوات أحاديّة الجانب، حـــتى بعد توقيع اتفاق أوسلو الذي ينص على الامتناع عن القـــيام بمثل هذه الخطوات، لأنها تعتمد على أنها الدولة المــحتلة القويّة، وعدم وجود رد فلسطـــيني أو عربــي أو دولــي رادع لها، بحيث تفرض الوقائع ثم تـــحاول أن تحصل على الشرعيّة لــها ثم تــبدأ بخلـق حقـائق جـديدة... وهكذا.
في ظل الهوة الواسعة والمتزايدة بين الموقفين الفلسطيني والإسرائيلي بعد اتجاه اسرائيل نحو المزيد من التطرف والتوسع والعنصريّة لدرجة وضع شروط تعجيزيّة جديدة، مثل الاعتراف بإسرائيل كدولة يهوديّة، تصر على تضمينها بأي اتفاق سلام مع الفلسطينيين، وبعد الثورات والمتغيرات العربيّة وصعود الإسلام السياسي، التي تُحَسِّن الوضع الإستراتيجي الفلسطيني على المدى البعيد؛ لن يستطيع الرئيس «أبو مازن» أو أكثر الفلسطينيين اعتدالا أن يقبل ما قبله هو أو سلفه ياسر عرفات سابقًا، أكان في مفاوضات كامب ديفيد عام 2000 ومباحثات طابا عام 2001، أو أثناء المفاوضات مع حكومة أيهود أولمرت عام 2008، فكيف سيقبل أقصى ما يمكن أن تعرضه إسرائيل حاليًّا، وهو دولة ذات حدود مؤقتة أقل مما كان مطروحٌ سابقًا؟! لذا من المحتمل أن تصبح الخطوات الأحاديّة إحدى المبادرات التي ستقدم عليها إسرائيل إذا استمر وقف المفاوضات.
وهنا يجب ألا تخدعنا تصريحات وزيرة الخارجية الأميركية التي رفضت تصريحات باراك حول الخطوات الأحاديّة، ودعت إلى استئناف المفاوضات، لأن هذا الرفض قابل للتبخر، مثلما تبخرت الوعود الأميركية السابقة، بحيث تصبح الخطوة الأحاديّة الإسرائيلية القادمة خشبةَ الخلاص التي تمنع «دفن عملية السلام» الميتة منذ زمن. يجب ألا ننسى أن خارطة الطريق الدولية تضمّنت خيار الدولة المؤقتة، ولكنها طرحته كاختيار وليس كالتزام.

الدولة الموقتة
صحيح إن وضع الضفة الغربيّة أكثر تعقيدًا بكثير من قطاع غزة، ولكن لا يمكن إهمال أن ما تقوم به إسرائيل على الأرض يشق الطريق لحل انتقالي جديد عنوانه الدولة الموقتة، ولا مغزى الخطوة التي أقدم عليها نتنياهو بضم حزب كاديما بزعامة شاؤول موفاز، صاحب الخطة المعلنة بالحل على مرحلتين: الأولى بقيام دولة فلسطينيّة ذات حدود مؤقتة على 60% من الضفة الغربيّة، والثانية (التي تدل التجربة بأنها لن تأتي أبدًا) بعد خمس سنوات والتوصل إلى اتفاق نهائي يشمل جميع قضايا الصراع.
ما يجعل خيار الدولة ذات الحدود المؤقتة مفضلا لإسرائيل، أنه يلبي كل مطالبها بعدم الانسحاب من القدس والأغوار والجدار والكتل الاستيطانيّة ومعظم المستوطنات الأخرى، ويمكنها من الاحتفاظ بالسيطرة على أحواض المياه والأماكن الدينيّة والأثريّة والنقاط الأمنيّة والإستراتيجيّة والسيادة على الأجواء والمياه والحدود، والقفز عن قضيّة اللاجئين، ويظهر إسرائيل على غير حقيقتها، وكأنها تريد السلام ومستعدة لتقديم «تنازلات مؤلمة» من أجله!
الدولة ذات الحدود المؤقتة، سواء إذا طُبّقت عبر خطوات أحاديّة الجانب أو باتفاق فلسطيني ـ إسرائيلي، فإنها قد تصبح خطوة «واقعية» في ظل تغييب الخيارات التي يمكن تبنيها فلسطينيا، وبالتالي تُمَكِّن إسرائيل من تحقيق أطماعها وأهدافها ومصالحها بتصفيّة القضيّة الفلسطينيّة وسلخ القدس والأراضي التي تريد ضمها لها عن بقيّة الأراضي المحتلة، وتفتح الطريق أمام «نشوء كيانات» فلسطينيّة جديدة في الضفة، وتنافس بين القوى والقيادات والفعاليات المحليّة من أجل اعتمادها من إسرائيل أو بقاء الفلسطينيين مشغولين في إدارة الانقسام أو التنافس في كيفيّة إجراء الانتخابات البلديّة والتشريعيّة والرئاسيّة وانتخابات المجلس الوطني.
بالرغم من ذلك، لا يمكن مرور هذا الخيار بسهولة في الحكومة الإسرائيلية الحالية، وإذا مرّ فهو أقصى ما يمكن أن تقدّمه إسرائيل.
علينا أن نعرف أنّ إسرائيل، في الاتجاه الغالب وليس الحكومة فقط، معادية للسلام، وأنّ المشروع الصهيوني لم يغلق، بما في ذلك عدم إسقاط الخيارات الإسرائيلية الأكثر تطرفًا، التي يمكن أن ترى النور إذا شهدت المنطقة متغيرات إستراتيجية، مثل حرب منتصرة إسرائيلية أميركية على إيران، أو تعميم تقسيم البلدان العربية وشعوبها ودخولها في الفوضى وحروب أهلية لا تنتهي.
تأسيسًا على ما سبق، لا يوجد حل وطني فلسطيني على الأبواب، ومثل هذا الحل لا يمكن من دون تغيير موازين القوى ونشوء وضع عربي مختلف داعم، يرى أن القضية الفلسطينية قضية عربية وليس فلسطينية فقط.

* المدير العام لمركز مسارات لأبحاث السياسات.